لا صفقات مع «الحزب»: هوكشتاين لن يعود

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
25 آب 2026

في اللحظة التي تستعد فيها إسرائيل لحرب واسعة جديدة في الجنوب، ولمزيد من التوغل شمالاً، لم يمكن مفاجئاً انطلاق الحديث عن مرونة تفاوضية يبديها «حزب الله» نحو واشنطن. وهذا الحديث أثار الوساوس لدى كثيرين في الداخل اللبناني، لأنّ أي تفاوض جدّي بين واشنطن و»حزب الله» من شأنه أن يخلط الأوراق بقوة في لبنان، وقد يعيد عقارب الساعة ولو جزئياً إلى مرحلة سابقة. ولذلك، السؤال مطروح: هل إنّ «كلام المفاوضات» جدّي أم هو «كلام مناورات»؟

​العارفون يقولون إنّ إبداء «حزب الله» ليونة في مسألة التفاوض مع واشنطن ليس في الواقع سوى محاولة منه لجرف الوقت والرهان على تقلّبات الروزنامة السياسية. فالمحور الإيراني يراهن على احتمال سقوط بنيامين نتنياهو أو ضعف دونالد ترامب في الانتخابات المنتظرة في الخريف، في كل من البلدين، ما قد يتيح إعادة خلط الأوراق في الشرق الأوسط وإحياء توازنات القوة التي سادت لعقود مضت.

فالعروض التي يقدّمها حلفاء إيران، في لبنان والعراق واليمن وغزة، لا تعبّر فعلاً عن استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، لأنّ قيادات هذا المحور تدرك تماماً أنّ الأثمان المطلوبة منها لا تقلّ عن تفكيك هيكلياتها بكاملها، أي الزوال. وهذا أمر ستبقى ترفضه حتى النهاية، كما تفعل منذ 3 أعوام.

يُضاف إلى ذلك، أنّ عنصراً استراتيجياً جديداً نشأ في الشرق الأوسط، هو المحور الإقليمي ـ العربي السنّي الذي عبّر عن نفسه باتفاق مكة أخيراً. وقد بات المحور الإيراني اليوم محشوراً بين اندفاعة إسرائيل العسكرية غير المسبوقة لتصفية نفوذه الإقليمي، وهذا المحور السنّي الذي يرتكز إلى نواة ثلاثية قوية قوامها تركيا والسعودية وباكستان. ويسعى هذا التكتل السنّي إلى تحجيم النفوذ الإيراني وتقليم أظافره الممتدة من المتوسط إلى الخليج وشمال أفريقيا. ويريد هذا المحور دفع طهران إلى الرضوخ، والتفاهم معه، أو الانضواء تحت جناحه، هرباً من طموحات التوسّع الإسرائيلية.

​لذلك، تبدو التسريبات عن إمكان العودة إلى صيغة التفاهمات المباشرة مع «حزب الله»، على غرار مرحلة عاموس هوكشتاين وترتيبات الثنائية الشيعية، مجرد «طواحين هواء». وحتى توم برّاك الذي دعا أخيراً إلى إشراك إيران و«الحزب» في طاولات التفاوض الجارية، تراجع ليعلن أنّ الحوار محصور بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وليس هناك إدارة في واشنطن اليوم، ولا حكومة في إسرائيل، تتّجه إلى تقديم صفقات مربحة إلى محور يستنزف ميدانياً وسياسياً واقتصادياً. وقد منحت حرب «طوفان الأقصى» بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب فرصة تاريخية لا يمكن تفويتها لإنهاء نفوذ إيران الإقليمي بتنسيق كامل بين الحليفين.

​وفي الواقع، ​تندرج أوهام التفاوض والتهدئة في خانة المناورات المكشوفة من الطرفين. فهي من جهة إيران والحزب محاولة لتقطيع الوقت أملاً في تبدّل الرؤساء والخطط، ومن جهة واشنطن مجرد استخدام لتكتيك «العصا والجزرة». فـ«الحزب»، كما سائر مكونات المحور الإيراني، لا يملك ما يقدّمه من أوراق قوة لعقد صفقة متوازنة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وحتى النظام الإقليمي السنّي ليس في وارد السماح لطهران باستعادة أوراقها في الشرق الأوسط. فاللحظة التاريخية الحالية التي يتمسك بها نتنياهو وترامب لا تستهدف في الواقع تحسين شروط التفاوض، بل تجريد المحور من أوراقه بالكامل. ولذلك، يمكن الاستنتاج أنّ صفقات الماضي التي كانت تُعقد مع «الحزب» أو إيران وحلفائها الآخرين قد انتهت بانتهاء المرحلة السابقة، وإلى غير رجعة.

