خزائن لصوص بغداد الكبار فاقت مغارة علي بابا

المصدر: اندبندنت عربية
15 آب 2026

أطنان من الذهب محشوة في أنابيب الصرف بالمزارع البعيدة وملايين الدولارات في مغلفات بلاستكية تحت الأرض وداخل الجدران

هذا الجزء البسيط الظاهر كان مروعاً وصادماً للجمهور الذي ما كان يدرك أنه ينهب إلى هذا الحد، وأن موارد نفطه تتبخر لتستقر في جيوب بضعة سياسيين تحالفوا عبر المحاصصة السياسية والحزبية لتأمين مظلة حماية توفر الغطاء الآمن للسرقة.

تخطى الفساد في العراق مظاهره الشائعة عالمياً ليمسي نمطاً من “إبداع الفاسدين”، إذا صح التعبير، في طريقة تمدده ومنافذ السرقات وطرقها ومخابئها التي لم يشهد مثلها تاريخ بغداد من قبل، إذ لم يرد في كتب التاريخ، التي تناولت حكايات الشطار والعيارين، ذلك الاستشراء في السرقات ومحاولة حجبها عن أعين السلطات، حين اقترن الفساد الحالي بمظاهر العوز المجتمعي العام، الذي انقلب عليه الحاكم الجديد ليكشف جزءاً يسيراً منه، بحسب ترجيح مراقبين للمشهد العراقي.

على رغم ذلك فإن هذا الجزء البسيط الظاهر كان مروعاً وصادماً للجمهور الذي ما كان يدرك أنه ينهب إلى هذا الحد، وأن موارد نفطه تتبخر لتستقر في جيوب بضعة سياسيين تحالفوا عبر المحاصصة السياسية والحزبية لتأمين مظلة حماية توفر الغطاء الآمن للسرقة التي يرافقها الاستحواذ والانتقام من الخصوم والأنداد، وإشاعة جو من الطائفية التي لم تستمر طويلاً بعد إدراك الغالبية دوافعها ومثيراتها، والأغراض التي تؤديها إثارة الفوضى “من أجل توفير غطاء السرقة”، كما قال وزير ورئيس كتلة نافذ في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”اندبندنت عربية” رداً على سؤال عن سر الفوضى التي تعيشها العاصمة بغداد، إذ أكد أنها “مقصودة لإثارة الغبار ولكي لا يرى الناس سبل السرقة”.

وزارات مقفلة للسراق

مظاهر الفساد كشفت تركزه في وزارتي النفط والكهرباء، إضافة إلى مجالات أخرى كالمنافذ الحدودية والموانئ والجمارك، وتمثلت في تزوير الشهادات في التعليم وسواه حتى بات الفساد مستشرياً في كل مرافق الدولة من خلال فساد طبقات من الموظفين في القطاعات العامة والخاصة، وإشراك جيل من الموظفين الصغار للعمل تحت إمرة السياسيين المتورطين بسرقة المال العام، وابتكار طرق حجب الأموال والمقتنيات من عوائد ذلك المال العام الذي يستحيل ذهباً بكميات تصل إلى أطنان مخبأة في بيوت وأماكن الفاسدين.

أما كيف تجبى الأموال فمن خلال اللجان الاقتصادية للأحزاب والكتل السياسية التي كانت مهمتها الاستحواذ على العقود الحكومية بشتى الطرق ولو بتصفية المنافسين أو باستخدام الميليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد تحت رعاية سياسية أو برلمانية أو حزبية، فمن النادر أن تعمل كتلة سياسية من دون لجان اقتصادية تختارها من أبرع منتسبيها وتمنحها كل الحصانات الممكنة لغطاء تحركها في المجتمع لانتزاع الإتاوات والعقود.

