تركيا تبادر في لبنان بعد سوريا وزيارة قريبة:السلاح والانسحاب

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
17 آب 2026

تحضّر تركيا لمبادرة تتقدم بها لمنطقة المشرق العربي. تسعى لتنسيقها ومناقشتها مع دول عربية عديدة، خصوصاً مع السعودية، مصر، قطر والولايات المتحدة الأميركية. عناوين وملامح المبادرة هي احتواء النفوذ الإيراني، والتصدي للمشروع الإسرائيلي ومنع إسرائيل من تقسيم الدول أو تفتيتها أو الاستفراد بها. تشكل سوريا، لبنان، غزة والضفة الغربية العناصر المركزية في هذه المبادرة، خصوصاً أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يضعها في خانة “الأمن القومي التركي”. من أسس هذه المبادرة التركيز على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وجنوب سوريا وجنوب لبنان، على أن تقود أنقرة مساراً لتفكيك الفصائل المسلحة وفصائل المقاومة ووضعها تحت سيطرة الدولة، إضافة إلى وضع إطار تنسيقي بين دول المنطقة في مسار التفاوض مع إسرائيل. 

خيار الاحتواء

يأتي التحرك التركي في المنطقة بنيّة غير صدامية، وهو ما عبّر عنه أردوغان نفسه عندما تحدث عن اتفاق مكة أو الاتفاق بين تركيا، السعودية وباكستان، معتبراً أنه تحالف دفاعي وهدفه السلام، ولكن إذا فرضت عليه الحرب فسيكون جاهزاً لها. في النظرة الجيوسياسية لهذا التحالف، يفترض أن يشكل حصانة لدول كثيرة في المنطقة، من دون إغفال بعض الاختلاف في حسابات كل دولة، مع الإشارة إلى أن تركيا لا تريد صداماً مع إيران ولا تؤيد الحرب عليها، وهي تسعى لانتهاج خيار الاحتواء واستمرار الحوار مع طهران. 

توازنات جديدة

تحدث أردوغان عن أن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وفي ذلك إشارة واضحة إلى التركيز التركي على لعب دور أساسي في المشرق العربي، أو في الهلال الخصيب، وجعل هذه المنطقة مرتبطة ببعضها بعضاً ليس جغرافياً فقط، بل سياسياً واقتصادياً، وتحويلها إلى المنطلق الأساسي لممرات التجارة والنفط. تركز تركيا على التحالف مع السعودية لبناء هذا المحور الجديد. أما بالنسبة إلى الأميركيين فهم يؤيدونه إلى جانب دعمهم الكامل والمطلق لإسرائيل والدفع باتجاه توقيع اتفاقات سلام معها أو إقناع هذه الدول بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. أما حول الصراع بين مشروعين على خطوط التجارة والنفط، فيعتبر الأتراك أنه ليس بالضرورة لخط واحد أن يتفوق على الخطوط الأخرى ويلغيها. فمنذ سنوات وأنقرة تطرح رؤيتها على مستوى الإقليم والعالم، وتعتبر أن النظام الإقليمي سيكون قابلاً للتغير، وهذه إحدى مراحل تغييره، وسيؤسس ذلك لتوازنات جديدة لسنوات أو عقود مقبلة. ما تطرحه أنقرة ضمن رؤيتها الإقليمية هو عدم إلغاء أي طرف أو عزله أو استثنائه، وهذا ما يعني أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعمل على إنشاء خطوط وممرات لوحدها مقابل إلغاء الآخرين، خصوصاً فكرة طريق الهند التي طرحت لتكون على حساب تركيا ومصر ودول كثيرة في المنطقة. كما أنه لا يمكن لإيران أن تكون هي المتحكمة بمسارات وممرات التجارة والطاقة، لا عبر مضيق هرمز ولا عبر التأثير في مضيق باب المندب، وهناك عمل جدي لخلق بدائل، وهنا سيكون الهلال الخصيب هو أكثر المستفيدين. 

درة التاج للأمن القومي

يأتي الطرح التركي على وقع مفاوضات متعثرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وفي ظل احتمال تجدد التصعيد. التقديرات التركية تشير إلى أنه في حال تجددت الحرب فهي ستكون موسعة وتشمل دول مختلفة، خصوصاً أن إيران قد تسعى إلى دفع كل حلفائها للانخراط في هذه الحرب. في المقابل، هناك بحث مكثف بين تركيا وباكستان والسعودية لمنع إيران من استهداف دول المنطقة، ويتم البحث في تعزيز القدرات العسكرية في اليمن لتقويض تحركات الحوثيين، كما أن تركيا تبدي اهتماماً استثنائياً بسوريا التي تعتبرها درة التاج للأمن القومي التركي، وهي ستمنع أي محاولة لهز الاستقرار السوري. لذلك عملت أنقرة على تعزيز دفاعاتها الجوية في سوريا، وتواصل تعزيز قدرات الجيش السوري العسكرية والدفاعية، بما في ذلك سلاح الجو، كما تعمل تركيا على توسيع انتشارها العسكري في سوريا بالتفاهم مع الأميركيين ليشمل الحدود السورية العراقية والعاصمة دمشق، مع مساعٍ لنشر المزيد من التعزيزات في الجنوب السوري، بما يشكل مظلة حماية لدمشق من أي هجمات خارجية، ويعزز ضبط الوضع الأمني والعسكري الداخلي، والأهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البرّ السوري، لا سيما الطريق الذي يربط جنوب سوريا بشمالها. كل ذلك سيتوج في الزيارة التي سيجريها أردوغان لسوريا خلال الفترة المقبلة. 

اتفاق أمني

لا بد أيضاً من التوقف عند الضربات التي نفذها السعوديون ضد بعض الفصائل العراقية قبل فترة رداً على استهداف السعودية. كان لهذه الضربة أكثر من معنىً، أحدها تعزيز مظلة الحماية حول دمشق في مواجهة أي تهديد من بعض الفصائل العراقية، علماً أن المساعي الأميركية التركية السعودية المشتركة، تسعى إلى تطوير العلاقات العراقية السورية وتدفع باتجاه مشاريع واستثمارات مشتركة بين الدولتين. يأتي ذلك في ظل المساعي الدولية التي تبذل لأجل تثبيت الوضع في سوريا، سواء في الساحل السوري من خلال مذكرة التفاهم مع روسيا أو من خلال تركيز الدور التركي في تلك المناطق، إلى جانب السعي لحل موضوع قوات سوريا الديمقراطية واستكمال مسار الاندماج، بينما يبقى التركيز على ملف السويداء، الذي سيكون بحاجة إلى تفاهمات جدية يعمل الأميركيون على توفير مقوماتها من خلال الضغط على إسرائيل. وتسعى واشنطن إلى ترتيب هذا الملف إلى جانب السعي لتوقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. لكن دمشق مدعومة من أنقرة ومن السعودية وقطر ومصر تشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، فيما لا تبدو تل أبيب جاهزة لذلك. ولكن في الموازاة تستمر التحركات السورية لأجل معالجة ملف السويداء من خلال المفاوضات التي تجري. 

زيارات واعدة

لبنان في قلب الاهتمام التركي أيضاً، خصوصاً بعد زيارة رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام لأنقرة. ولا يمكن إغفال أن التحرك التركي على الساحة اللبنانية منسق مع الأميركيين ومع السعودية وقطر، وتعمل أنقرة على أكثر من خط، أولاً مع الدولة لأجل تعزيز موقفها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ثانياً، مع الجيش إذ تبدي تركيا الاستعداد لتقديم المزيد من المساعدات له وتعزيز قدراته. ثالثاً، إبداء الاستعداد لإرسال مساعدات متعددة الجوانب على المستوى الطبي، الغذائي وإيواء النازحين والمساعدة في إعادة الإعمار. وفي هذا السياق، فإن لبنان سيشهد زيارات لجمعيات تركية معنية بتقديم المساعدات، كما يتم التحضير لزيارة سيجريها بلال أردوغان نجل الرئيس التركي. رابعاً، مع حزب الله من خلال مسعىً لإقناعه بمسألة حصر السلاح بيد الدولة مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل والحصول على ضمانات بعدم مواصلة الحرب والاعتداءات، إضافة إلى الوصول إلى تفاهمات جدية ونهائية لمنع الحزب من تشكيل أي تهديد على سوريا، مقابل تعزيز العلاقات السورية اللبنانية على قاعدة الندية والتكامل الاقتصادي والاستثماري للاستفادة من الفرصة المتاحة للهلال الخصيب، وجزء أساسي من هذه الملفات سيحضر في زيارة سيجريها رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين للبنان. 

