عِراك دبلوماسي في مانهاتن محوره «ورثة» القبعات الزرق

بدأت «الحربُ الباردة» في مجلس الأمن على جبهة «اليوم التالي» لانتهاء مَهمة قوة «اليونيفيل» في جنوب لبنان (آخِر السنة)، وسط مكاسرةٍ مكتومة بين التمديدِ «الساقِط» لـ «القبعات الرزق» بفعل «الفيتو» الأميركي ومِن ورائه الرفض الإسرائيلي، وبين محاولة بيروت ومِن خلْفها عدد كبير من الدول الأوروبية والعربية رَبْط أي بديلٍ متعدّد الجنسية بمرجعيةٍ أمميةٍ «تَحْفَظ» القرار 1701 كناظِمٍ لتنظيمِ الجبهة مع إسرائيل ولترتيبات سحْب سلاح «حزب الله» بما يُبْقي على خط دفاعٍ لـ «بلاد الأرز» يَقيها «الاستفرادَ بها» في مسار التفاوض المباشر مع تل أبيب الذي بات، من خلال «الاتفاق الإطإر»، الناظرَ لماهيةِ ومستقبلِ علاقتهما ارتكازاً على ملف السلاح ووجوب تسليمه إلى الدولة.
وعَكَست مجرياتُ الجلسة المغلقة في مانهاتن التي عقدها مجلس الأمن الجمعة بدعوةٍ من فرنسا، تَقاطُعاً بين أعضائه على التمديد المحدود لـ «اليونيفيل» – وهو الخيار الأول الذي يحبّذه لبنان – سرعان ما «قَطَعَ» الأمل بحصوله المندوب الأميركي مايك والتز الذي ذكرتْ «وكالة اسوشييتدبرس للأنباء» أنه «لم يُبدِ رفضه أو تأييده»، ليكون هذا «السكوت علامة عدم الرضى» وصدى للموقف الـ «بلا قفازات» الذي صدر ليل الخميس عن ناطق باسم الخارجية الأميركية أكد أن واشنطن لا تدعم التمديد، معدداً مضبطة اتهام للقوة الدولية أبرزها أن «سبع جولات من الصراع وقعت في ظل مراقبتها، وأن حزب الله بنى بنية تحتية عسكرية ضخمة في المحيط المباشر لمواقعها، مستخدماً في بعض الأحيان قربَ قواتِ حفظ السلام لحماية بنيته التحتية أو عملياته».
وبين سطور موقف الخارجية الأميركية تظهيرٌ شديد الوضوح لـ «مكمن الداء» بالنسبة إليها، في أداء «اليونيفيل» وأيضاً في تَغَيُّر الظروفِ منذ إنشائها العام 1978، وانتقال ملف الجنوب من إدارةٍ أمنية تحت علم الأمم المتحدة إلى أخرى ذات بُعد سياسي – دبلوماسي مضاف تشكّله آلية التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن وحدها.
ولم تُخْفِ واشنطن هذا الأمر حيث جاهرت بـ «اننا الآن في وضع مختلف مع الإطار الثلاثي، الذي يوجِد مساراً مبنياً على الشروط لتحقيق أمن دائم وعلاقات سلمية بين إسرائيل ولبنان. ومع انتهاء مهمة اليونيفيل، نتوقع تنفيذ هذا الإطار، ما يجعل الحاجة غير قائمة لترتيبات حفظِ سلامٍ مفتوحة وغير المحددة بزمن»، موضحة في الوقت نفسه «أن أي وجود دولي جديد يجب أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأهداف الملموسة للاتفاق الإطار، لا بالوساطة غير المحددة لستاتيكو لم يتم حله»، ومضيفة: «مستعدون لمناقشة ترتيباتٍ تدعم حقاً نزع سلاح حزب الله، وتُعزِّز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، وتوطّد السيادة اللبنانية. ولسنا مهتمين باستبدال مَهمة غير فعالة ومفتوحة المدة بأخرى مماثلة».
وفي وقت كُشف أن مجلس الأمن ناقش الخيارات التي سبق أن اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لما بعد «اليونيفيل» وهي على ثلاثة مستويات: تعيين بعثة مصغرة غير عسكريّة لمهمة المراقبة والإبلاغ، وبعثة متوسطة بصلاحيات أكبر، أو بعثة كبيرة عسكرية بصلاحيات أوسع، ويكون عملها شاملاً على امتداد المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، فإنّ الصراع الخفيّ يبدو قائماً حول الـ 1701 الذي تحاول تل أبيب تصوير انتهاء مهمة القوة الدولية التي كانت مولجة متابعة تطبيقه بمثابة طيّ لصفحته، لمصلحة «الاتفاقِ الإطارِ» الثلاثي الذي يربط فعلياً الانسحاب الإسرائيلي بسحْب السلاح من كل لبنان عبر صيغةِ «المناطق التجريبية» وآلية تَحَقُّق تسدّ الثغرَ التي شابَتْ مَهمة «القبعات الرزق» الذين عملوا «بلا أنياب» رغم تعزيز حضورهم في إطار القرار الأممي الذي أوقف حرب يوليو 2006 (1701).