خزائن السراق ومخابئهم

يقول الباحث والدبلوماسي السابق كاظم الركابي “لم تعد الحسابات المصرفية أماناً للفاسدين فتفتقت أذهانهم عن طرق تخزين سينمائية، إذ ضبطت الأجهزة الأمنية مئات الملايين من الدولارات والسبائك ملفوفة بطبقات مضاعفة من أكياس البلاستيك الحراري، ومدمجة داخل أحواض وتجاويف جدارية أو حفر لمنع وصول الرطوبة والروائح إليها، أو في مخبأ خزان المياه والصرف الصحي في واحدة من أغرب المداهمات، إذ عثر على مبالغ نقدية ضخمة بالدولار وسبائك ذهبية محشوة داخل أنابيب وخزانات مياه متصلة بشبكات الصرف في منازل ومزارع نائية، ظناً منهم أن البحث لن يصل إلى هذه النقاط المنفرة. وكذلك تحويل بعض المنازل إلى خزائن جدارية كاملة، حيث تم بناء جدران وهمية (جبسون بورد) خلفها تجاويف محشوة بالكامل لا يمكن الوصول إليها إلا عبر أزرار سرية أو تحريك قطع أثاث معينة، ولم تكن المبالغ تخزن فحسب، وإنما جرى تحويلها إلى أصول نادرة يصعب تتبعها، إذ تمت مصادرة مئات الساعات الفارهة من إصدارات محدودة جداً عالمياً (تصل قيمة الساعة الواحدة أحياناً إلى نصف مليون دولار)، إذ عدت هذه الساعات (عملة صعبة) سهلة النقل والتداول في السوق السوداء”، ويتابع “كذلك تم ضبط كميات من الذهب مسبوكة بصور غير تقليدية ومخزنة في صناديق حديدية داخل مخازن تجارية عادية لتبدو للوهلة الأولى وكأنها بضائع أو قطع غيار مخزنة، وكشفت التحقيقات عن امتلاك شخصيات برتب دنيا أو موظفين صغار عشرات العقارات والمجموعات السكنية الكاملة في أرقى أحياء بغداد وإقليم كردستان، إذ كانوا مجرد واجهات لأسماء كبيرة، وكشفت بعض الاعترافات عن وجود شبكات معقدة تمتلك مكاتب استشارية سرية مهمتها فقط دراسة الثغرات القانونية في عقود الدولة، وابتكار طرق لغسل الأموال وتحويلها فوراً إلى خارج العراق عبر شركات صرافة وواجهات تجارية”.

ويضيف “كانت إحدى أكثر الظواهر غرابة للمحققين هي السقوط السريع لما يسمى (حيتان الفساد)، إذ أدى القبض على عنصر مفصلي واحد إلى انهيار كامل للشبكة وتداعي الأسماء مثل أحجار الدومينو، وقدموا اعترافات تفصيلية وبالمستندات ضد شركائهم فور تيقنهم من جدية الإجراءات القضائية والأمنية، واستحدثت السلطات ظاهرة استثنائية تمثلت في عرض أطنان من الأموال واستردادها بالنيابة أو الحضور الشخصي وأمام وسائل الإعلام وإيداعها مباشرة بآليات توثيق صارمة في حسابات البنك المركزي لقطع الطريق على أي تلاعب أو تسرب”.

أمام اختبار حقيقي

يرى المتخصص في العلاقات الدولية والتنمية السياسية غازي فيصل حسين أن “ملف الفساد المالي يمثل اليوم أحد أكبر اختبارات الدولة العراقية، فالبلد لا يعاني نقص الموارد، وإنما مشكلة إدارة تلك الموارد وحمايتها وتوجيهها نحو التنمية، وإذا كان الفساد قد وصل إلى مرحلة تتداخل فيها المصالح المالية مع النفوذ السياسي والأمني، فإن مواجهته تصبح قضية تتعلق بالأمن الوطني وبمستقبل الدولة، وليس مجرد ملف إداري أو مالي، لذلك فإن المطلوب هو فتح الملفات على أساس القانون، وتدقيق الوثائق والأرقام، ومراجعة حركة الأموال والتحويلات، وتفعيل دور القضاء والادعاء العام والرقابة المالية والبنك المركزي، وصولاً إلى حقيقة واضحة ومعلنة أمام الشعب العراقي، فالمال العام ليس رقماً في تقرير، وإنما هو حق لملايين العراقيين، وأي هدر أو اختلاس له يمثل اعتداء مباشراً على مستقبل الدولة والمجتمع”.