تركيا تبادر في لبنان بعد سوريا وزيارة قريبة:السلاح والانسحاب

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
17 آب 2026

تحضّر تركيا لمبادرة تتقدم بها لمنطقة المشرق العربي. تسعى لتنسيقها ومناقشتها مع دول عربية عديدة، خصوصاً مع السعودية، مصر، قطر والولايات المتحدة الأميركية. عناوين وملامح المبادرة هي احتواء النفوذ الإيراني، والتصدي للمشروع الإسرائيلي ومنع إسرائيل من تقسيم الدول أو تفتيتها أو الاستفراد بها. تشكل سوريا، لبنان، غزة والضفة الغربية العناصر المركزية في هذه المبادرة، خصوصاً أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يضعها في خانة “الأمن القومي التركي”. من أسس هذه المبادرة التركيز على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وجنوب سوريا وجنوب لبنان، على أن تقود أنقرة مساراً لتفكيك الفصائل المسلحة وفصائل المقاومة ووضعها تحت سيطرة الدولة، إضافة إلى وضع إطار تنسيقي بين دول المنطقة في مسار التفاوض مع إسرائيل. 

خيار الاحتواء

يأتي التحرك التركي في المنطقة بنيّة غير صدامية، وهو ما عبّر عنه أردوغان نفسه عندما تحدث عن اتفاق مكة أو الاتفاق بين تركيا، السعودية وباكستان، معتبراً أنه تحالف دفاعي وهدفه السلام، ولكن إذا فرضت عليه الحرب فسيكون جاهزاً لها. في النظرة الجيوسياسية لهذا التحالف، يفترض أن يشكل حصانة لدول كثيرة في المنطقة، من دون إغفال بعض الاختلاف في حسابات كل دولة، مع الإشارة إلى أن تركيا لا تريد صداماً مع إيران ولا تؤيد الحرب عليها، وهي تسعى لانتهاج خيار الاحتواء واستمرار الحوار مع طهران. 

توازنات جديدة

تحدث أردوغان عن أن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وفي ذلك إشارة واضحة إلى التركيز التركي على لعب دور أساسي في المشرق العربي، أو في الهلال الخصيب، وجعل هذه المنطقة مرتبطة ببعضها بعضاً ليس جغرافياً فقط، بل سياسياً واقتصادياً، وتحويلها إلى المنطلق الأساسي لممرات التجارة والنفط. تركز تركيا على التحالف مع السعودية لبناء هذا المحور الجديد. أما بالنسبة إلى الأميركيين فهم يؤيدونه إلى جانب دعمهم الكامل والمطلق لإسرائيل والدفع باتجاه توقيع اتفاقات سلام معها أو إقناع هذه الدول بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. أما حول الصراع بين مشروعين على خطوط التجارة والنفط، فيعتبر الأتراك أنه ليس بالضرورة لخط واحد أن يتفوق على الخطوط الأخرى ويلغيها. فمنذ سنوات وأنقرة تطرح رؤيتها على مستوى الإقليم والعالم، وتعتبر أن النظام الإقليمي سيكون قابلاً للتغير، وهذه إحدى مراحل تغييره، وسيؤسس ذلك لتوازنات جديدة لسنوات أو عقود مقبلة. ما تطرحه أنقرة ضمن رؤيتها الإقليمية هو عدم إلغاء أي طرف أو عزله أو استثنائه، وهذا ما يعني أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعمل على إنشاء خطوط وممرات لوحدها مقابل إلغاء الآخرين، خصوصاً فكرة طريق الهند التي طرحت لتكون على حساب تركيا ومصر ودول كثيرة في المنطقة. كما أنه لا يمكن لإيران أن تكون هي المتحكمة بمسارات وممرات التجارة والطاقة، لا عبر مضيق هرمز ولا عبر التأثير في مضيق باب المندب، وهناك عمل جدي لخلق بدائل، وهنا سيكون الهلال الخصيب هو أكثر المستفيدين. 