ورأت أوساط سياسية في بيروت أن جوهر موقف واشنطن وتل أبيب يقوم على أن «اليونيفيل» والـ 1701 الذي شكّل نقطةَ الارتكاز في اتفاق وقف النار بين حزب الله وإسرائيل (27 نوفمبر 2024) وأنشئت لجنة الميكانيزم للإشراف على تطبيقه، لم ينجحا في تشكيل أرضية لتفكيك الترسانة العسكرية للحزب الذي ارتأى «اجتزاءَ» القرار الأممي باعتباره يحصر سحْبَ السلاح من جنوب الليطاني، رغم أن مقدّمة اتفاق نوفمبر واضحة في تعداد مَن يحق له حمل السلاح في كل لبنان (القوات المسلحة اللبنانية وأخواتها من أجهزة رسمية وشرطة بلدية فقط)، فيما ذكر الـ 1701 القرار 1559 (يدعو لشمولية نزع سلاح كل الميليشات في لبنان) 4 مرات في متنه.
وبحسب هذه الأوساط، فإن واشنطن تُعطي إشاراتٍ لا تحتاج لتفكيك رموزها إلى أن حزب الله «ازدهر» عسكرياً تحت عيون اليونيفيل التي تحوّلت بمثابة «عدّاد» لتسجيل الانتهاكات، وأن الـ 1701 صار حبراً على ورق، وهي تسعى ومعها تل أبيب لعدم تكرار تجربة توفير «منطقة رمادية» يمكن أن يركن إليها لبنان لتأخير تطبيق حصر السلاح، خصوصاً أن الواقع الميداني والضغط الأميركي الإسرائيلي يفرضان منطقاً جديداً قائماً على آليات تنفيذية حصرية وصارمة تتجاوز العجز الدولي المعهود عن التنفيذ.
ومن هنا ترى الأوساط نفسها أن ثمة سعياً أميركياً لتكريس معادلة فرْض الشروط بالقوة بعد انهيار الخطوط القديمة وأن موقف واشنطن، الذي يختزل دور البعثة الأممية في كونها «ستاراً» لحزب الله، إنما يشكل غطاءً لمحاولة فرض آليات ثلاثية بين بيروت وتل أبيب والولايات المتحدة تقوم على ترتيبات ميدانية (آلية التحقق) قد تراها بيروت تمسّ سيادتها، وتريدها إسرائيل خصوصاً لإخراج ملف لبنان من تحت مظلة الأمم المتحدة إلى ملعب ثنائي يَحكمه الاتفاق الإطار الذي لم يأت على ذكر القرار 1701.
وفيما تبرز مساعٍ دبلوماسية لبحث صيغةِ وجودٍ دولي مستقبلي (كقوة مراقبين أو حضور أوروبي) لدعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب من دون إهمال المرجعية الأممية بالكامل، يسود ترقُّب لما إذا كان لبنان وأصدقائه من دول عربية وغربية سينجحون في ضمان أن يرتكز تفويضُ إنشاء قوة جديدة تُدمج في صلب «آلية التحقق»، بقرارٍ صادر عن مجلس الأمن، على القرارات ذات الصلة بلبنان وفي مقدمها الـ 1701، بما يوفّر المخرج التقني والديبلوماسي الذي يمنع سقوط هذا القرار، وعلى قاعدة أن مثل هذا الطرح يحقق هدفين متناقضين ظاهرياً: فهو يلبي الرغبة الأميركية -الإسرائيلية في الانتقال من صيغة «حفظ السلام» المفتوحة والفاشلة إلى صيغة تنفيذية وميدانية دقيقة، وفي الوقت نفسه يحصّن الموقف اللبناني عبر إبقاء المظلة الدولية والشرعية الأممية مربوطة بالمرجعيات السابقة.
وفي حين طَرَحَ الكباش حول «اليونيفيل»، وتالياً آلية التحقّق، علامات استفهام حول تأثيره على الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة الشهر الطالع في روما ولكن موعدها الرسمي لم يُحدد بعد، وعلى وقع مضيّ إسرائيل في تصعيدها جنوباً حيث تمددت غاراتها إلى مدينة النبطية في موازاة إدارتها معركة تلة علي الطاهر بما يُبْقيها «على النار» ولكن من دون حرْق العلاقة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يعطِ ضوءاً أخضر بعد للانقضاض على هذه المنشأة الإستراتيجية لحزب الله، برز تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن تمسّك الولايات المتحدة برفض التجديد لـ «اليونيفيل» يفرض البحث عن قوة أممية بديلة تحظى بتوافق أوروبي – أميركي، وتوجد في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتحدة.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن عدم إيجاد هذه القوة يعني افتقاد المستند القانوني للإبقاء على المرجعية الدولية والتمسك بدورها، باعتبارها الناظم الوحيد لمؤازرة الجيش اللبناني في بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، على أن يكون ذلك مشروطاً بانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية.
وأكد أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل لا تشكّل بديلاً عن الحضور الدولي في الجنوب، ما دامت تل أبيب ترفض تطبيق ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار» برعاية أميركية، للالتزام بتطبيق «المرحلة التجريبية» الأولى وتشكيل الآلية للتأكد من انتشار الجيش في البلدات المشمولة بها.
وأشار إلى أنه، رغم موقفه الرافض للاتفاق، كان قد اقترح توسيع «المرحلة التجريبية» باعتماد القضاء، وفق التقسيمات الإدارية للجنوب، بدل حصرها ببلدة زوطر الغربية المحتلة، وضم بلدات محررة إليها.
وكان الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، رفع سقف الهجوم على السلطة اللبنانية «التي اختارت مساراً لا يشرّفها، ولا يشرّف لبنان، عندما تخلت طوعاً عن اتفاق 27 نوفمبر 2024، ودخلت في مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، وأعطته كل شيء مما طلبه ومما لم يطلبه».
وقال: «هذه النتائج تلزمكم أنتم… هذه المفاوضات تَجري تحت الحرب، وتعطي شرعية للحرب، وتنحاز إلى جانب إسرائيل ضد المواطنين اللبنانيين… أنتم الآن بالمفاوضات تدفعون البلد ثمناً لكي تبقوا على عروشكم، وتُرْضوا أميركا».
عِراك دبلوماسي في مانهاتن محوره «ورثة» القبعات الزرق

بدأت «الحربُ الباردة» في مجلس الأمن على جبهة «اليوم التالي» لانتهاء مَهمة قوة «اليونيفيل» في جنوب لبنان (آخِر السنة)، وسط مكاسرةٍ مكتومة بين التمديدِ «الساقِط» لـ «القبعات الرزق» بفعل «الفيتو» الأميركي ومِن ورائه الرفض الإسرائيلي، وبين محاولة بيروت ومِن خلْفها عدد كبير من الدول الأوروبية والعربية رَبْط أي بديلٍ متعدّد الجنسية بمرجعيةٍ أمميةٍ «تَحْفَظ» القرار 1701 كناظِمٍ لتنظيمِ الجبهة مع إسرائيل ولترتيبات سحْب سلاح «حزب الله» بما يُبْقي على خط دفاعٍ لـ «بلاد الأرز» يَقيها «الاستفرادَ بها» في مسار التفاوض المباشر مع تل أبيب الذي بات، من خلال «الاتفاق الإطإر»، الناظرَ لماهيةِ ومستقبلِ علاقتهما ارتكازاً على ملف السلاح ووجوب تسليمه إلى الدولة.
وعَكَست مجرياتُ الجلسة المغلقة في مانهاتن التي عقدها مجلس الأمن الجمعة بدعوةٍ من فرنسا، تَقاطُعاً بين أعضائه على التمديد المحدود لـ «اليونيفيل» – وهو الخيار الأول الذي يحبّذه لبنان – سرعان ما «قَطَعَ» الأمل بحصوله المندوب الأميركي مايك والتز الذي ذكرتْ «وكالة اسوشييتدبرس للأنباء» أنه «لم يُبدِ رفضه أو تأييده»، ليكون هذا «السكوت علامة عدم الرضى» وصدى للموقف الـ «بلا قفازات» الذي صدر ليل الخميس عن ناطق باسم الخارجية الأميركية أكد أن واشنطن لا تدعم التمديد، معدداً مضبطة اتهام للقوة الدولية أبرزها أن «سبع جولات من الصراع وقعت في ظل مراقبتها، وأن حزب الله بنى بنية تحتية عسكرية ضخمة في المحيط المباشر لمواقعها، مستخدماً في بعض الأحيان قربَ قواتِ حفظ السلام لحماية بنيته التحتية أو عملياته».