لا صفقات مع «الحزب»: هوكشتاين لن يعود

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
25 آب 2026

في اللحظة التي تستعد فيها إسرائيل لحرب واسعة جديدة في الجنوب، ولمزيد من التوغل شمالاً، لم يمكن مفاجئاً انطلاق الحديث عن مرونة تفاوضية يبديها «حزب الله» نحو واشنطن. وهذا الحديث أثار الوساوس لدى كثيرين في الداخل اللبناني، لأنّ أي تفاوض جدّي بين واشنطن و»حزب الله» من شأنه أن يخلط الأوراق بقوة في لبنان، وقد يعيد عقارب الساعة ولو جزئياً إلى مرحلة سابقة. ولذلك، السؤال مطروح: هل إنّ «كلام المفاوضات» جدّي أم هو «كلام مناورات»؟

​العارفون يقولون إنّ إبداء «حزب الله» ليونة في مسألة التفاوض مع واشنطن ليس في الواقع سوى محاولة منه لجرف الوقت والرهان على تقلّبات الروزنامة السياسية. فالمحور الإيراني يراهن على احتمال سقوط بنيامين نتنياهو أو ضعف دونالد ترامب في الانتخابات المنتظرة في الخريف، في كل من البلدين، ما قد يتيح إعادة خلط الأوراق في الشرق الأوسط وإحياء توازنات القوة التي سادت لعقود مضت.

فالعروض التي يقدّمها حلفاء إيران، في لبنان والعراق واليمن وغزة، لا تعبّر فعلاً عن استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، لأنّ قيادات هذا المحور تدرك تماماً أنّ الأثمان المطلوبة منها لا تقلّ عن تفكيك هيكلياتها بكاملها، أي الزوال. وهذا أمر ستبقى ترفضه حتى النهاية، كما تفعل منذ 3 أعوام.

يُضاف إلى ذلك، أنّ عنصراً استراتيجياً جديداً نشأ في الشرق الأوسط، هو المحور الإقليمي ـ العربي السنّي الذي عبّر عن نفسه باتفاق مكة أخيراً. وقد بات المحور الإيراني اليوم محشوراً بين اندفاعة إسرائيل العسكرية غير المسبوقة لتصفية نفوذه الإقليمي، وهذا المحور السنّي الذي يرتكز إلى نواة ثلاثية قوية قوامها تركيا والسعودية وباكستان. ويسعى هذا التكتل السنّي إلى تحجيم النفوذ الإيراني وتقليم أظافره الممتدة من المتوسط إلى الخليج وشمال أفريقيا. ويريد هذا المحور دفع طهران إلى الرضوخ، والتفاهم معه، أو الانضواء تحت جناحه، هرباً من طموحات التوسّع الإسرائيلية.

​لذلك، تبدو التسريبات عن إمكان العودة إلى صيغة التفاهمات المباشرة مع «حزب الله»، على غرار مرحلة عاموس هوكشتاين وترتيبات الثنائية الشيعية، مجرد «طواحين هواء». وحتى توم برّاك الذي دعا أخيراً إلى إشراك إيران و«الحزب» في طاولات التفاوض الجارية، تراجع ليعلن أنّ الحوار محصور بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وليس هناك إدارة في واشنطن اليوم، ولا حكومة في إسرائيل، تتّجه إلى تقديم صفقات مربحة إلى محور يستنزف ميدانياً وسياسياً واقتصادياً. وقد منحت حرب «طوفان الأقصى» بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب فرصة تاريخية لا يمكن تفويتها لإنهاء نفوذ إيران الإقليمي بتنسيق كامل بين الحليفين.

​وفي الواقع، ​تندرج أوهام التفاوض والتهدئة في خانة المناورات المكشوفة من الطرفين. فهي من جهة إيران والحزب محاولة لتقطيع الوقت أملاً في تبدّل الرؤساء والخطط، ومن جهة واشنطن مجرد استخدام لتكتيك «العصا والجزرة». فـ«الحزب»، كما سائر مكونات المحور الإيراني، لا يملك ما يقدّمه من أوراق قوة لعقد صفقة متوازنة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وحتى النظام الإقليمي السنّي ليس في وارد السماح لطهران باستعادة أوراقها في الشرق الأوسط. فاللحظة التاريخية الحالية التي يتمسك بها نتنياهو وترامب لا تستهدف في الواقع تحسين شروط التفاوض، بل تجريد المحور من أوراقه بالكامل. ولذلك، يمكن الاستنتاج أنّ صفقات الماضي التي كانت تُعقد مع «الحزب» أو إيران وحلفائها الآخرين قد انتهت بانتهاء المرحلة السابقة، وإلى غير رجعة.

مزيد من الأخبار