الفاتيكان يدخل على خط “اتفاق الإطار”… هل تتسع دائرة الضغط على إسرائيل؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
23 آب 2026

ليس من قبيل المصادفة أن يتحول “اتفاق الإطار” بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل إلى محور أساسي في المحادثات التي أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون في الفاتيكان مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر، ثم مع أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين. فالبيان الفاتيكاني الرسمي أشار صراحة إلى أن البحث تناول الاتفاق الثلاثي الهادف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية وتحقيق سلام عادل ودائم، فيما عبّر الكرسي الرسولي عن قلق جدي إزاء العقبات التي تعترض تنفيذه.  وهنا تحديدًا تبدأ القراءة السياسية لما يحمله القلق البابوي.

فالفاتيكان، وإن كان لا يمتلك أدوات الضغط العسكرية أو الاقتصادية التي تملكها واشنطن، لديه رصيد دبلوماسي ومعنوي لا يمكن تجاهله، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بلبنان الذي يحتل موقعًا خاصًا في السياسة الخارجية للكرسي الرسولي.

واللافت أن الرئيس عون لم يكتفِ بعرض الواقع اللبناني، بل طلب من البابا والكرسي الرسولي مواصلة الجهود الدبلوماسية للضغط من أجل تنفيذ الاتفاق، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، والوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.

وهذا يعني أن بعبدا تحاول، على ما يبدو، توسيع دائرة الضغط الدولي بدلًا من حصر معالجة التعقيدات بالوسيط الأميركي وحده.

فالولايات المتحدة هي الراعي الأساسي للاتفاق، وبالتالي فإن واشنطن تبقى صاحبة التأثير الأكبر على إسرائيل. لكن المشكلة أن المسار التفاوضي لا يزال يصطدم بعقبات، أبرزها الخلاف حول آليات تنفيذ “المناطق التجريبية” والتزامن بين انتشار الجيش وانسحاب القوات الإسرائيلية. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار الخلاف حول هذه النقطة تحديدًا.  ومن هنا يمكن فهم أهمية دخول الفاتيكان على الخط.

فالمسألة لم تعد، بالنسبة إلى لبنان، مجرد تفاوض تقني حول خرائط وآليات تحقق ومواعيد انسحاب، بل أصبحت سؤالًا أكبر: هل سيُنفذ الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، أم سيبقى إطارًا سياسيًا معلقًا فيما تستمر الوقائع العسكرية في الجنوب؟ وهنا تأتي قيمة القلق الذي عبّر عنه البابا.

فحين يقول الفاتيكان إنه ينظر بقلق إلى العقبات التي تعترض تنفيذ اتفاق هدفه تثبيت الاستقرار وتحقيق سلام دائم، فهو يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأسره، وليس إلى إسرائيل وحدها. لكن في الحساب العملي، تبقى الرسالة الأهم موجهة إلى الطرف القادر على التأثير في إسرائيل، أي الولايات المتحدة.

بمعنى آخر، قد لا يكون الفاتيكان قد طلب من واشنطن علنًا ممارسة ضغط إضافي، لكن مجرد وضع العراقيل أمام تنفيذ الاتفاق في دائرة الاهتمام الفاتيكاني يضيف بعدًا دوليًا وأخلاقيًا إلى الملف. وهذا ما تحتاج إليه بيروت في هذه المرحلة.

فلبنان لا يستطيع أن يواجه إسرائيل عسكريًا، ولا يريد العودة إلى الحرب، كما أنه لا يريد أن يتحول الاتفاق إلى عملية تفاوض بلا نهاية. لذلك فإن توسيع شبكة الوسطاء والداعمين الدوليين يصبح جزءًا من استراتيجية حماية المسار الدبلوماسي. لكن ثمة مسألة أخرى أكثر أهمية. فهل يمكن أن يتحول الموقف الفاتيكاني إلى ضغط فعلي؟ لكن في هذا الاطار يجب عدم الذهاب بعيدًا في التفاؤل.

الفاتيكان يستطيع أن يرفع الصوت، وأن يحشد التعاطف الدولي، وأن يفتح قنوات دبلوماسية، وأن يذكّر القوى الكبرى بمسؤولياتها. لكنه لا يستطيع وحده فرض الانسحاب الإسرائيلي أو إلزام إسرائيل بجدول زمني لتنفيذ الاتفاق.

لذلك، فإن قيمة الموقف الفاتيكاني ستظهر إذا نجح في دفع الجهد الأميركي والأوروبي والفرنسي والعربي، بحيث يصبح استمرار تعطيل الاتفاق أكثر كلفة سياسيًا على إسرائيل. وفي هذا السياق، قد يكون ما جرى في الفاتيكان أكثر من مجرد لقاء بين رئيس الجمهورية والبابا. إنه محاولة لبنانية للقول: لقد التزمنا بما علينا، والآن المطلوب من المجتمع الدولي أن يساعدنا في إلزام الطرف الآخر بما عليه.

وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن لبنان يريد أن يثبت أنه لا يتنصل من الالتزامات التي يرتبها الاتفاق، وفي الوقت نفسه يريد أن يربط تثبيت الأمن في الجنوب بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. وهنا يمكن أن يصبح الفاتيكان جزءًا من معادلة دبلوماسية أوسع.

فبعبدا تتحرك في روما، والفاتيكان يرفع مستوى القلق، وواشنطن تملك أدوات الضغط، فيما تبقى إسرائيل أمام اختبار الالتزام بالاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة. أما الجنوب، فيبقى هو الحكم. فإذا هدأت الجبهة وبدأ تنفيذ بنود الاتفاق فعليًا، يمكن القول إن الدبلوماسية نجحت في منع الميدان من إسقاط التسوية

أما إذا استمرت الاعتداءات وتعطلت آليات التنفيذ، فإن السؤال لن يعود عن تفاصيل “اتفاق الإطار”، بل عن قدرة الولايات المتحدة على فرض اتفاقها على أحد أطرافه. وهنا تحديدًا تكمن أهمية دخول الفاتيكان على الخط.

فالضغط الفاتيكاني لن يحل المشكلة وحده، لكنه قد يساهم في توسيع دائرة الضغط على إسرائيل، وفي تذكير واشنطن بأن رعاية الاتفاق لا تعني فقط التوسط بين طرفين، بل أيضًا ضمان عدم سقوط الاتفاق تحت وطأة الوقائع العسكرية.

قد يكون لبنان أمام فرصة دبلوماسية نادرة، وهي أن تتحول قضيته من ملف أمني على طاولة المفاوضات إلى قضية دولية تتقاطع حولها واشنطن وروما وباريس وسائر العواصم المعنية بالاستقرار اللبناني. والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة هو: هل يستطيع الفاتيكان أن يضيف ثقله المعنوي إلى الضغط الأميركي، بحيث يصبح تنفيذ “اتفاق الإطار” مصلحة دولية لا يستطيع أي طرف تعطيلها؟

الفاتيكان يدخل على خط “اتفاق الإطار”… هل تتسع دائرة الضغط على إسرائيل؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
23 آب 2026

ليس من قبيل المصادفة أن يتحول “اتفاق الإطار” بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل إلى محور أساسي في المحادثات التي أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون في الفاتيكان مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر، ثم مع أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين. فالبيان الفاتيكاني الرسمي أشار صراحة إلى أن البحث تناول الاتفاق الثلاثي الهادف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية وتحقيق سلام عادل ودائم، فيما عبّر الكرسي الرسولي عن قلق جدي إزاء العقبات التي تعترض تنفيذه.  وهنا تحديدًا تبدأ القراءة السياسية لما يحمله القلق البابوي.

فالفاتيكان، وإن كان لا يمتلك أدوات الضغط العسكرية أو الاقتصادية التي تملكها واشنطن، لديه رصيد دبلوماسي ومعنوي لا يمكن تجاهله، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بلبنان الذي يحتل موقعًا خاصًا في السياسة الخارجية للكرسي الرسولي.

واللافت أن الرئيس عون لم يكتفِ بعرض الواقع اللبناني، بل طلب من البابا والكرسي الرسولي مواصلة الجهود الدبلوماسية للضغط من أجل تنفيذ الاتفاق، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، والوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.

وهذا يعني أن بعبدا تحاول، على ما يبدو، توسيع دائرة الضغط الدولي بدلًا من حصر معالجة التعقيدات بالوسيط الأميركي وحده.

فالولايات المتحدة هي الراعي الأساسي للاتفاق، وبالتالي فإن واشنطن تبقى صاحبة التأثير الأكبر على إسرائيل. لكن المشكلة أن المسار التفاوضي لا يزال يصطدم بعقبات، أبرزها الخلاف حول آليات تنفيذ “المناطق التجريبية” والتزامن بين انتشار الجيش وانسحاب القوات الإسرائيلية. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار الخلاف حول هذه النقطة تحديدًا.  ومن هنا يمكن فهم أهمية دخول الفاتيكان على الخط.

فالمسألة لم تعد، بالنسبة إلى لبنان، مجرد تفاوض تقني حول خرائط وآليات تحقق ومواعيد انسحاب، بل أصبحت سؤالًا أكبر: هل سيُنفذ الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، أم سيبقى إطارًا سياسيًا معلقًا فيما تستمر الوقائع العسكرية في الجنوب؟ وهنا تأتي قيمة القلق الذي عبّر عنه البابا.

فحين يقول الفاتيكان إنه ينظر بقلق إلى العقبات التي تعترض تنفيذ اتفاق هدفه تثبيت الاستقرار وتحقيق سلام دائم، فهو يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأسره، وليس إلى إسرائيل وحدها. لكن في الحساب العملي، تبقى الرسالة الأهم موجهة إلى الطرف القادر على التأثير في إسرائيل، أي الولايات المتحدة.

بمعنى آخر، قد لا يكون الفاتيكان قد طلب من واشنطن علنًا ممارسة ضغط إضافي، لكن مجرد وضع العراقيل أمام تنفيذ الاتفاق في دائرة الاهتمام الفاتيكاني يضيف بعدًا دوليًا وأخلاقيًا إلى الملف. وهذا ما تحتاج إليه بيروت في هذه المرحلة.

فلبنان لا يستطيع أن يواجه إسرائيل عسكريًا، ولا يريد العودة إلى الحرب، كما أنه لا يريد أن يتحول الاتفاق إلى عملية تفاوض بلا نهاية. لذلك فإن توسيع شبكة الوسطاء والداعمين الدوليين يصبح جزءًا من استراتيجية حماية المسار الدبلوماسي. لكن ثمة مسألة أخرى أكثر أهمية. فهل يمكن أن يتحول الموقف الفاتيكاني إلى ضغط فعلي؟ لكن في هذا الاطار يجب عدم الذهاب بعيدًا في التفاؤل.

الفاتيكان يستطيع أن يرفع الصوت، وأن يحشد التعاطف الدولي، وأن يفتح قنوات دبلوماسية، وأن يذكّر القوى الكبرى بمسؤولياتها. لكنه لا يستطيع وحده فرض الانسحاب الإسرائيلي أو إلزام إسرائيل بجدول زمني لتنفيذ الاتفاق.

لذلك، فإن قيمة الموقف الفاتيكاني ستظهر إذا نجح في دفع الجهد الأميركي والأوروبي والفرنسي والعربي، بحيث يصبح استمرار تعطيل الاتفاق أكثر كلفة سياسيًا على إسرائيل. وفي هذا السياق، قد يكون ما جرى في الفاتيكان أكثر من مجرد لقاء بين رئيس الجمهورية والبابا. إنه محاولة لبنانية للقول: لقد التزمنا بما علينا، والآن المطلوب من المجتمع الدولي أن يساعدنا في إلزام الطرف الآخر بما عليه.

وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن لبنان يريد أن يثبت أنه لا يتنصل من الالتزامات التي يرتبها الاتفاق، وفي الوقت نفسه يريد أن يربط تثبيت الأمن في الجنوب بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. وهنا يمكن أن يصبح الفاتيكان جزءًا من معادلة دبلوماسية أوسع.

فبعبدا تتحرك في روما، والفاتيكان يرفع مستوى القلق، وواشنطن تملك أدوات الضغط، فيما تبقى إسرائيل أمام اختبار الالتزام بالاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة. أما الجنوب، فيبقى هو الحكم. فإذا هدأت الجبهة وبدأ تنفيذ بنود الاتفاق فعليًا، يمكن القول إن الدبلوماسية نجحت في منع الميدان من إسقاط التسوية

أما إذا استمرت الاعتداءات وتعطلت آليات التنفيذ، فإن السؤال لن يعود عن تفاصيل “اتفاق الإطار”، بل عن قدرة الولايات المتحدة على فرض اتفاقها على أحد أطرافه. وهنا تحديدًا تكمن أهمية دخول الفاتيكان على الخط.

فالضغط الفاتيكاني لن يحل المشكلة وحده، لكنه قد يساهم في توسيع دائرة الضغط على إسرائيل، وفي تذكير واشنطن بأن رعاية الاتفاق لا تعني فقط التوسط بين طرفين، بل أيضًا ضمان عدم سقوط الاتفاق تحت وطأة الوقائع العسكرية.

قد يكون لبنان أمام فرصة دبلوماسية نادرة، وهي أن تتحول قضيته من ملف أمني على طاولة المفاوضات إلى قضية دولية تتقاطع حولها واشنطن وروما وباريس وسائر العواصم المعنية بالاستقرار اللبناني. والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة هو: هل يستطيع الفاتيكان أن يضيف ثقله المعنوي إلى الضغط الأميركي، بحيث يصبح تنفيذ “اتفاق الإطار” مصلحة دولية لا يستطيع أي طرف تعطيلها؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار