لبنانيون عالقون بين الخيام وواشنطن… جواز أميركي وولاء معلق

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
24 آب 2026

يعيش اللبنانيون الشيعة الحاملين للجنسية الأميركية ازدواجية معقدة بين انتمائهم القانوني للولايات المتحدة وارتباطهم العائلي والعاطفي بلبنان، لا سيما الجنوب. وتُقدَّر أعدادهم بنحو 150 ألفاً إلى 210 آلاف، مع حضور بارز في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان وتأثير انتخابي ملحوظ.

في المسافة التي تفصل مدينة “الخيام” في جنوب لبنان عن واشنطن، تعيش شريحة لبنانية حكايةً يصعب اختصارها في موقف سياسي واحد. فأبناء الجنوب الذين حملوا الجنسية الأميركية، واحتفظوا بعائلاتهم وبيوتهم وذاكرتهم في القرى الحدودية، يجدون أنفسهم اليوم أمام معادلة دقيقة: حرب تجري في أرض يعرفون تفاصيلها بيتاً بيتاً، وسياسة أميركية تحاصر تمويل “حزب الله” وشبكاته، وبين الطرفين يقف لبناني يحمل جوازاً أميركياً ويريد، في أبسط صورة، أن يرسل المال إلى أمه أو أخيه أو عائلته التي بقيت في الجنوب.

تضم الولايات المتحدة نحو 625 ألف شخص يعرّفون أنفسهم بأنهم لبنانيون أو متحدرون من أصل لبناني، وفق تقرير نشره مكتب الإحصاء الأميركي في يناير (كانون الثاني) عام 2024، وليس جميع هؤلاء مولودين في لبنان، بل تنتمي نسبة كبيرة منهم إلى أجيال وُلدت في الولايات المتحدة واكتسبت جنسيتها بالولادة، إضافة إلى أن غالبية المولودين في لبنان والمقيمين هناك حصلوا على الجنسية الأميركية بالتجنس.

لا توجد إحصاءات رسمية تصنّف هؤلاء مذهبياً، لأن التعداد الأميركي لا يسأل عن الدين أو الطائفة، لكن التقديرات السكانية وتركيبة موجات الهجرة تسمح بوضع عدد المواطنين الأميركيين من الشيعة اللبنانيين عند حدود الـ170 ألفاً، وتشكّل مدينة ديربورن ومحيطها في ولاية ميشيغان مركز الثقل الاجتماعي والسياسي الأبرز للوجود اللبناني الشيعي المنظم، إن لم تكن تضم غالبية الشيعة اللبنانيين المنتشرين في أنحاء الولايات المتحدة. ويعيش في منطقة ديترويت الكبرى نحو 63 ألف شخص من أصل لبناني من مختلف الطوائف، فيما يقدّر عدد العرب الأميركيين في ميشيغان بنحو 283 ألفاً، بينهم أكثر من 82 ألفاً في الدائرة الانتخابية التي تضم ديربورن وديربورن هايتس.

الهوية المعقدة

هذا التركّز يمنح المجتمع العربي والمسلم، ومن ضمنه اللبنانيون الشيعة، تأثيراً يتجاوز حجمه العددي، خصوصاً في الانتخابات المحلية والتمهيدية، وفي ولاية متأرجحة يمكن أن تحسمها عشرات آلاف الأصوات. وقد أظهرت انتخابات 2024 حجم هذا التأثير، حين تصدّر الرئيس دونالد ترمب نتائج ديربورن بنحو 42 في المئة، مقابل 36 في المئة لكامالا هاريس، و18 في المئة لمرشحة حزب الخضر جيل شتاين.

وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة. فبعض هؤلاء المواطنين صوّت لدونالد ترمب، في وقت اتخذت فيه إدارته مواقف متشددة ضد إيران و”حزب الله“، ووسعت العقوبات على شبكات الحزب المالية. وقد يجمع بعض الناخبين بين التصويت لترمب لأسباب داخلية أو اقتصادية، وبين الاحتفاظ بموقف مؤيد لـ”حزب الله” أو شديد العداء لإسرائيل. وهذا لا يشكل، بحد ذاته، مخالفة قانونية، لكنه يكشف تعقيد الهوية السياسية لدى شريحة تتحرك بين وطنَين وذاكرتَين ومصلحتَين.

