دولة “الفيتو” الدائم: حين يُختصر لبنان برأس قلم في عين التينة!

كتب الناشط السياسي رمزي بو خالد
لم يعد خافياً على أحد أن لغة التبرير والتلفيق قد استنفدت أغراضها، وأن محاولات تسويق الهيمنة تحت شعارات “الشراكة” و”الميثاقية” باتت مكشوفة أمام كل لبناني يرزح تحت وطأة الانهيار. وما خطاب الرئيس نبيه بري الأخير إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من مسار إخضاع الدولة ومؤسساتها الدستورية، ليظل قرار الحرب والسلم والسلطة محصوراً بغرفة سوداء واحدة خارج أسوار المؤسسات الشرعية.
أي سخرية سوداء تلك التي يتحدث فيها رئيس المجلس عن “السيادة” بينما يمعن في انتهاكها يومياً عبر سلب رئاسة الجمهورية والحكومة حقهما الدستوري الأصيل؟ إن التذرع بالحرص على عدم “التفريط بالحقوق” ليس سوى غطاء سميك لتكريس عرف شاذ: رئيس الجمهورية عليه أن يتلقى التعليمات، ورئيس الحكومة عليه أن يبصم على القرارات، والمؤسسات الدستورية تتحول إلى مجرد واجهات كرتونية لإضفاء شرعية شكلية على خيارات حزبية وعسكرية فُرضت على اللبنانيين قهراً.
إن رفع راية السيادة لمنع الدولة من امتلاك قرارها السيادي هو المفارقة الفاضحة بعينها؛ فلا سيادة تعلو فوق سيادة الدستور والقانون ومؤسسات الدولة الرسمية.
إن الرسائل الموجهة إلى جوزف عون ونواف سلام واضحة ولا تحتاج إلى فك شيفرات: ممنوع على أي مسؤول أن يحاول استعادة قرار الدولة أو إعادة بناء سلطتها الفعلية. فكل تحرك ديبلوماسي، وكل محاولة لإمساك زمام المبادرة في الجنوب أو في مسار التفاوض، يُقابل بـ “فيتو” جاهز وتهديد بالتعطيل السياسي.
بري لا يناقش في الآليات الدستورية، ولا يبحث عن مصلحة لبنان العليا، بل يضع حدوداً قاسية وحمراء ممنوع على الدولة تجاوزها. المعركة ليست مع إسرائيل وحدها كما يُحاولون إيهام الرأي العام، بل هي معركة مستمرة على من يحكم لبنان: هل هي الدولة اللبنانية بأجهزتها ومؤسساتها المنتخبة والمعينة وفق الدستور، أم هو الثنائي الذي يصر على الاحتفاظ بحق تعطيل أي مسار لا يخدم مصالحه الإقليمية والحزبية؟
اليوم، يقف عون وسلام أمام امتحان تاريخي لا يقبل المساومة: إما أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الفعلي والوحيد، أو تتحول إلى مجرد إدارة محلية تابعة لوصاية سياسية مسلحة تعتاش على أنقاض الوطن.
اللبنانيون ضاقوا ذرعاً بلعبة تقاسم الأدوار، وبخطابات التخوين لكل من يحاول الخروج عن الطاعة الحزبية. إن استعادة قرار الدولة ليس “انقلاباً” ولا “خروجاً عن الميثاق”، بل هو الشرط الإلزامي الوحيد لقيام وطن عابر للأزمات.
لبنان لا يمكن أن يستقيم على معادلة “الدولة تتحمل المسؤولية والقرار خارجها”. إما أن نكون أمام دولة كاملة السيادة على كامل أراضيها ومؤسساتها، أو نكون أمام مزرعة تُدار بـ “فيتو” الفوقية الحزبية. وخطاب بري الأخير لم يعد يحتمل التجميل: إنه إعلان صريح برفض قيام الدولة من أساسها.
دولة “الفيتو” الدائم: حين يُختصر لبنان برأس قلم في عين التينة!

كتب الناشط السياسي رمزي بو خالد
لم يعد خافياً على أحد أن لغة التبرير والتلفيق قد استنفدت أغراضها، وأن محاولات تسويق الهيمنة تحت شعارات “الشراكة” و”الميثاقية” باتت مكشوفة أمام كل لبناني يرزح تحت وطأة الانهيار. وما خطاب الرئيس نبيه بري الأخير إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من مسار إخضاع الدولة ومؤسساتها الدستورية، ليظل قرار الحرب والسلم والسلطة محصوراً بغرفة سوداء واحدة خارج أسوار المؤسسات الشرعية.
أي سخرية سوداء تلك التي يتحدث فيها رئيس المجلس عن “السيادة” بينما يمعن في انتهاكها يومياً عبر سلب رئاسة الجمهورية والحكومة حقهما الدستوري الأصيل؟ إن التذرع بالحرص على عدم “التفريط بالحقوق” ليس سوى غطاء سميك لتكريس عرف شاذ: رئيس الجمهورية عليه أن يتلقى التعليمات، ورئيس الحكومة عليه أن يبصم على القرارات، والمؤسسات الدستورية تتحول إلى مجرد واجهات كرتونية لإضفاء شرعية شكلية على خيارات حزبية وعسكرية فُرضت على اللبنانيين قهراً.
إن رفع راية السيادة لمنع الدولة من امتلاك قرارها السيادي هو المفارقة الفاضحة بعينها؛ فلا سيادة تعلو فوق سيادة الدستور والقانون ومؤسسات الدولة الرسمية.
إن الرسائل الموجهة إلى جوزف عون ونواف سلام واضحة ولا تحتاج إلى فك شيفرات: ممنوع على أي مسؤول أن يحاول استعادة قرار الدولة أو إعادة بناء سلطتها الفعلية. فكل تحرك ديبلوماسي، وكل محاولة لإمساك زمام المبادرة في الجنوب أو في مسار التفاوض، يُقابل بـ “فيتو” جاهز وتهديد بالتعطيل السياسي.
بري لا يناقش في الآليات الدستورية، ولا يبحث عن مصلحة لبنان العليا، بل يضع حدوداً قاسية وحمراء ممنوع على الدولة تجاوزها. المعركة ليست مع إسرائيل وحدها كما يُحاولون إيهام الرأي العام، بل هي معركة مستمرة على من يحكم لبنان: هل هي الدولة اللبنانية بأجهزتها ومؤسساتها المنتخبة والمعينة وفق الدستور، أم هو الثنائي الذي يصر على الاحتفاظ بحق تعطيل أي مسار لا يخدم مصالحه الإقليمية والحزبية؟
اليوم، يقف عون وسلام أمام امتحان تاريخي لا يقبل المساومة: إما أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الفعلي والوحيد، أو تتحول إلى مجرد إدارة محلية تابعة لوصاية سياسية مسلحة تعتاش على أنقاض الوطن.
اللبنانيون ضاقوا ذرعاً بلعبة تقاسم الأدوار، وبخطابات التخوين لكل من يحاول الخروج عن الطاعة الحزبية. إن استعادة قرار الدولة ليس “انقلاباً” ولا “خروجاً عن الميثاق”، بل هو الشرط الإلزامي الوحيد لقيام وطن عابر للأزمات.
لبنان لا يمكن أن يستقيم على معادلة “الدولة تتحمل المسؤولية والقرار خارجها”. إما أن نكون أمام دولة كاملة السيادة على كامل أراضيها ومؤسساتها، أو نكون أمام مزرعة تُدار بـ “فيتو” الفوقية الحزبية. وخطاب بري الأخير لم يعد يحتمل التجميل: إنه إعلان صريح برفض قيام الدولة من أساسها.