وبين سطور موقف الخارجية الأميركية تظهيرٌ شديد الوضوح لـ «مكمن الداء» بالنسبة إليها، في أداء «اليونيفيل» وأيضاً في تَغَيُّر الظروفِ منذ إنشائها العام 1978، وانتقال ملف الجنوب من إدارةٍ أمنية تحت علم الأمم المتحدة إلى أخرى ذات بُعد سياسي – دبلوماسي مضاف تشكّله آلية التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن وحدها.
ولم تُخْفِ واشنطن هذا الأمر حيث جاهرت بـ «اننا الآن في وضع مختلف مع الإطار الثلاثي، الذي يوجِد مساراً مبنياً على الشروط لتحقيق أمن دائم وعلاقات سلمية بين إسرائيل ولبنان. ومع انتهاء مهمة اليونيفيل، نتوقع تنفيذ هذا الإطار، ما يجعل الحاجة غير قائمة لترتيبات حفظِ سلامٍ مفتوحة وغير المحددة بزمن»، موضحة في الوقت نفسه «أن أي وجود دولي جديد يجب أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأهداف الملموسة للاتفاق الإطار، لا بالوساطة غير المحددة لستاتيكو لم يتم حله»، ومضيفة: «مستعدون لمناقشة ترتيباتٍ تدعم حقاً نزع سلاح حزب الله، وتُعزِّز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، وتوطّد السيادة اللبنانية. ولسنا مهتمين باستبدال مَهمة غير فعالة ومفتوحة المدة بأخرى مماثلة».
وفي وقت كُشف أن مجلس الأمن ناقش الخيارات التي سبق أن اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لما بعد «اليونيفيل» وهي على ثلاثة مستويات: تعيين بعثة مصغرة غير عسكريّة لمهمة المراقبة والإبلاغ، وبعثة متوسطة بصلاحيات أكبر، أو بعثة كبيرة عسكرية بصلاحيات أوسع، ويكون عملها شاملاً على امتداد المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، فإنّ الصراع الخفيّ يبدو قائماً حول الـ 1701 الذي تحاول تل أبيب تصوير انتهاء مهمة القوة الدولية التي كانت مولجة متابعة تطبيقه بمثابة طيّ لصفحته، لمصلحة «الاتفاقِ الإطارِ» الثلاثي الذي يربط فعلياً الانسحاب الإسرائيلي بسحْب السلاح من كل لبنان عبر صيغةِ «المناطق التجريبية» وآلية تَحَقُّق تسدّ الثغرَ التي شابَتْ مَهمة «القبعات الرزق» الذين عملوا «بلا أنياب» رغم تعزيز حضورهم في إطار القرار الأممي الذي أوقف حرب يوليو 2006 (1701).
ورأت أوساط سياسية في بيروت أن جوهر موقف واشنطن وتل أبيب يقوم على أن «اليونيفيل» والـ 1701 الذي شكّل نقطةَ الارتكاز في اتفاق وقف النار بين حزب الله وإسرائيل (27 نوفمبر 2024) وأنشئت لجنة الميكانيزم للإشراف على تطبيقه، لم ينجحا في تشكيل أرضية لتفكيك الترسانة العسكرية للحزب الذي ارتأى «اجتزاءَ» القرار الأممي باعتباره يحصر سحْبَ السلاح من جنوب الليطاني، رغم أن مقدّمة اتفاق نوفمبر واضحة في تعداد مَن يحق له حمل السلاح في كل لبنان (القوات المسلحة اللبنانية وأخواتها من أجهزة رسمية وشرطة بلدية فقط)، فيما ذكر الـ 1701 القرار 1559 (يدعو لشمولية نزع سلاح كل الميليشات في لبنان) 4 مرات في متنه.
وبحسب هذه الأوساط، فإن واشنطن تُعطي إشاراتٍ لا تحتاج لتفكيك رموزها إلى أن حزب الله «ازدهر» عسكرياً تحت عيون اليونيفيل التي تحوّلت بمثابة «عدّاد» لتسجيل الانتهاكات، وأن الـ 1701 صار حبراً على ورق، وهي تسعى ومعها تل أبيب لعدم تكرار تجربة توفير «منطقة رمادية» يمكن أن يركن إليها لبنان لتأخير تطبيق حصر السلاح، خصوصاً أن الواقع الميداني والضغط الأميركي الإسرائيلي يفرضان منطقاً جديداً قائماً على آليات تنفيذية حصرية وصارمة تتجاوز العجز الدولي المعهود عن التنفيذ.
ومن هنا ترى الأوساط نفسها أن ثمة سعياً أميركياً لتكريس معادلة فرْض الشروط بالقوة بعد انهيار الخطوط القديمة وأن موقف واشنطن، الذي يختزل دور البعثة الأممية في كونها «ستاراً» لحزب الله، إنما يشكل غطاءً لمحاولة فرض آليات ثلاثية بين بيروت وتل أبيب والولايات المتحدة تقوم على ترتيبات ميدانية (آلية التحقق) قد تراها بيروت تمسّ سيادتها، وتريدها إسرائيل خصوصاً لإخراج ملف لبنان من تحت مظلة الأمم المتحدة إلى ملعب ثنائي يَحكمه الاتفاق الإطار الذي لم يأت على ذكر القرار 1701.
وفيما تبرز مساعٍ دبلوماسية لبحث صيغةِ وجودٍ دولي مستقبلي (كقوة مراقبين أو حضور أوروبي) لدعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب من دون إهمال المرجعية الأممية بالكامل، يسود ترقُّب لما إذا كان لبنان وأصدقائه من دول عربية وغربية سينجحون في ضمان أن يرتكز تفويضُ إنشاء قوة جديدة تُدمج في صلب «آلية التحقق»، بقرارٍ صادر عن مجلس الأمن، على القرارات ذات الصلة بلبنان وفي مقدمها الـ 1701، بما يوفّر المخرج التقني والديبلوماسي الذي يمنع سقوط هذا القرار، وعلى قاعدة أن مثل هذا الطرح يحقق هدفين متناقضين ظاهرياً: فهو يلبي الرغبة الأميركية -الإسرائيلية في الانتقال من صيغة «حفظ السلام» المفتوحة والفاشلة إلى صيغة تنفيذية وميدانية دقيقة، وفي الوقت نفسه يحصّن الموقف اللبناني عبر إبقاء المظلة الدولية والشرعية الأممية مربوطة بالمرجعيات السابقة.
وفي حين طَرَحَ الكباش حول «اليونيفيل»، وتالياً آلية التحقّق، علامات استفهام حول تأثيره على الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة الشهر الطالع في روما ولكن موعدها الرسمي لم يُحدد بعد، وعلى وقع مضيّ إسرائيل في تصعيدها جنوباً حيث تمددت غاراتها إلى مدينة النبطية في موازاة إدارتها معركة تلة علي الطاهر بما يُبْقيها «على النار» ولكن من دون حرْق العلاقة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يعطِ ضوءاً أخضر بعد للانقضاض على هذه المنشأة الإستراتيجية لحزب الله، برز تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن تمسّك الولايات المتحدة برفض التجديد لـ «اليونيفيل» يفرض البحث عن قوة أممية بديلة تحظى بتوافق أوروبي – أميركي، وتوجد في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتحدة.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن عدم إيجاد هذه القوة يعني افتقاد المستند القانوني للإبقاء على المرجعية الدولية والتمسك بدورها، باعتبارها الناظم الوحيد لمؤازرة الجيش اللبناني في بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، على أن يكون ذلك مشروطاً بانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية.
وأكد أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل لا تشكّل بديلاً عن الحضور الدولي في الجنوب، ما دامت تل أبيب ترفض تطبيق ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار» برعاية أميركية، للالتزام بتطبيق «المرحلة التجريبية» الأولى وتشكيل الآلية للتأكد من انتشار الجيش في البلدات المشمولة بها.
وأشار إلى أنه، رغم موقفه الرافض للاتفاق، كان قد اقترح توسيع «المرحلة التجريبية» باعتماد القضاء، وفق التقسيمات الإدارية للجنوب، بدل حصرها ببلدة زوطر الغربية المحتلة، وضم بلدات محررة إليها.
وكان الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، رفع سقف الهجوم على السلطة اللبنانية «التي اختارت مساراً لا يشرّفها، ولا يشرّف لبنان، عندما تخلت طوعاً عن اتفاق 27 نوفمبر 2024، ودخلت في مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، وأعطته كل شيء مما طلبه ومما لم يطلبه».
وقال: «هذه النتائج تلزمكم أنتم… هذه المفاوضات تَجري تحت الحرب، وتعطي شرعية للحرب، وتنحاز إلى جانب إسرائيل ضد المواطنين اللبنانيين… أنتم الآن بالمفاوضات تدفعون البلد ثمناً لكي تبقوا على عروشكم، وتُرْضوا أميركا».