لكن القاسم المشترك بينها يرتبط بحياة يومية جديدة فرضتها الحرب: تدقيق مصرفي، أسئلة حول التحويلات، حذر من إرسال الأموال، وشعور لدى بعضهم بأن الاسم اللبناني أو الانتماء إلى الجنوب صار كافياً لإثارة الريبة.

جواز سفر أميركي وولاء للحزب

تبدأ الإشكالية الفعلية عندما يحمل المواطن جواز سفر أميركياً ويتمتع بحماية الدولة الأميركية وحقوقها، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بولاء تنظيمي لـ”حزب الله”. هنا تتجاوز المسألة حمل جنسيتين، لتطرح سؤالاً عن ازدواجية الولاء والمرجعية: هل الأولوية للدولة التي يحمل الفرد جنسيتها، أم لتنظيم مسلح يعمل خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعده واشنطن منظمة إرهابية مرتبطة عسكرياً وأمنياً بالحرس الثوري الإيراني؟

صنّفت الولايات المتحدة “حزب الله” منظمة إرهابية أجنبية منذ عام 1997، ثم صنّفته إرهابياً عالمياً عام 2001. وفي أغسطس (آب) الجاري أعادت وزارة الخزانة تصنيفه باعتباره تنظيماً يعمل تحت قيادة وتوجيه “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني. ولا يعترف القانون الأميركي بالفصل بين أجنحة الحزب العسكرية والسياسية والاجتماعية، ولا يعد العمل في مؤسساته غير العسكرية يشكّل بالضرورة منطقة قانونية آمنة.

وفي هذا السياق تشير أوساط قانونية مطلعة على القوانين الأميركية إلى أن القانون الأميركي يرسم خطاً واضحاً بين الرأي والفعل. فأن يكون المواطن شيعياً، أو أن يتعاطف سياسياً مع “حزب الله”، أو أن ينتقد السياسة الأميركية، أو حتى أن يرفض تصنيف الحزب إرهابياً، لا يشكل جريمة بحد ذاته. حرية الرأي والمعتقد السياسي مصانة، ولو كانت الأفكار معارضة لسياسة الدولة.

أما حين ينتقل الشخص من التعاطف المستقل إلى العمل تحت توجيه الحزب أو سيطرته، أو يقدّم له المال والخدمات والمعلومات والتدريب والنقل والمعدات والحسابات المصرفية، أو يقوم بالتجنيد وجمع التبرعات وتنفيذ المهمات، فإن الأمر يدخل في نطاق “تقديم الدعم المادي لمنظمة إرهابية أجنبية”. وقد تصل العقوبة وفق القانون الأميركي إلى السجن 20 عاماً، وإلى المؤبد إذا أدى الدعم إلى سقوط قتلى.

إرهابيون ملاحقون

وبهذا المعنى، لا يختلف الوضع القانوني لعنصر في “حزب الله” يحمل الجنسية الأميركية عن الوضع القانوني لعنصر أميركي في تنظيم “القاعدة” أو “داعش”. االجنسية الأميركية لا تمنحه حصانة، ولا يستطيع الادعاء بأنه يعمل ضمن جناح سياسي أو اجتماعي، إذا أثبتت السلطات أنه يعمل فعلياً بتوجيه تنظيم مصنَّف إرهابياً.

وقد شهدت الولايات المتحدة قضايا فعلية من هذا النوع. فقد اتهمت وزارة العدل علي كوراني، وهو لبناني حصل على الجنسية الأميركية، بالعمل مع الوحدة الخارجية لـ”حزب الله” وتلقي التدريب وتنفيذ عمليات مراقبة وجمع معلومات عن منشآت أمنية وعسكرية داخل نيويورك. واتُهم سامر الدبك، وهو مواطن متجنس من ديربورن، بتلقي تدريب عسكري وتنفيذ مهمات خارجية للحزب. وفي قضية أخرى، حُكم على أليكسي صعب بالسجن 12 عاماً بعد إدانته بتلقي تدريب عسكري من “حزب الله”، إلى جانب جرائم أخرى.

هذه القضايا لا تثبت وجود ظاهرة جماعية ولا تسمح باتهام المجتمع الشيعي في أميركا، لكنها تثبت أن استخدام الجنسية أو جواز السفر الأميركي غطاءً للتحرك لمصلحة الحزب ليس افتراضاً نظرياً، وأن السلطات الأميركية تعاملت سابقاً مع مواطنين ومتجنسين بوصفهم عناصر عملياتيين، لا بوصفهم مجرد أصحاب آراء سياسية.

أما بالنسبة إلى الجنسية، فالمواطن المولود أميركياً يمكن توقيفه ومحاكمته وسجنه وتجميد أمواله، لكن لا تُسحب جنسيته تلقائياً. وبالنسبة إلى المتجنس، تصبح المسألة أكثر خطورة إذا ثبت أن ارتباطه بـ”حزب الله” سبق حصوله على الجنسية وأنه أخفى هذه المعلومات أو كذب في شأنها أثناء إجراءات الهجرة والتجنس. عندها قد يواجه، إضافة إلى الملاحقة الجنائية، دعوى لإبطال التجنس بسبب الغش أو إخفاء وقائع جوهرية.

شيعة أميركيون

يكشف الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أن عدد الشيعة الأميركيين من أصل لبناني لا يُعرف بصورة دقيقة، لكن هناك تقديرات بأن العدد يصل إلى 210 آلاف، وهو تقدير يكشف حجم الجالية الشيعية التي تمتد جذورها إلى لبنان فيما استقرت حياتها في الولايات المتحدة.

وتقول نجوى رحال، وهي لبنانية تحمل الجنسية الأميركية، أن “المشكلة صارت أكبر من الحرب، أصبحنا في أميركا ونفكر ألف مرة قبل أن نحوّل المال لأهلنا، البنك يسأل، شركة التحويل تسأل، وأحياناً تشعر أنك متهم فقط لأن اسمك لبناني ومن الجنوب، أنا لا أريد أن أموّل ‘حزب الله’ ولا علاقة لي فيه، لكن لماذا أدفع أنا ثمن العقوبات والحرب؟ أخي في مدينة الخيام (جنوب لبنان) وأنا في أميركا، أريد أن أرسل له ثمن الدواء والأكل، وليس صاروخاً”. وتضيف، “بصراحة، أنا غاضبة من الحزب، أخذ قرار الحرب وكأن الجنوب ملكه وحده، وبعدها نحن الذين نحمل النتائج، صار لدي سؤال بسيط، إذا كانت المقاومة تحمي الناس، لماذا أهل الناس اليوم مهجرون؟”.

من جهتها تقول المواطنة اللبنانية – الأميركية حليمة جواد، “أنا ضد إسرائيل قبل أن أكون مع ‘حزب الله’، هذه نقطة لا أساوم عليها، الأميركي يستطيع أن يفرض عليّ تدقيقاً على حسابي المصرفي، يستطيع أن يجعل التحويل أصعب، يستطيع أن يسألني ألف سؤال، لكنه لا يستطيع أن يغير قناعتي بأن إسرائيل عدو”.

وتضيف، “أنا أرسل المال لأهلي، وإذا طلب مني البنك تفسير كل دولار سأفسر، لكن لن أقبل أن يتحول كل شيعي لبناني إلى شخص مشتبه فيه، أنا مواطنة أميركية وأحترم القانون، لكن عندي أهل في الجنوب، هل المطلوب أن أتركهم يموتون لأن واشنطن لا تثق بأي تحويل يذهب إلى لبنان؟”.

وبرأي فاطمة فواز وهي أيضاً لبنانية – أميركية، “أنا صرت أخاف من التحويل أكثر من الحرب نفسها، ليس لأني أرتكب خطأً، لكن لأن الإجراءات صارت مرهقة، فتسأل نفسك، هل إذا حولت مبلغاً لأهلي سيتصل بي البنك؟ هل سيطلبون أوراقاً إضافية؟ هل سيتأخر المال المحوَّل؟ الناس هنا تفكر بالدولار، وأنا أفكر بأمي إذا احتاجت دواء في قرية بالجنوب”.

وتضيف، “أنا لا أريد أن يقرر ‘حزب الله’ عن لبنان، وفي الوقت نفسه لا أريد أن تعامل واشنطن كل شخص شيعي كأنه مشروع للحزب. نحن لسنا ‘حزب الله’، نحن لبنانيون لدينا عائلات وأرزاق وبيوت هناك”.

“أعيش في أميركا وأحترم قوانينها”

بدوره يقول اللبناني – الأميركي حسين علوية، “إذا كانوا يريدون محاصرة ‘حزب الله’، فليحاصروه، لماذا أشعر أنا أنني محاصر معه؟ هذا الشيء يستفزني، أنا أعيش بأميركا وأحترم قوانينها، لكن عندما يصبح تحويل المال لأهلي معركة أوراق وتدقيق وأسئلة، أشعر أن العقوبة وصلت إلى الناس الخطأ”.

ويضيف “أنا لا أدافع عن أي شبكة مالية غير قانونية، إذا كان أحد الأشخاص يموّل ‘حزب الله’، حاسبوه، لكن لا تجعلوا اللبناني الذي يرسل ألف دولار لأمه أو لأخيه يعيش وكأنه متهم بالإرهاب”.

في المقابل يقول محمد رحال، وهو لبناني يحمل الجنسية الأميركية، “أنا مع الحزب، ولن أكذب كي أرضي أحداً، إسرائيل قتلت من أهلنا ودمرت بلداتنا، ولا أستطيع أن أتعامل معها وكأنها دولة عادية، لكن عندي عتب كبير على ‘حزب الله’، فقتال إسرائيل شيء، وإدارة البلد شيء آخر، لا يجوز أن يكون الجنوب دائماً هو المكان الذي يدفع الثمن”.

وعن التحويلات يقول رحال، “أنا أرسل المال لأهلي، إذا البنك الأميركي سألني من أين المال وإلى أين يذهب؟ أعطيه كل التفاصيل، عندي مشكلة مع أن يصبح الشيعي نفسه موضع شبهة، نحن نريد أن نعيش هنا ونساعد أهلنا هناك، هذه ليست جريمة”.

وقال أميركي شيعي رفض الكشف عن اسمه، إن “أصعب شيء حدث بعد الحرب هو أنني أصبحت مضطراً لشرح نفسي، في العمل يسألونني، هل أنت مع ‘حزب الله’؟ وفي المصرف يسألون عن التحويلات، وفي لبنان يسألونني لماذا لا تقف مع الحزب؟ إذاً أنا ماذا أفعل؟ أنا إنسان واحد لديّ عائلة في بلدَين”.

ويضيف “أنا ضد أي تمويل غير قانوني، لكنني ضد أن يتحول اسم لبنان أو الطائفة إلى علامة استفهام على الحساب البنكي، إذا أردتم ضرب ‘حزب الله’، اضربوا شبكاته، لا تجعلوا مَن يرسل 500 دولار لأبيه في صور يشعر أنه يرتكب أمراً مشبوهاً”.

تكشف هذه المداخلات أن صورة الجالية الشيعية اللبنانية في أميركا أكثر تعقيداً من تصنيفها سياسياً ضمن خانة واحدة. فهناك مَن يؤيد “حزب الله”، وهناك مَن يعارضه، وهناك مَن يرفض قراره بالحرب مع احتفاظه بموقف شديد العداء لإسرائيل، وهناك مَن يفصل بين مفهوم قتال إسرائيل وبين هيمنة الحزب على الدولة وقرارها.

الرابط الذي يصعب قطعه

وبين هذه المواقف جميعاً تبقى العائلة الجنوبية الرابط الذي يصعب قطعه. فالمال الذي يخرج من حساب في أميركا يصل، في كثير من الحالات، إلى بيت في الجنوب، وإلى دواء أو طعام أو قريب ينتظر مساعدة، أو إلى عائلة تحاول المحافظة على الحد الأدنى من حياتها وسط الحرب.

والتحويل العائلي المشروع إلى شخص غير خاضع للعقوبات لا يشكل جريمة في ذاته. لكن المصارف وشركات التحويل ملزمة بإجراءات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والتأكد من هوية المرسل والمستفيد وهدف العملية، وقد تعتمد بعض المؤسسات سياسات تدقيق تتجاوز الحد الأدنى القانوني، خوفاً من العقوبات أو من مرور الأموال، ولو بصورة غير مقصودة، عبر جهات وأشخاص محظورين.

هنا تظهر مشكلة أخرى، فالعقوبات المصممة لاستهداف الشبكات المالية لـ”حزب الله” قد تترك آثاراً جانبية على أشخاص لا علاقة لهم بالحزب، خصوصاً عندما تتحول إدارة الأخطار داخل المصارف إلى اشتباه واسع بالتحويلات المتجهة إلى قرى ومناطق معينة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن شبكات الحزب اعتمدت تاريخياً على التحويلات النقدية والواجهات التجارية والوسطاء، مما يدفع السلطات والمؤسسات المالية إلى رفع مستوى التدقيق.

لبنانيون عالقون بين الخيام وواشنطن… جواز أميركي وولاء معلق

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
24 آب 2026

يعيش اللبنانيون الشيعة الحاملين للجنسية الأميركية ازدواجية معقدة بين انتمائهم القانوني للولايات المتحدة وارتباطهم العائلي والعاطفي بلبنان، لا سيما الجنوب. وتُقدَّر أعدادهم بنحو 150 ألفاً إلى 210 آلاف، مع حضور بارز في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان وتأثير انتخابي ملحوظ.

في المسافة التي تفصل مدينة “الخيام” في جنوب لبنان عن واشنطن، تعيش شريحة لبنانية حكايةً يصعب اختصارها في موقف سياسي واحد. فأبناء الجنوب الذين حملوا الجنسية الأميركية، واحتفظوا بعائلاتهم وبيوتهم وذاكرتهم في القرى الحدودية، يجدون أنفسهم اليوم أمام معادلة دقيقة: حرب تجري في أرض يعرفون تفاصيلها بيتاً بيتاً، وسياسة أميركية تحاصر تمويل “حزب الله” وشبكاته، وبين الطرفين يقف لبناني يحمل جوازاً أميركياً ويريد، في أبسط صورة، أن يرسل المال إلى أمه أو أخيه أو عائلته التي بقيت في الجنوب.

تضم الولايات المتحدة نحو 625 ألف شخص يعرّفون أنفسهم بأنهم لبنانيون أو متحدرون من أصل لبناني، وفق تقرير نشره مكتب الإحصاء الأميركي في يناير (كانون الثاني) عام 2024، وليس جميع هؤلاء مولودين في لبنان، بل تنتمي نسبة كبيرة منهم إلى أجيال وُلدت في الولايات المتحدة واكتسبت جنسيتها بالولادة، إضافة إلى أن غالبية المولودين في لبنان والمقيمين هناك حصلوا على الجنسية الأميركية بالتجنس.

لا توجد إحصاءات رسمية تصنّف هؤلاء مذهبياً، لأن التعداد الأميركي لا يسأل عن الدين أو الطائفة، لكن التقديرات السكانية وتركيبة موجات الهجرة تسمح بوضع عدد المواطنين الأميركيين من الشيعة اللبنانيين عند حدود الـ170 ألفاً، وتشكّل مدينة ديربورن ومحيطها في ولاية ميشيغان مركز الثقل الاجتماعي والسياسي الأبرز للوجود اللبناني الشيعي المنظم، إن لم تكن تضم غالبية الشيعة اللبنانيين المنتشرين في أنحاء الولايات المتحدة. ويعيش في منطقة ديترويت الكبرى نحو 63 ألف شخص من أصل لبناني من مختلف الطوائف، فيما يقدّر عدد العرب الأميركيين في ميشيغان بنحو 283 ألفاً، بينهم أكثر من 82 ألفاً في الدائرة الانتخابية التي تضم ديربورن وديربورن هايتس.

الهوية المعقدة

هذا التركّز يمنح المجتمع العربي والمسلم، ومن ضمنه اللبنانيون الشيعة، تأثيراً يتجاوز حجمه العددي، خصوصاً في الانتخابات المحلية والتمهيدية، وفي ولاية متأرجحة يمكن أن تحسمها عشرات آلاف الأصوات. وقد أظهرت انتخابات 2024 حجم هذا التأثير، حين تصدّر الرئيس دونالد ترمب نتائج ديربورن بنحو 42 في المئة، مقابل 36 في المئة لكامالا هاريس، و18 في المئة لمرشحة حزب الخضر جيل شتاين.

وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة. فبعض هؤلاء المواطنين صوّت لدونالد ترمب، في وقت اتخذت فيه إدارته مواقف متشددة ضد إيران و”حزب الله“، ووسعت العقوبات على شبكات الحزب المالية. وقد يجمع بعض الناخبين بين التصويت لترمب لأسباب داخلية أو اقتصادية، وبين الاحتفاظ بموقف مؤيد لـ”حزب الله” أو شديد العداء لإسرائيل. وهذا لا يشكل، بحد ذاته، مخالفة قانونية، لكنه يكشف تعقيد الهوية السياسية لدى شريحة تتحرك بين وطنَين وذاكرتَين ومصلحتَين.

لكن القاسم المشترك بينها يرتبط بحياة يومية جديدة فرضتها الحرب: تدقيق مصرفي، أسئلة حول التحويلات، حذر من إرسال الأموال، وشعور لدى بعضهم بأن الاسم اللبناني أو الانتماء إلى الجنوب صار كافياً لإثارة الريبة.

جواز سفر أميركي وولاء للحزب

تبدأ الإشكالية الفعلية عندما يحمل المواطن جواز سفر أميركياً ويتمتع بحماية الدولة الأميركية وحقوقها، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بولاء تنظيمي لـ”حزب الله”. هنا تتجاوز المسألة حمل جنسيتين، لتطرح سؤالاً عن ازدواجية الولاء والمرجعية: هل الأولوية للدولة التي يحمل الفرد جنسيتها، أم لتنظيم مسلح يعمل خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعده واشنطن منظمة إرهابية مرتبطة عسكرياً وأمنياً بالحرس الثوري الإيراني؟

صنّفت الولايات المتحدة “حزب الله” منظمة إرهابية أجنبية منذ عام 1997، ثم صنّفته إرهابياً عالمياً عام 2001. وفي أغسطس (آب) الجاري أعادت وزارة الخزانة تصنيفه باعتباره تنظيماً يعمل تحت قيادة وتوجيه “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني. ولا يعترف القانون الأميركي بالفصل بين أجنحة الحزب العسكرية والسياسية والاجتماعية، ولا يعد العمل في مؤسساته غير العسكرية يشكّل بالضرورة منطقة قانونية آمنة.

وفي هذا السياق تشير أوساط قانونية مطلعة على القوانين الأميركية إلى أن القانون الأميركي يرسم خطاً واضحاً بين الرأي والفعل. فأن يكون المواطن شيعياً، أو أن يتعاطف سياسياً مع “حزب الله”، أو أن ينتقد السياسة الأميركية، أو حتى أن يرفض تصنيف الحزب إرهابياً، لا يشكل جريمة بحد ذاته. حرية الرأي والمعتقد السياسي مصانة، ولو كانت الأفكار معارضة لسياسة الدولة.

أما حين ينتقل الشخص من التعاطف المستقل إلى العمل تحت توجيه الحزب أو سيطرته، أو يقدّم له المال والخدمات والمعلومات والتدريب والنقل والمعدات والحسابات المصرفية، أو يقوم بالتجنيد وجمع التبرعات وتنفيذ المهمات، فإن الأمر يدخل في نطاق “تقديم الدعم المادي لمنظمة إرهابية أجنبية”. وقد تصل العقوبة وفق القانون الأميركي إلى السجن 20 عاماً، وإلى المؤبد إذا أدى الدعم إلى سقوط قتلى.

إرهابيون ملاحقون

وبهذا المعنى، لا يختلف الوضع القانوني لعنصر في “حزب الله” يحمل الجنسية الأميركية عن الوضع القانوني لعنصر أميركي في تنظيم “القاعدة” أو “داعش”. االجنسية الأميركية لا تمنحه حصانة، ولا يستطيع الادعاء بأنه يعمل ضمن جناح سياسي أو اجتماعي، إذا أثبتت السلطات أنه يعمل فعلياً بتوجيه تنظيم مصنَّف إرهابياً.

وقد شهدت الولايات المتحدة قضايا فعلية من هذا النوع. فقد اتهمت وزارة العدل علي كوراني، وهو لبناني حصل على الجنسية الأميركية، بالعمل مع الوحدة الخارجية لـ”حزب الله” وتلقي التدريب وتنفيذ عمليات مراقبة وجمع معلومات عن منشآت أمنية وعسكرية داخل نيويورك. واتُهم سامر الدبك، وهو مواطن متجنس من ديربورن، بتلقي تدريب عسكري وتنفيذ مهمات خارجية للحزب. وفي قضية أخرى، حُكم على أليكسي صعب بالسجن 12 عاماً بعد إدانته بتلقي تدريب عسكري من “حزب الله”، إلى جانب جرائم أخرى.

هذه القضايا لا تثبت وجود ظاهرة جماعية ولا تسمح باتهام المجتمع الشيعي في أميركا، لكنها تثبت أن استخدام الجنسية أو جواز السفر الأميركي غطاءً للتحرك لمصلحة الحزب ليس افتراضاً نظرياً، وأن السلطات الأميركية تعاملت سابقاً مع مواطنين ومتجنسين بوصفهم عناصر عملياتيين، لا بوصفهم مجرد أصحاب آراء سياسية.

