“كلمة السر” لـ”الحزب”: ضيِّعوا الوقت!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
20 آب 2026

السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط تحكمها ثوابت مؤسّسية تتجاوز ثنائية الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس. وفي النّصف الثاني من الولاية، ستبقى الصلاحيات العسكرية والأمنية التنفيذية محصورةً بيد البيت الأبيض في أي حال، ما يقلّص تأثير أي تغيير للتوازنات في الكونغرس على توجّهات البيت الأبيض ضد طهران وحلفائها.

ليس مستغربًا هذا الغموض المُسيطر على صراع إيران – الولايات المتحدة. واستتباعًا لا يفاجئ التموضع الملتبس الذي يتعمّده “حزب الله” في الجنوب. فهو يرفض كل طروحات التسوية التي يعرضها الوسطاء، ويُطلق العنان لأخطر التهديدات ضد الدولة اللبنانية، لكنّه واقعيًا يتجنّب أي خطوة سلبيّة: لا يردّ على ضربات إسرائيل الموجعة، ولا يحرك ماكيناته وجماهيره لضرب الدولة من الداخل، كما كان يفعل دائمًا. طبعًا، هو لم يعد مؤهّلًا تمامًا للقيام بذلك، لكنّه أيضًا لا يريد الانخراط في هذه المخاطرة، لضرورات المرحلة الحسّاسة.

أوعزت إيران إلى أذرعها الإقليمية، وفي طليعتها “حزب الله”، باعتماد استراتيجيّة استهلاك الوقت واستنزاف الاستحقاقات في الولايات المتحدة وإسرائيل. ولذلك، يتعاطى “الحزب” مع الجولة الثامنة من مفاوضات روما بوصفها مساحةً للمُراوحة الدبلوماسية لا أكثر. وبأي ثمن، هو لا يريد أن يتجرّع الكأس المُرّة جدًّا التي تحضّرها إسرائيل في مرتفعات علي الطاهر.

الرّهان الإيراني واضح: كسب أسابيع عدّة في انتظار متغيّرات قد تحملها الانتخابات المرتقبة في إسرائيل والولايات المتحدة، لعلّها تقود إلى إزاحة بنيامين نتنياهو أو إضعافه، أو تكبّل يدي دونالد ترامب. لكن هذه المحاولات لشراء الوقت تصطدم بمعطيات سياسية معقّدة تجعل حسابات الحقل الإيراني غير مطابقة لحصاد البيدر الانتخابي، سواء إسرائيليًّا أو أميركيًّا.

في الداخل الإسرائيلي، ينطوي الرّهان على سقوط نتنياهو على تبسيط في إدراك آليّات القرار الأمني هناك، حيث المؤسّسة العسكرية والأمنية تلتزم استراتيجية حاسمة وتعمل على تنفيذها. وهذه الاستراتيجية تقوم في لبنان على تفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله” والتخلّص من سيطرته على النقاط المهمة استراتيجيًّا، وتفكيك سلطة إيران على القرار اللبناني. وهذا الهدف تتبنّاه المؤسسة، بمعزل عن هوية الشاغل العتيد لرئاسة الحكومة. فالخلافات الحزبية في إسرائيل تتركّز حول الأسلوب والتكتيك، لا حول الهدف الاستراتيجي المتمثّل في حظر أي تهديد على الجبهة الشمالية. وفي أي حال، يميل الشارع الإسرائيلي، عادةً، في لحظات المواجهات “الوجودية”، نحو الخيارات الأمنية الأكثر قسوةً وليس العكس. ولذلك، ليس متوقعًا أن تكون البدائل من نتنياهو أكثر مرونةً أو تساهلًا مع مشروع طهران الإقليمي و”حزب الله” و”حماس” والقوى الرّديفة في المنطقة.

أمّا الرهان على أن دونالد ترامب سيمارس “الانتقام” بحقّ نتنياهو، بعزله، فهو محفوف بشكوك عميقة. فعلى الرغم من التباينات التكتيكيّة والشخصيّة بين الرجلين، إذ يبدو ترامب وكأنّه يفضّل الحسم السياسي السريع وإبرام الصفقات، بينما يميل نتنياهو إلى الحروب المتمادية، فإنّ أهدافهما الاستراتيجية متطابقة في السعي إلى تقويض النفوذ الإيراني.

وأمّا على الضفة الأميركية، فيبدو الرهان هزيلًا على الانتخابات النصفيّة للكونغرس كوسيلةٍ لإضعاف ترامب. فالسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط تحكمها ثوابت مؤسّسية تتجاوز ثنائية الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس. وللتذكير، في النّصف الثاني من الولاية، ستبقى الصلاحيات العسكرية والأمنية التنفيذية محصورةً بيد البيت الأبيض في أي حال، ما يقلّص تأثير أي تغيير للتوازنات في الكونغرس على توجّهات البيت الأبيض ضد طهران وحلفائها.

لذلك، إنّ انتهاج طهران سياسة المماطلة وكسب أسابيع إضافية أو أشهر، وسلوك “حزب الله” الموازي لتمرير جولة روما الثامنة، وتجنّب المعركة القاتلة في علي الطاهر، لن يؤدّيا إلى تبديل المعادلات على أرض الواقع. وفي أي حال، يبدو نتنياهو، ومعه الأميركيون، مهتمّين بالحسم في علي الطاهر كشرط ملزم للقبول بالجلوس إلى طاولة التفاوض في أيلول، أي في الأيام الأخيرة القليلة قبل الانتخابات. وبذلك، من المرجّح أن هذا الحسم سيصب في مصلحة نتنياهو الانتخابية، وليس العكس.

“كلمة السر” لـ”الحزب”: ضيِّعوا الوقت!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
20 آب 2026

السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط تحكمها ثوابت مؤسّسية تتجاوز ثنائية الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس. وفي النّصف الثاني من الولاية، ستبقى الصلاحيات العسكرية والأمنية التنفيذية محصورةً بيد البيت الأبيض في أي حال، ما يقلّص تأثير أي تغيير للتوازنات في الكونغرس على توجّهات البيت الأبيض ضد طهران وحلفائها.

ليس مستغربًا هذا الغموض المُسيطر على صراع إيران – الولايات المتحدة. واستتباعًا لا يفاجئ التموضع الملتبس الذي يتعمّده “حزب الله” في الجنوب. فهو يرفض كل طروحات التسوية التي يعرضها الوسطاء، ويُطلق العنان لأخطر التهديدات ضد الدولة اللبنانية، لكنّه واقعيًا يتجنّب أي خطوة سلبيّة: لا يردّ على ضربات إسرائيل الموجعة، ولا يحرك ماكيناته وجماهيره لضرب الدولة من الداخل، كما كان يفعل دائمًا. طبعًا، هو لم يعد مؤهّلًا تمامًا للقيام بذلك، لكنّه أيضًا لا يريد الانخراط في هذه المخاطرة، لضرورات المرحلة الحسّاسة.

أوعزت إيران إلى أذرعها الإقليمية، وفي طليعتها “حزب الله”، باعتماد استراتيجيّة استهلاك الوقت واستنزاف الاستحقاقات في الولايات المتحدة وإسرائيل. ولذلك، يتعاطى “الحزب” مع الجولة الثامنة من مفاوضات روما بوصفها مساحةً للمُراوحة الدبلوماسية لا أكثر. وبأي ثمن، هو لا يريد أن يتجرّع الكأس المُرّة جدًّا التي تحضّرها إسرائيل في مرتفعات علي الطاهر.

الرّهان الإيراني واضح: كسب أسابيع عدّة في انتظار متغيّرات قد تحملها الانتخابات المرتقبة في إسرائيل والولايات المتحدة، لعلّها تقود إلى إزاحة بنيامين نتنياهو أو إضعافه، أو تكبّل يدي دونالد ترامب. لكن هذه المحاولات لشراء الوقت تصطدم بمعطيات سياسية معقّدة تجعل حسابات الحقل الإيراني غير مطابقة لحصاد البيدر الانتخابي، سواء إسرائيليًّا أو أميركيًّا.

في الداخل الإسرائيلي، ينطوي الرّهان على سقوط نتنياهو على تبسيط في إدراك آليّات القرار الأمني هناك، حيث المؤسّسة العسكرية والأمنية تلتزم استراتيجية حاسمة وتعمل على تنفيذها. وهذه الاستراتيجية تقوم في لبنان على تفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله” والتخلّص من سيطرته على النقاط المهمة استراتيجيًّا، وتفكيك سلطة إيران على القرار اللبناني. وهذا الهدف تتبنّاه المؤسسة، بمعزل عن هوية الشاغل العتيد لرئاسة الحكومة. فالخلافات الحزبية في إسرائيل تتركّز حول الأسلوب والتكتيك، لا حول الهدف الاستراتيجي المتمثّل في حظر أي تهديد على الجبهة الشمالية. وفي أي حال، يميل الشارع الإسرائيلي، عادةً، في لحظات المواجهات “الوجودية”، نحو الخيارات الأمنية الأكثر قسوةً وليس العكس. ولذلك، ليس متوقعًا أن تكون البدائل من نتنياهو أكثر مرونةً أو تساهلًا مع مشروع طهران الإقليمي و”حزب الله” و”حماس” والقوى الرّديفة في المنطقة.

أمّا الرهان على أن دونالد ترامب سيمارس “الانتقام” بحقّ نتنياهو، بعزله، فهو محفوف بشكوك عميقة. فعلى الرغم من التباينات التكتيكيّة والشخصيّة بين الرجلين، إذ يبدو ترامب وكأنّه يفضّل الحسم السياسي السريع وإبرام الصفقات، بينما يميل نتنياهو إلى الحروب المتمادية، فإنّ أهدافهما الاستراتيجية متطابقة في السعي إلى تقويض النفوذ الإيراني.

وأمّا على الضفة الأميركية، فيبدو الرهان هزيلًا على الانتخابات النصفيّة للكونغرس كوسيلةٍ لإضعاف ترامب. فالسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط تحكمها ثوابت مؤسّسية تتجاوز ثنائية الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس. وللتذكير، في النّصف الثاني من الولاية، ستبقى الصلاحيات العسكرية والأمنية التنفيذية محصورةً بيد البيت الأبيض في أي حال، ما يقلّص تأثير أي تغيير للتوازنات في الكونغرس على توجّهات البيت الأبيض ضد طهران وحلفائها.

لذلك، إنّ انتهاج طهران سياسة المماطلة وكسب أسابيع إضافية أو أشهر، وسلوك “حزب الله” الموازي لتمرير جولة روما الثامنة، وتجنّب المعركة القاتلة في علي الطاهر، لن يؤدّيا إلى تبديل المعادلات على أرض الواقع. وفي أي حال، يبدو نتنياهو، ومعه الأميركيون، مهتمّين بالحسم في علي الطاهر كشرط ملزم للقبول بالجلوس إلى طاولة التفاوض في أيلول، أي في الأيام الأخيرة القليلة قبل الانتخابات. وبذلك، من المرجّح أن هذا الحسم سيصب في مصلحة نتنياهو الانتخابية، وليس العكس.

مزيد من الأخبار