ويضيف الباحث “لم يعد الفساد المالي في العراق مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات مالية متفرقة، بل أصبح، وفق ما تشير إليه تقارير ووثائق وتصريحات لمسؤولين ونواب سابقين، قضية تمس بنية الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وحماية المال العام، فحين تطرح أرقام ضخمة عن أموال أنفقت أو اختفت من دون مستندات واضحة أو آليات رقابية فعالة، فإن السؤال لا يعود فقط أين ذهبت هذه الأموال؟ وإنما من المسؤول عنها؟ ولماذا لم تتمكن مؤسسات الدولة، حتى الآن، من الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المتورطين؟ وتزداد خطورة المسألة عندما يتقاطع الفساد المالي مع النفوذ السياسي والاقتصادي والسلاح والجريمة المنظمة، بما قد يؤدي إلى نشوء شبكات مصالح قادرة على التأثير في مؤسسات الدولة وتعطيل آليات الرقابة والمساءلة”.

فاسدون صغار للحماية

ويذهب الباحث الأكاديمي كاظم المقدادي بعيداً في توصيف عملية مداهمة الفاسدين وبواعثها من وجهة نظر أخرى، قائلاً إن “المشهد العراقي فيه مفاجآت كثيرة، وهذا هو الفصل الأول من المشهد السياسي، من خلال كشف بعض الفاسدين مثل وكيل وزير النفط عدنان الجميلي، فلكل فاسد علاقة مع كبار الفاسدين أو الحيتان الكبيرة، على سبيل المثال نور زهير، المسؤول عن سرقة القرن كما تم وصفه في العراق، وزع سرقته على شريحة كبيرة من الشركاء بمليارات الدولارات، وحين تم كشف السرقة بأكثر من ملياري دولار، طلب في حال عودته إلى بغداد، عقد مؤتمر صحافي لفضح المسؤولين الكبار الذين شاركوه بتقسيم السرقة، وحينها تركوه خارج العراق، والآن هو طليق في إحدى الدول”.

ويؤكد المقدادي “هذه المرة العملية جرت بإشراف أميركي مباشر لإنقاذ العملية السياسية، وعلى رغم أن عملية كشف الفاسدين ومن بينهم سياسيون كبار أمثال مثنى السامرائي وأحمد الأسدي وعالية نصيف، لكن الكبار المهمين من الفاسدين لم يقترب أحد منهم، وتفسيري هو أن كشف بعض الفاسدين ظهر لدرء حدوث انفجار كبير متوقع، فلا بد من كشف بعض مظاهر الفساد وأسماء الفاسدين التي ظهرت، والناس تنتظر مزيداً، وهذا جزء من لعبة تغيير اتجاهات الرأي العام، فحين سئل المتحدث باسم رئيس الوزراء حيدر العبودي عن أسباب الفتور في كشف مزيد من أسماء الفاسدين أكد أن عدنان الجميلي اعترف فألقوا القبض على من اعترف عليهم، بمعنى أن الاعتقالات تتم عادة بناءً على اعترافات مسبقة”.

ويبدي الباحث مخاوف من مآلات الأوضاع في العراق، بقوله إن “الوضع الاقتصادي الآن على المحك، لا سيما أن رئيس الحكومة السابق أفرغ الخزانة العراقية خلال الأعوام الثلاثة التي تولاها بكلفة مشاريع عالية جداً، حتى إن بعض القطاعات لم تتسلم رواتبها كالصحة والتعليم، ومع مرور كل شهر هناك خشية من عدم وجود القدرة المالية لتوزيع الرواتب الشهرية على رغم أن البنك الفيدرالي الأميركي أرسل مئات الملايين من الدولارات لدعم العملة العراقية، ولمنع فكرة طبع النقود الورقية داخل العراق، وكل هذا يكشف عن أن الوضع متأزم، فالدولة والمسؤولون في أزمة انعكست على كل مواطن عراقي، والكل بات متيقناً أن هذا النظام سينهار يوماً ما إذا استمر الوضع السياسي والاقتصادي على هذا النحو المريع”.

خزائن لصوص بغداد الكبار فاقت مغارة علي بابا

المصدر: اندبندنت عربية
15 آب 2026

أطنان من الذهب محشوة في أنابيب الصرف بالمزارع البعيدة وملايين الدولارات في مغلفات بلاستكية تحت الأرض وداخل الجدران

هذا الجزء البسيط الظاهر كان مروعاً وصادماً للجمهور الذي ما كان يدرك أنه ينهب إلى هذا الحد، وأن موارد نفطه تتبخر لتستقر في جيوب بضعة سياسيين تحالفوا عبر المحاصصة السياسية والحزبية لتأمين مظلة حماية توفر الغطاء الآمن للسرقة.

تخطى الفساد في العراق مظاهره الشائعة عالمياً ليمسي نمطاً من “إبداع الفاسدين”، إذا صح التعبير، في طريقة تمدده ومنافذ السرقات وطرقها ومخابئها التي لم يشهد مثلها تاريخ بغداد من قبل، إذ لم يرد في كتب التاريخ، التي تناولت حكايات الشطار والعيارين، ذلك الاستشراء في السرقات ومحاولة حجبها عن أعين السلطات، حين اقترن الفساد الحالي بمظاهر العوز المجتمعي العام، الذي انقلب عليه الحاكم الجديد ليكشف جزءاً يسيراً منه، بحسب ترجيح مراقبين للمشهد العراقي.

على رغم ذلك فإن هذا الجزء البسيط الظاهر كان مروعاً وصادماً للجمهور الذي ما كان يدرك أنه ينهب إلى هذا الحد، وأن موارد نفطه تتبخر لتستقر في جيوب بضعة سياسيين تحالفوا عبر المحاصصة السياسية والحزبية لتأمين مظلة حماية توفر الغطاء الآمن للسرقة التي يرافقها الاستحواذ والانتقام من الخصوم والأنداد، وإشاعة جو من الطائفية التي لم تستمر طويلاً بعد إدراك الغالبية دوافعها ومثيراتها، والأغراض التي تؤديها إثارة الفوضى “من أجل توفير غطاء السرقة”، كما قال وزير ورئيس كتلة نافذ في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”اندبندنت عربية” رداً على سؤال عن سر الفوضى التي تعيشها العاصمة بغداد، إذ أكد أنها “مقصودة لإثارة الغبار ولكي لا يرى الناس سبل السرقة”.

وزارات مقفلة للسراق

مظاهر الفساد كشفت تركزه في وزارتي النفط والكهرباء، إضافة إلى مجالات أخرى كالمنافذ الحدودية والموانئ والجمارك، وتمثلت في تزوير الشهادات في التعليم وسواه حتى بات الفساد مستشرياً في كل مرافق الدولة من خلال فساد طبقات من الموظفين في القطاعات العامة والخاصة، وإشراك جيل من الموظفين الصغار للعمل تحت إمرة السياسيين المتورطين بسرقة المال العام، وابتكار طرق حجب الأموال والمقتنيات من عوائد ذلك المال العام الذي يستحيل ذهباً بكميات تصل إلى أطنان مخبأة في بيوت وأماكن الفاسدين.

أما كيف تجبى الأموال فمن خلال اللجان الاقتصادية للأحزاب والكتل السياسية التي كانت مهمتها الاستحواذ على العقود الحكومية بشتى الطرق ولو بتصفية المنافسين أو باستخدام الميليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد تحت رعاية سياسية أو برلمانية أو حزبية، فمن النادر أن تعمل كتلة سياسية من دون لجان اقتصادية تختارها من أبرع منتسبيها وتمنحها كل الحصانات الممكنة لغطاء تحركها في المجتمع لانتزاع الإتاوات والعقود.

خزائن السراق ومخابئهم

يقول الباحث والدبلوماسي السابق كاظم الركابي “لم تعد الحسابات المصرفية أماناً للفاسدين فتفتقت أذهانهم عن طرق تخزين سينمائية، إذ ضبطت الأجهزة الأمنية مئات الملايين من الدولارات والسبائك ملفوفة بطبقات مضاعفة من أكياس البلاستيك الحراري، ومدمجة داخل أحواض وتجاويف جدارية أو حفر لمنع وصول الرطوبة والروائح إليها، أو في مخبأ خزان المياه والصرف الصحي في واحدة من أغرب المداهمات، إذ عثر على مبالغ نقدية ضخمة بالدولار وسبائك ذهبية محشوة داخل أنابيب وخزانات مياه متصلة بشبكات الصرف في منازل ومزارع نائية، ظناً منهم أن البحث لن يصل إلى هذه النقاط المنفرة. وكذلك تحويل بعض المنازل إلى خزائن جدارية كاملة، حيث تم بناء جدران وهمية (جبسون بورد) خلفها تجاويف محشوة بالكامل لا يمكن الوصول إليها إلا عبر أزرار سرية أو تحريك قطع أثاث معينة، ولم تكن المبالغ تخزن فحسب، وإنما جرى تحويلها إلى أصول نادرة يصعب تتبعها، إذ تمت مصادرة مئات الساعات الفارهة من إصدارات محدودة جداً عالمياً (تصل قيمة الساعة الواحدة أحياناً إلى نصف مليون دولار)، إذ عدت هذه الساعات (عملة صعبة) سهلة النقل والتداول في السوق السوداء”، ويتابع “كذلك تم ضبط كميات من الذهب مسبوكة بصور غير تقليدية ومخزنة في صناديق حديدية داخل مخازن تجارية عادية لتبدو للوهلة الأولى وكأنها بضائع أو قطع غيار مخزنة، وكشفت التحقيقات عن امتلاك شخصيات برتب دنيا أو موظفين صغار عشرات العقارات والمجموعات السكنية الكاملة في أرقى أحياء بغداد وإقليم كردستان، إذ كانوا مجرد واجهات لأسماء كبيرة، وكشفت بعض الاعترافات عن وجود شبكات معقدة تمتلك مكاتب استشارية سرية مهمتها فقط دراسة الثغرات القانونية في عقود الدولة، وابتكار طرق لغسل الأموال وتحويلها فوراً إلى خارج العراق عبر شركات صرافة وواجهات تجارية”.

ويضيف “كانت إحدى أكثر الظواهر غرابة للمحققين هي السقوط السريع لما يسمى (حيتان الفساد)، إذ أدى القبض على عنصر مفصلي واحد إلى انهيار كامل للشبكة وتداعي الأسماء مثل أحجار الدومينو، وقدموا اعترافات تفصيلية وبالمستندات ضد شركائهم فور تيقنهم من جدية الإجراءات القضائية والأمنية، واستحدثت السلطات ظاهرة استثنائية تمثلت في عرض أطنان من الأموال واستردادها بالنيابة أو الحضور الشخصي وأمام وسائل الإعلام وإيداعها مباشرة بآليات توثيق صارمة في حسابات البنك المركزي لقطع الطريق على أي تلاعب أو تسرب”.

أمام اختبار حقيقي

يرى المتخصص في العلاقات الدولية والتنمية السياسية غازي فيصل حسين أن “ملف الفساد المالي يمثل اليوم أحد أكبر اختبارات الدولة العراقية، فالبلد لا يعاني نقص الموارد، وإنما مشكلة إدارة تلك الموارد وحمايتها وتوجيهها نحو التنمية، وإذا كان الفساد قد وصل إلى مرحلة تتداخل فيها المصالح المالية مع النفوذ السياسي والأمني، فإن مواجهته تصبح قضية تتعلق بالأمن الوطني وبمستقبل الدولة، وليس مجرد ملف إداري أو مالي، لذلك فإن المطلوب هو فتح الملفات على أساس القانون، وتدقيق الوثائق والأرقام، ومراجعة حركة الأموال والتحويلات، وتفعيل دور القضاء والادعاء العام والرقابة المالية والبنك المركزي، وصولاً إلى حقيقة واضحة ومعلنة أمام الشعب العراقي، فالمال العام ليس رقماً في تقرير، وإنما هو حق لملايين العراقيين، وأي هدر أو اختلاس له يمثل اعتداء مباشراً على مستقبل الدولة والمجتمع”.

ويضيف الباحث “لم يعد الفساد المالي في العراق مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات مالية متفرقة، بل أصبح، وفق ما تشير إليه تقارير ووثائق وتصريحات لمسؤولين ونواب سابقين، قضية تمس بنية الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وحماية المال العام، فحين تطرح أرقام ضخمة عن أموال أنفقت أو اختفت من دون مستندات واضحة أو آليات رقابية فعالة، فإن السؤال لا يعود فقط أين ذهبت هذه الأموال؟ وإنما من المسؤول عنها؟ ولماذا لم تتمكن مؤسسات الدولة، حتى الآن، من الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المتورطين؟ وتزداد خطورة المسألة عندما يتقاطع الفساد المالي مع النفوذ السياسي والاقتصادي والسلاح والجريمة المنظمة، بما قد يؤدي إلى نشوء شبكات مصالح قادرة على التأثير في مؤسسات الدولة وتعطيل آليات الرقابة والمساءلة”.

فاسدون صغار للحماية

ويذهب الباحث الأكاديمي كاظم المقدادي بعيداً في توصيف عملية مداهمة الفاسدين وبواعثها من وجهة نظر أخرى، قائلاً إن “المشهد العراقي فيه مفاجآت كثيرة، وهذا هو الفصل الأول من المشهد السياسي، من خلال كشف بعض الفاسدين مثل وكيل وزير النفط عدنان الجميلي، فلكل فاسد علاقة مع كبار الفاسدين أو الحيتان الكبيرة، على سبيل المثال نور زهير، المسؤول عن سرقة القرن كما تم وصفه في العراق، وزع سرقته على شريحة كبيرة من الشركاء بمليارات الدولارات، وحين تم كشف السرقة بأكثر من ملياري دولار، طلب في حال عودته إلى بغداد، عقد مؤتمر صحافي لفضح المسؤولين الكبار الذين شاركوه بتقسيم السرقة، وحينها تركوه خارج العراق، والآن هو طليق في إحدى الدول”.

ويؤكد المقدادي “هذه المرة العملية جرت بإشراف أميركي مباشر لإنقاذ العملية السياسية، وعلى رغم أن عملية كشف الفاسدين ومن بينهم سياسيون كبار أمثال مثنى السامرائي وأحمد الأسدي وعالية نصيف، لكن الكبار المهمين من الفاسدين لم يقترب أحد منهم، وتفسيري هو أن كشف بعض الفاسدين ظهر لدرء حدوث انفجار كبير متوقع، فلا بد من كشف بعض مظاهر الفساد وأسماء الفاسدين التي ظهرت، والناس تنتظر مزيداً، وهذا جزء من لعبة تغيير اتجاهات الرأي العام، فحين سئل المتحدث باسم رئيس الوزراء حيدر العبودي عن أسباب الفتور في كشف مزيد من أسماء الفاسدين أكد أن عدنان الجميلي اعترف فألقوا القبض على من اعترف عليهم، بمعنى أن الاعتقالات تتم عادة بناءً على اعترافات مسبقة”.

ويبدي الباحث مخاوف من مآلات الأوضاع في العراق، بقوله إن “الوضع الاقتصادي الآن على المحك، لا سيما أن رئيس الحكومة السابق أفرغ الخزانة العراقية خلال الأعوام الثلاثة التي تولاها بكلفة مشاريع عالية جداً، حتى إن بعض القطاعات لم تتسلم رواتبها كالصحة والتعليم، ومع مرور كل شهر هناك خشية من عدم وجود القدرة المالية لتوزيع الرواتب الشهرية على رغم أن البنك الفيدرالي الأميركي أرسل مئات الملايين من الدولارات لدعم العملة العراقية، ولمنع فكرة طبع النقود الورقية داخل العراق، وكل هذا يكشف عن أن الوضع متأزم، فالدولة والمسؤولون في أزمة انعكست على كل مواطن عراقي، والكل بات متيقناً أن هذا النظام سينهار يوماً ما إذا استمر الوضع السياسي والاقتصادي على هذا النحو المريع”.

مزيد من الأخبار