درة التاج للأمن القومي

يأتي الطرح التركي على وقع مفاوضات متعثرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وفي ظل احتمال تجدد التصعيد. التقديرات التركية تشير إلى أنه في حال تجددت الحرب فهي ستكون موسعة وتشمل دول مختلفة، خصوصاً أن إيران قد تسعى إلى دفع كل حلفائها للانخراط في هذه الحرب. في المقابل، هناك بحث مكثف بين تركيا وباكستان والسعودية لمنع إيران من استهداف دول المنطقة، ويتم البحث في تعزيز القدرات العسكرية في اليمن لتقويض تحركات الحوثيين، كما أن تركيا تبدي اهتماماً استثنائياً بسوريا التي تعتبرها درة التاج للأمن القومي التركي، وهي ستمنع أي محاولة لهز الاستقرار السوري. لذلك عملت أنقرة على تعزيز دفاعاتها الجوية في سوريا، وتواصل تعزيز قدرات الجيش السوري العسكرية والدفاعية، بما في ذلك سلاح الجو، كما تعمل تركيا على توسيع انتشارها العسكري في سوريا بالتفاهم مع الأميركيين ليشمل الحدود السورية العراقية والعاصمة دمشق، مع مساعٍ لنشر المزيد من التعزيزات في الجنوب السوري، بما يشكل مظلة حماية لدمشق من أي هجمات خارجية، ويعزز ضبط الوضع الأمني والعسكري الداخلي، والأهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البرّ السوري، لا سيما الطريق الذي يربط جنوب سوريا بشمالها. كل ذلك سيتوج في الزيارة التي سيجريها أردوغان لسوريا خلال الفترة المقبلة. 

اتفاق أمني

لا بد أيضاً من التوقف عند الضربات التي نفذها السعوديون ضد بعض الفصائل العراقية قبل فترة رداً على استهداف السعودية. كان لهذه الضربة أكثر من معنىً، أحدها تعزيز مظلة الحماية حول دمشق في مواجهة أي تهديد من بعض الفصائل العراقية، علماً أن المساعي الأميركية التركية السعودية المشتركة، تسعى إلى تطوير العلاقات العراقية السورية وتدفع باتجاه مشاريع واستثمارات مشتركة بين الدولتين. يأتي ذلك في ظل المساعي الدولية التي تبذل لأجل تثبيت الوضع في سوريا، سواء في الساحل السوري من خلال مذكرة التفاهم مع روسيا أو من خلال تركيز الدور التركي في تلك المناطق، إلى جانب السعي لحل موضوع قوات سوريا الديمقراطية واستكمال مسار الاندماج، بينما يبقى التركيز على ملف السويداء، الذي سيكون بحاجة إلى تفاهمات جدية يعمل الأميركيون على توفير مقوماتها من خلال الضغط على إسرائيل. وتسعى واشنطن إلى ترتيب هذا الملف إلى جانب السعي لتوقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. لكن دمشق مدعومة من أنقرة ومن السعودية وقطر ومصر تشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، فيما لا تبدو تل أبيب جاهزة لذلك. ولكن في الموازاة تستمر التحركات السورية لأجل معالجة ملف السويداء من خلال المفاوضات التي تجري. 

زيارات واعدة

لبنان في قلب الاهتمام التركي أيضاً، خصوصاً بعد زيارة رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام لأنقرة. ولا يمكن إغفال أن التحرك التركي على الساحة اللبنانية منسق مع الأميركيين ومع السعودية وقطر، وتعمل أنقرة على أكثر من خط، أولاً مع الدولة لأجل تعزيز موقفها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ثانياً، مع الجيش إذ تبدي تركيا الاستعداد لتقديم المزيد من المساعدات له وتعزيز قدراته. ثالثاً، إبداء الاستعداد لإرسال مساعدات متعددة الجوانب على المستوى الطبي، الغذائي وإيواء النازحين والمساعدة في إعادة الإعمار. وفي هذا السياق، فإن لبنان سيشهد زيارات لجمعيات تركية معنية بتقديم المساعدات، كما يتم التحضير لزيارة سيجريها بلال أردوغان نجل الرئيس التركي. رابعاً، مع حزب الله من خلال مسعىً لإقناعه بمسألة حصر السلاح بيد الدولة مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل والحصول على ضمانات بعدم مواصلة الحرب والاعتداءات، إضافة إلى الوصول إلى تفاهمات جدية ونهائية لمنع الحزب من تشكيل أي تهديد على سوريا، مقابل تعزيز العلاقات السورية اللبنانية على قاعدة الندية والتكامل الاقتصادي والاستثماري للاستفادة من الفرصة المتاحة للهلال الخصيب، وجزء أساسي من هذه الملفات سيحضر في زيارة سيجريها رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين للبنان. 

مزيد من الأخبار