أما بالنسبة إلى الجنسية، فالمواطن المولود أميركياً يمكن توقيفه ومحاكمته وسجنه وتجميد أمواله، لكن لا تُسحب جنسيته تلقائياً. وبالنسبة إلى المتجنس، تصبح المسألة أكثر خطورة إذا ثبت أن ارتباطه بـ”حزب الله” سبق حصوله على الجنسية وأنه أخفى هذه المعلومات أو كذب في شأنها أثناء إجراءات الهجرة والتجنس. عندها قد يواجه، إضافة إلى الملاحقة الجنائية، دعوى لإبطال التجنس بسبب الغش أو إخفاء وقائع جوهرية.

شيعة أميركيون

يكشف الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أن عدد الشيعة الأميركيين من أصل لبناني لا يُعرف بصورة دقيقة، لكن هناك تقديرات بأن العدد يصل إلى 210 آلاف، وهو تقدير يكشف حجم الجالية الشيعية التي تمتد جذورها إلى لبنان فيما استقرت حياتها في الولايات المتحدة.

وتقول نجوى رحال، وهي لبنانية تحمل الجنسية الأميركية، أن “المشكلة صارت أكبر من الحرب، أصبحنا في أميركا ونفكر ألف مرة قبل أن نحوّل المال لأهلنا، البنك يسأل، شركة التحويل تسأل، وأحياناً تشعر أنك متهم فقط لأن اسمك لبناني ومن الجنوب، أنا لا أريد أن أموّل ‘حزب الله’ ولا علاقة لي فيه، لكن لماذا أدفع أنا ثمن العقوبات والحرب؟ أخي في مدينة الخيام (جنوب لبنان) وأنا في أميركا، أريد أن أرسل له ثمن الدواء والأكل، وليس صاروخاً”. وتضيف، “بصراحة، أنا غاضبة من الحزب، أخذ قرار الحرب وكأن الجنوب ملكه وحده، وبعدها نحن الذين نحمل النتائج، صار لدي سؤال بسيط، إذا كانت المقاومة تحمي الناس، لماذا أهل الناس اليوم مهجرون؟”.

من جهتها تقول المواطنة اللبنانية – الأميركية حليمة جواد، “أنا ضد إسرائيل قبل أن أكون مع ‘حزب الله’، هذه نقطة لا أساوم عليها، الأميركي يستطيع أن يفرض عليّ تدقيقاً على حسابي المصرفي، يستطيع أن يجعل التحويل أصعب، يستطيع أن يسألني ألف سؤال، لكنه لا يستطيع أن يغير قناعتي بأن إسرائيل عدو”.

وتضيف، “أنا أرسل المال لأهلي، وإذا طلب مني البنك تفسير كل دولار سأفسر، لكن لن أقبل أن يتحول كل شيعي لبناني إلى شخص مشتبه فيه، أنا مواطنة أميركية وأحترم القانون، لكن عندي أهل في الجنوب، هل المطلوب أن أتركهم يموتون لأن واشنطن لا تثق بأي تحويل يذهب إلى لبنان؟”.

وبرأي فاطمة فواز وهي أيضاً لبنانية – أميركية، “أنا صرت أخاف من التحويل أكثر من الحرب نفسها، ليس لأني أرتكب خطأً، لكن لأن الإجراءات صارت مرهقة، فتسأل نفسك، هل إذا حولت مبلغاً لأهلي سيتصل بي البنك؟ هل سيطلبون أوراقاً إضافية؟ هل سيتأخر المال المحوَّل؟ الناس هنا تفكر بالدولار، وأنا أفكر بأمي إذا احتاجت دواء في قرية بالجنوب”.

وتضيف، “أنا لا أريد أن يقرر ‘حزب الله’ عن لبنان، وفي الوقت نفسه لا أريد أن تعامل واشنطن كل شخص شيعي كأنه مشروع للحزب. نحن لسنا ‘حزب الله’، نحن لبنانيون لدينا عائلات وأرزاق وبيوت هناك”.

“أعيش في أميركا وأحترم قوانينها”

بدوره يقول اللبناني – الأميركي حسين علوية، “إذا كانوا يريدون محاصرة ‘حزب الله’، فليحاصروه، لماذا أشعر أنا أنني محاصر معه؟ هذا الشيء يستفزني، أنا أعيش بأميركا وأحترم قوانينها، لكن عندما يصبح تحويل المال لأهلي معركة أوراق وتدقيق وأسئلة، أشعر أن العقوبة وصلت إلى الناس الخطأ”.

ويضيف “أنا لا أدافع عن أي شبكة مالية غير قانونية، إذا كان أحد الأشخاص يموّل ‘حزب الله’، حاسبوه، لكن لا تجعلوا اللبناني الذي يرسل ألف دولار لأمه أو لأخيه يعيش وكأنه متهم بالإرهاب”.

في المقابل يقول محمد رحال، وهو لبناني يحمل الجنسية الأميركية، “أنا مع الحزب، ولن أكذب كي أرضي أحداً، إسرائيل قتلت من أهلنا ودمرت بلداتنا، ولا أستطيع أن أتعامل معها وكأنها دولة عادية، لكن عندي عتب كبير على ‘حزب الله’، فقتال إسرائيل شيء، وإدارة البلد شيء آخر، لا يجوز أن يكون الجنوب دائماً هو المكان الذي يدفع الثمن”.

وعن التحويلات يقول رحال، “أنا أرسل المال لأهلي، إذا البنك الأميركي سألني من أين المال وإلى أين يذهب؟ أعطيه كل التفاصيل، عندي مشكلة مع أن يصبح الشيعي نفسه موضع شبهة، نحن نريد أن نعيش هنا ونساعد أهلنا هناك، هذه ليست جريمة”.

وقال أميركي شيعي رفض الكشف عن اسمه، إن “أصعب شيء حدث بعد الحرب هو أنني أصبحت مضطراً لشرح نفسي، في العمل يسألونني، هل أنت مع ‘حزب الله’؟ وفي المصرف يسألون عن التحويلات، وفي لبنان يسألونني لماذا لا تقف مع الحزب؟ إذاً أنا ماذا أفعل؟ أنا إنسان واحد لديّ عائلة في بلدَين”.

ويضيف “أنا ضد أي تمويل غير قانوني، لكنني ضد أن يتحول اسم لبنان أو الطائفة إلى علامة استفهام على الحساب البنكي، إذا أردتم ضرب ‘حزب الله’، اضربوا شبكاته، لا تجعلوا مَن يرسل 500 دولار لأبيه في صور يشعر أنه يرتكب أمراً مشبوهاً”.

تكشف هذه المداخلات أن صورة الجالية الشيعية اللبنانية في أميركا أكثر تعقيداً من تصنيفها سياسياً ضمن خانة واحدة. فهناك مَن يؤيد “حزب الله”، وهناك مَن يعارضه، وهناك مَن يرفض قراره بالحرب مع احتفاظه بموقف شديد العداء لإسرائيل، وهناك مَن يفصل بين مفهوم قتال إسرائيل وبين هيمنة الحزب على الدولة وقرارها.

الرابط الذي يصعب قطعه

وبين هذه المواقف جميعاً تبقى العائلة الجنوبية الرابط الذي يصعب قطعه. فالمال الذي يخرج من حساب في أميركا يصل، في كثير من الحالات، إلى بيت في الجنوب، وإلى دواء أو طعام أو قريب ينتظر مساعدة، أو إلى عائلة تحاول المحافظة على الحد الأدنى من حياتها وسط الحرب.

والتحويل العائلي المشروع إلى شخص غير خاضع للعقوبات لا يشكل جريمة في ذاته. لكن المصارف وشركات التحويل ملزمة بإجراءات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والتأكد من هوية المرسل والمستفيد وهدف العملية، وقد تعتمد بعض المؤسسات سياسات تدقيق تتجاوز الحد الأدنى القانوني، خوفاً من العقوبات أو من مرور الأموال، ولو بصورة غير مقصودة، عبر جهات وأشخاص محظورين.

هنا تظهر مشكلة أخرى، فالعقوبات المصممة لاستهداف الشبكات المالية لـ”حزب الله” قد تترك آثاراً جانبية على أشخاص لا علاقة لهم بالحزب، خصوصاً عندما تتحول إدارة الأخطار داخل المصارف إلى اشتباه واسع بالتحويلات المتجهة إلى قرى ومناطق معينة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن شبكات الحزب اعتمدت تاريخياً على التحويلات النقدية والواجهات التجارية والوسطاء، مما يدفع السلطات والمؤسسات المالية إلى رفع مستوى التدقيق.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار