انسوا الجنوب… هل تستعدّ إسرائيل لمرحلة جديدة من الحرب؟

المصدر: المدن
22 آب 2026

“انسوا الجنوب”. بهذه العبارة يلخّص دبلوماسي غربي قراءته للمشهد اللبناني في المرحلة المقبلة، في إشارة إلى اقتناع متزايد بأن إسرائيل لا تتعامل مع وجودها العسكري في الجنوب بوصفه إجراءً مؤقتاً، بل خياراً قابلاً للاستمرار، مع احتمال توسيع نطاق السيطرة تدريجياً، وصولاً، في أخطر السيناريوهات، إلى الزهراني.

 

إذا صحّ هذا التقدير، فإن انتهاء مهلة الستين يوماً قد يشكّل بداية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاحتلال وتوسيع رقعته، في ظل مفاوضات متعثرة ودولة لبنانية تتعرّض لضغوط متزايدة، فيما تبدو المنطقة كلها مفتوحة على مواجهة جديدة.

 

ما بعد الستين يوماً

 

بانتهاء المهلة، انفتحت احتمالات التصعيد على مصراعيها. ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف المفاوضات مع إيران وتشديد الحصار الاقتصادي عليها، وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام هامش أوسع للتحرك. وفي المقابل، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف التصعيد في جنوب لبنان، بالتزامن مع التمهيد منذ مدة لمعركة علي الطاهر، التي تبدو إسرائيل راغبة في تحويلها، بما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية، إلى إحدى ركائز المرحلة المقبلة.

 

لكن معركة من هذا النوع لن تكون تفصيلاً ميدانياً محدوداً. فحساباتها تتجاوز حدود الموقع المستهدف إلى ما يمكن أن تفتحه من مسار عسكري جديد، وما قد تتركه من تداعيات مباشرة على حزب الله وإيران، خصوصاً إذا تحولت من عملية عسكرية محدودة إلى محاولة لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي في الجنوب. وبحسب مصادر أمنية موثوق فيها، بات احتمال عودة الحرب بعد انتهاء مهلة الستين يوماً مطروحاً بقوة، والأخطر أن المواجهة، إذا اندلعت، قد لا تبقى محصورة في الأراضي اللبنانية.

 

وفي المقابل، أبلغت طهران بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا وسّعت إسرائيل عدوانها، وأدخلت علي الطاهر في صلب أهدافها العسكرية، أو حاولت نقل المعركة من مستوى الضغط العسكري إلى مشروع سيطرة جغرافية طويلة الأمد.

 

التفاوض عند عقدة التحقّق

 

في موازاة التصعيد العسكري، لا تبدو الطريق السياسية أكثر سهولة. فإسرائيل ترفض الانسحاب من منطقة تجريبية ثانية، ولا تبدي حماسة لاستئناف التفاوض مع لبنان قبل الانتخابات الإسرائيلية، كما ترفض تطبيق بنود سبق الاتفاق عليها في إطار المفاوضات. وخلال جلسة التفاوض الأخيرة رفضت عرضاً لبنانياً لهدنة من 60 يوماً كفرصة لتطبيق الاتفاق.

 

ولغاية اليوم، فشلت المساعي في تحديد موعد رسمي لجلسة جديدة، على الرغم من إصرار واشنطن على عدم إسقاط المسار التفاوضي. إلا أن العقدة لم تعد تقتصر على موعد الجلسة، بل باتت مرتبطة بالمناطق التجريبية وآلية التحقّق من أداء الجيش اللبناني فيها.

 

إسرائيل ترفض الانتقال إلى المرحلة التالية قبل الاتفاق على الجهة الدولية التي ستتولى التحقّق من تنفيذ الجيش اللبناني المهمات المطلوبة منه. وحتى الآن، لم يتم التوصل إلى اتفاق على الدولة التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة.

 

رفض لبنان اقتراح إسنادها إلى أوزبكستان، فيما رفضت إسرائيل أي دور فرنسي أو إسباني، على خلفية اعتراف الدولتين بالدولة الفلسطينية. وفي المقابل، وافقت على أن تضطلع إيطاليا بدور قيادي في القوة الدولية البديلة، إلا أن المفاجأة جاءت من روما نفسها، التي أبدت تحفظاً على المقترح.

 

لماذا رفضت إيطاليا؟

 

خلال زيارته إلى لبنان، استفسر مدير الاستخبارات الخارجية الإيطالية جيوفاني كارافيلي عن طبيعة الدور المطلوب من القوات التي ستتولى مراقبة تنفيذ الآلية، قبل أن يبدي تحفظات واضحة على المشاركة. استند الموقف الإيطالي إلى ثلاثة اعتبارات أساسية: تجنّب تعريض القوات الإيطالية للخطر، ورفض تحويلها إلى جهة تتولى التدقيق في أداء الجيش اللبناني، والحاجة إلى معرفة طبيعة البيئة التي سيعمل فيها العناصر الإيطاليون، ومدى تقبّلها وجودهم واستعدادها للتعاون معهم.

 

حاول الجانب اللبناني إقناع المسؤول الإيطالي بقبول المهمة، انطلاقاً من أن الوجود الإيطالي في الجنوب يحظى بقبول لبناني واسع ولا يواجه اعتراضاً إسرائيلياً. ومن هنا، حضرت هذه المسألة في صلب زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا، في محاولة لدفع روما إلى مساعدة لبنان والمشاركة في الآلية الجديدة وستدخل في صلب زيارة قائد الجيش إلى روما لبحث التفاصيل العملية للموضوع.

 

واشنطن تضيق هامش الدولة

 

وكأن التعقيد العسكري والتفاوضي لا يكفيان، جاءت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية وبيان وزارة الخارجية لتكتمل حلقات الضغط، وتجد الدولة اللبنانية نفسها أمام قرارات يصعب عليها تطبيقها من دون تعريض استقرارها الداخلي للخطر.

 

فماذا يعني، عملياً وسياسياً، التعامل الأميركي مع حزب الله بوصفه تابعاً للحرس الثوري الإيراني، فيما هو شريك في مجلس الوزراء وممثّل في مجلس النواب بكتلة نيابية وازنة؟ وما الذي يرتبه موقف كهذا على ملف السلاح؟ وهل يتحول مطلب سحبه إلى تكليف للجيش اللبناني نزعه بالقوة؟ وهل قدّرت واشنطن عواقب محاولة فرض ذلك على الداخل اللبناني؟

 

قابلت الدولة هذه الأسئلة بالصمت، فيما يراقب حزب الله كيفية تعاطي الحكومة مع الموقف الأميركي ليبني على الشيء مقتضاه.

 

المشكلة أن التقارير الأمنية التي تصل إلى بيروت لا تحمل تطمينات كبيرة. فهي تشير إلى أن إسرائيل تمضي في حربها جنوباً في اتجاه فرض واقع جديد، وأنها تراهن على الوقت وتعثر المفاوضات لتحويل وجودها الحالي إلى أمر قابل للاستمرار. من هنا جاءت نصيحة الدبلوماسي الغربي بـِ “نسيان الجنوب”.

 

لكنه نسي، ربما، أن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب لم يتحول في السابق إلى واقع مستقر، وأن توسيعه اليوم لن يجعله أكثر استقراراً. فكلما توسعت رقعة الاحتلال، اتسعت معها احتمالات المواجهة، وازدادت صعوبة احتوائها داخل الحدود اللبنانية.

 

ربما انتهت مهلة الستين يوماً كمهلة للتسوية، لكنها فتحت مهلة أخرى أكثر خطورة: مهلة اختبار قدرة المفاوضات على منع الحرب، وقدرة الدولة على منع تثبيت الاحتلال، وقدرة حزب الله وإيران على منع إسرائيل من تحويل الجنوب مجدداً إلى أرض محتلة.

 

أما أن “ينسى” لبنان جنوبه، فليس احتمالاً سياسياً، ولا خياراً مطروحاً.

 

 

 

انسوا الجنوب… هل تستعدّ إسرائيل لمرحلة جديدة من الحرب؟

المصدر: المدن
22 آب 2026

“انسوا الجنوب”. بهذه العبارة يلخّص دبلوماسي غربي قراءته للمشهد اللبناني في المرحلة المقبلة، في إشارة إلى اقتناع متزايد بأن إسرائيل لا تتعامل مع وجودها العسكري في الجنوب بوصفه إجراءً مؤقتاً، بل خياراً قابلاً للاستمرار، مع احتمال توسيع نطاق السيطرة تدريجياً، وصولاً، في أخطر السيناريوهات، إلى الزهراني.

 

إذا صحّ هذا التقدير، فإن انتهاء مهلة الستين يوماً قد يشكّل بداية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاحتلال وتوسيع رقعته، في ظل مفاوضات متعثرة ودولة لبنانية تتعرّض لضغوط متزايدة، فيما تبدو المنطقة كلها مفتوحة على مواجهة جديدة.

 

ما بعد الستين يوماً

 

بانتهاء المهلة، انفتحت احتمالات التصعيد على مصراعيها. ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف المفاوضات مع إيران وتشديد الحصار الاقتصادي عليها، وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام هامش أوسع للتحرك. وفي المقابل، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف التصعيد في جنوب لبنان، بالتزامن مع التمهيد منذ مدة لمعركة علي الطاهر، التي تبدو إسرائيل راغبة في تحويلها، بما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية، إلى إحدى ركائز المرحلة المقبلة.

 

لكن معركة من هذا النوع لن تكون تفصيلاً ميدانياً محدوداً. فحساباتها تتجاوز حدود الموقع المستهدف إلى ما يمكن أن تفتحه من مسار عسكري جديد، وما قد تتركه من تداعيات مباشرة على حزب الله وإيران، خصوصاً إذا تحولت من عملية عسكرية محدودة إلى محاولة لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي في الجنوب. وبحسب مصادر أمنية موثوق فيها، بات احتمال عودة الحرب بعد انتهاء مهلة الستين يوماً مطروحاً بقوة، والأخطر أن المواجهة، إذا اندلعت، قد لا تبقى محصورة في الأراضي اللبنانية.

 

وفي المقابل، أبلغت طهران بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا وسّعت إسرائيل عدوانها، وأدخلت علي الطاهر في صلب أهدافها العسكرية، أو حاولت نقل المعركة من مستوى الضغط العسكري إلى مشروع سيطرة جغرافية طويلة الأمد.

 

التفاوض عند عقدة التحقّق

 

في موازاة التصعيد العسكري، لا تبدو الطريق السياسية أكثر سهولة. فإسرائيل ترفض الانسحاب من منطقة تجريبية ثانية، ولا تبدي حماسة لاستئناف التفاوض مع لبنان قبل الانتخابات الإسرائيلية، كما ترفض تطبيق بنود سبق الاتفاق عليها في إطار المفاوضات. وخلال جلسة التفاوض الأخيرة رفضت عرضاً لبنانياً لهدنة من 60 يوماً كفرصة لتطبيق الاتفاق.

 

ولغاية اليوم، فشلت المساعي في تحديد موعد رسمي لجلسة جديدة، على الرغم من إصرار واشنطن على عدم إسقاط المسار التفاوضي. إلا أن العقدة لم تعد تقتصر على موعد الجلسة، بل باتت مرتبطة بالمناطق التجريبية وآلية التحقّق من أداء الجيش اللبناني فيها.

 

إسرائيل ترفض الانتقال إلى المرحلة التالية قبل الاتفاق على الجهة الدولية التي ستتولى التحقّق من تنفيذ الجيش اللبناني المهمات المطلوبة منه. وحتى الآن، لم يتم التوصل إلى اتفاق على الدولة التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة.

 

رفض لبنان اقتراح إسنادها إلى أوزبكستان، فيما رفضت إسرائيل أي دور فرنسي أو إسباني، على خلفية اعتراف الدولتين بالدولة الفلسطينية. وفي المقابل، وافقت على أن تضطلع إيطاليا بدور قيادي في القوة الدولية البديلة، إلا أن المفاجأة جاءت من روما نفسها، التي أبدت تحفظاً على المقترح.

 

لماذا رفضت إيطاليا؟

 

خلال زيارته إلى لبنان، استفسر مدير الاستخبارات الخارجية الإيطالية جيوفاني كارافيلي عن طبيعة الدور المطلوب من القوات التي ستتولى مراقبة تنفيذ الآلية، قبل أن يبدي تحفظات واضحة على المشاركة. استند الموقف الإيطالي إلى ثلاثة اعتبارات أساسية: تجنّب تعريض القوات الإيطالية للخطر، ورفض تحويلها إلى جهة تتولى التدقيق في أداء الجيش اللبناني، والحاجة إلى معرفة طبيعة البيئة التي سيعمل فيها العناصر الإيطاليون، ومدى تقبّلها وجودهم واستعدادها للتعاون معهم.

 

حاول الجانب اللبناني إقناع المسؤول الإيطالي بقبول المهمة، انطلاقاً من أن الوجود الإيطالي في الجنوب يحظى بقبول لبناني واسع ولا يواجه اعتراضاً إسرائيلياً. ومن هنا، حضرت هذه المسألة في صلب زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا، في محاولة لدفع روما إلى مساعدة لبنان والمشاركة في الآلية الجديدة وستدخل في صلب زيارة قائد الجيش إلى روما لبحث التفاصيل العملية للموضوع.

 

واشنطن تضيق هامش الدولة

 

وكأن التعقيد العسكري والتفاوضي لا يكفيان، جاءت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية وبيان وزارة الخارجية لتكتمل حلقات الضغط، وتجد الدولة اللبنانية نفسها أمام قرارات يصعب عليها تطبيقها من دون تعريض استقرارها الداخلي للخطر.

 

فماذا يعني، عملياً وسياسياً، التعامل الأميركي مع حزب الله بوصفه تابعاً للحرس الثوري الإيراني، فيما هو شريك في مجلس الوزراء وممثّل في مجلس النواب بكتلة نيابية وازنة؟ وما الذي يرتبه موقف كهذا على ملف السلاح؟ وهل يتحول مطلب سحبه إلى تكليف للجيش اللبناني نزعه بالقوة؟ وهل قدّرت واشنطن عواقب محاولة فرض ذلك على الداخل اللبناني؟

 

قابلت الدولة هذه الأسئلة بالصمت، فيما يراقب حزب الله كيفية تعاطي الحكومة مع الموقف الأميركي ليبني على الشيء مقتضاه.

 

المشكلة أن التقارير الأمنية التي تصل إلى بيروت لا تحمل تطمينات كبيرة. فهي تشير إلى أن إسرائيل تمضي في حربها جنوباً في اتجاه فرض واقع جديد، وأنها تراهن على الوقت وتعثر المفاوضات لتحويل وجودها الحالي إلى أمر قابل للاستمرار. من هنا جاءت نصيحة الدبلوماسي الغربي بـِ “نسيان الجنوب”.

 

لكنه نسي، ربما، أن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب لم يتحول في السابق إلى واقع مستقر، وأن توسيعه اليوم لن يجعله أكثر استقراراً. فكلما توسعت رقعة الاحتلال، اتسعت معها احتمالات المواجهة، وازدادت صعوبة احتوائها داخل الحدود اللبنانية.

 

ربما انتهت مهلة الستين يوماً كمهلة للتسوية، لكنها فتحت مهلة أخرى أكثر خطورة: مهلة اختبار قدرة المفاوضات على منع الحرب، وقدرة الدولة على منع تثبيت الاحتلال، وقدرة حزب الله وإيران على منع إسرائيل من تحويل الجنوب مجدداً إلى أرض محتلة.

 

أما أن “ينسى” لبنان جنوبه، فليس احتمالاً سياسياً، ولا خياراً مطروحاً.

 

 

 

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار