خاص- حسابات نتنياهو و”التصعيد المضبوط”

حتّى الآن ما زال التصعيد الإسرائيلي محصوراً في محيط “الخطّ الأصفر”، ولم يتجاوزه منذ “الاتّفاق الإطار” إلى مناطق أخرى ومنها الضاحية الجنوبية، كما لم تُشنّ العملية الكبرى الموعودة للسيطرة الكاملة على علي الطاهر.
ولكن ما يجري في الجنوب يوميّاً ليس أقلّ من حرب كبيرة، وإن كان صداها يبقى خافتاً ما دام أنّه لا يصل إلى العاصمة ولا يفجّر الأنفاق بمتفجّرات زلزالية. إسرائيل تقوم بالمهمّة، ولكن في طريقة بطيئة، كي لا تثير الانتباه أو غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إذا أجرينا قراءة ميدانية للوضع في الجنوب، لاكتشفنا أنّ إسرائيل وسّعت عمليّاً منطقة “الخطّ الأصفر”، وضمّت إليها ما يقارب 10 قرى وبلدات جديدة، منها أجزاء من المنصوري في قضاء صور ومجدل زون وحدّاثا وبرعشيت، وتوسّعت في اتّجاه تبنين وبيت ياحون وكفرتبنيت.
كما أنّ إسرائيل تواصل في شكل يومي الغارات وعمليّات التفجير والنسف، التي تشمل النبطية الفوقا والمنصوري وكفرتبنيت وحدّاثا وزوطر الشرقية والقنطرة ومجدل زون وسواها. ووفقاً لتحليل صور الأقمار الصناعية المحدثة، فإن حجم الدمار الإجمالي طال ما يزيد عن 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، بينها 18 ألف مبنى مدمر في شكل كامل أو شبه كامل في 19 بلدة حدودية رئيسية.
فهناك قرى دُمّرت بنسبة تقارب 100%، مثل: محيبيب ومروحين وبليدا ومارون الراس والعديسة، وأخرى بنسب تتراوح بين 90% و80%، مثل الخيام وكفركلا والناقورة وحولا ويارون، حتّى أن مدينة بحجم بنت جبيل شهدت تدميراً يقارب 54%.
أمّا بالنسبة إلى تلّة علي الطاهر، وعلى رغم تأجيل ما يسمّى المعركة الكبرى للسيطرة عليها، فإنّ عملية وضع اليد عليها كلّيّاً قطعت أكثر من نصف الطريق، وإن عبر القضم التدريجي والحصار وتزنيرها بالنار.
فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسمياً فرض “السيطرة العملياتية الكاملة” على التلّة فوق الأرض وتحتها، ومقتل أعداد كبيرة من العناصر التي كانت متحصّنة داخل الأنفاق. وكان الجيش الإسرائيلي أعلن بدوره تدمير مسارين من هذه الأنفاق، فيما أصبحت عمليّة إيصال المؤن إلى المحاصرين شبه مستحيلة. والأهمّ هو الإعلان عن عدم العثور على عناصر أو جثث لأفراد من الحرس الثوري، الذين ربّما فرّوا أو جرى تأمين مسارات خروج لهم لتجنّب مواجهة إقليمية واسعة.
وبما أنّ الصورة أصبحت على هذه الحالة، لم يعد من ضرورة طارئة لفتح معركة في علي الطاهر، طالما أنّها ساقطة ميدانياً. ويمكن لنتنياهو الاستمرار في “التصعيد المضبوط” من الآن وحتّى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأوّل. ولديه أسباب كثيرة تدفعه في هذا الاتّجاه:
– عدم إغضاب الرئيس ترامب الذي لا يريد في الوقت الحاضر تسعير الحرب من جديد، سواء على جبهة إيران أو لبنان. فهو يعتبر أنّ الحصار الاقتصادي الخانق سيؤدّي الغاية المطلوبة منه باستسلام طهران أو قبولها بالشروط الأميركية، مع الاحتفاظ بالقدرة على توجيه ضربات نوعية عندما تقتضي الحاجة، كما حصل قبل أيّام.
وبالنسبة إلى لبنان يفضّل ترامب أيضاً إبقاء التصعيد عند حدّه الحالي، وانتظار أن يأتي المخرج عبر سقوط إيران الذي سينعكس تلقائيّاً انهياراً لـ “حزب الله”. فلدى ترامب استحقاق الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني، ولا يريد أن يشوّش عليه بأي توتّر عسكري.
– ليس أمام نتنياهو ضرورة ملحّة لشنّ معركة كبيرة على علي الطاهر قد تؤدّي إلى اشتعال الصراع الأقليمي وتدخّل إيران، طالما أن السيطرة على التلّة قد حصلت، ولم تعد هذه المرتفعات تشكّل خطراً أمنياً، كما يقول الإسرائيليون.
– عدم رغبة نتنياهو في دخول مغامرة قد تترك انعكاساتها على العملية الانتخابية في أواخر تشرين الأوّل، كأن يؤدّي التصعيد إلى قيام “الحزب” أو إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل، ما يؤثّر في خيارات الناخب الذي سيستاء من تعريضه للقصف مجدّداً، بحيث قد يسقط قتلى ومصابون وتتضرّر منازل ومؤسّسات.
– الحرص على استمرار المسار الدبلوماسي مع لبنان، والذي يشكّل نقطة الفصل الأساسية بين المسارين اللبناني والإيراني، ويعطي تلّ ابيب ورقة إضافية في وجه إيران. واستمرار المفاوضات يقتضي بالطبع عدم حصول تصعيد ميداني إضافي على الأقلّ، طالما أنّ إسرائيل ترفض الانسحاب من أيّ مناطق تجريبية إضافية في الوقت الراهن.
وقد أتت زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لتلّ أبيب ولقاؤه رئيس الوزراء الإسرائيلي في أطار العمل على تجنّب التصعيد واستمرار المفاوضات، التي لم يحدّد موعد رسمي للجولة الثامنة منها بعد، ولكن سُرّب أنّها ستنعقد في 15 و16 أيلول في روما. ولتسهيل انعقاد الجولة تفرج إسرائيل اليوم عن لبنانيين محتجزين لديها.
يعوّل كثيرون على استمرار حالة التصعيد ضمن سقفها الحالي من الآن وحتّى إتمام استحقاقي الانتخابات في كلّ من إسرائيل والولايات المتّحدة. ولكن، في منطقة متحرّكة ومعقّدة إلى هذا الحدّ ليس هناك أمر مضموناً.
خاص- حسابات نتنياهو و”التصعيد المضبوط”

حتّى الآن ما زال التصعيد الإسرائيلي محصوراً في محيط “الخطّ الأصفر”، ولم يتجاوزه منذ “الاتّفاق الإطار” إلى مناطق أخرى ومنها الضاحية الجنوبية، كما لم تُشنّ العملية الكبرى الموعودة للسيطرة الكاملة على علي الطاهر.
ولكن ما يجري في الجنوب يوميّاً ليس أقلّ من حرب كبيرة، وإن كان صداها يبقى خافتاً ما دام أنّه لا يصل إلى العاصمة ولا يفجّر الأنفاق بمتفجّرات زلزالية. إسرائيل تقوم بالمهمّة، ولكن في طريقة بطيئة، كي لا تثير الانتباه أو غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إذا أجرينا قراءة ميدانية للوضع في الجنوب، لاكتشفنا أنّ إسرائيل وسّعت عمليّاً منطقة “الخطّ الأصفر”، وضمّت إليها ما يقارب 10 قرى وبلدات جديدة، منها أجزاء من المنصوري في قضاء صور ومجدل زون وحدّاثا وبرعشيت، وتوسّعت في اتّجاه تبنين وبيت ياحون وكفرتبنيت.
كما أنّ إسرائيل تواصل في شكل يومي الغارات وعمليّات التفجير والنسف، التي تشمل النبطية الفوقا والمنصوري وكفرتبنيت وحدّاثا وزوطر الشرقية والقنطرة ومجدل زون وسواها. ووفقاً لتحليل صور الأقمار الصناعية المحدثة، فإن حجم الدمار الإجمالي طال ما يزيد عن 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، بينها 18 ألف مبنى مدمر في شكل كامل أو شبه كامل في 19 بلدة حدودية رئيسية.
فهناك قرى دُمّرت بنسبة تقارب 100%، مثل: محيبيب ومروحين وبليدا ومارون الراس والعديسة، وأخرى بنسب تتراوح بين 90% و80%، مثل الخيام وكفركلا والناقورة وحولا ويارون، حتّى أن مدينة بحجم بنت جبيل شهدت تدميراً يقارب 54%.
أمّا بالنسبة إلى تلّة علي الطاهر، وعلى رغم تأجيل ما يسمّى المعركة الكبرى للسيطرة عليها، فإنّ عملية وضع اليد عليها كلّيّاً قطعت أكثر من نصف الطريق، وإن عبر القضم التدريجي والحصار وتزنيرها بالنار.
فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسمياً فرض “السيطرة العملياتية الكاملة” على التلّة فوق الأرض وتحتها، ومقتل أعداد كبيرة من العناصر التي كانت متحصّنة داخل الأنفاق. وكان الجيش الإسرائيلي أعلن بدوره تدمير مسارين من هذه الأنفاق، فيما أصبحت عمليّة إيصال المؤن إلى المحاصرين شبه مستحيلة. والأهمّ هو الإعلان عن عدم العثور على عناصر أو جثث لأفراد من الحرس الثوري، الذين ربّما فرّوا أو جرى تأمين مسارات خروج لهم لتجنّب مواجهة إقليمية واسعة.
وبما أنّ الصورة أصبحت على هذه الحالة، لم يعد من ضرورة طارئة لفتح معركة في علي الطاهر، طالما أنّها ساقطة ميدانياً. ويمكن لنتنياهو الاستمرار في “التصعيد المضبوط” من الآن وحتّى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأوّل. ولديه أسباب كثيرة تدفعه في هذا الاتّجاه:
– عدم إغضاب الرئيس ترامب الذي لا يريد في الوقت الحاضر تسعير الحرب من جديد، سواء على جبهة إيران أو لبنان. فهو يعتبر أنّ الحصار الاقتصادي الخانق سيؤدّي الغاية المطلوبة منه باستسلام طهران أو قبولها بالشروط الأميركية، مع الاحتفاظ بالقدرة على توجيه ضربات نوعية عندما تقتضي الحاجة، كما حصل قبل أيّام.
وبالنسبة إلى لبنان يفضّل ترامب أيضاً إبقاء التصعيد عند حدّه الحالي، وانتظار أن يأتي المخرج عبر سقوط إيران الذي سينعكس تلقائيّاً انهياراً لـ “حزب الله”. فلدى ترامب استحقاق الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني، ولا يريد أن يشوّش عليه بأي توتّر عسكري.
– ليس أمام نتنياهو ضرورة ملحّة لشنّ معركة كبيرة على علي الطاهر قد تؤدّي إلى اشتعال الصراع الأقليمي وتدخّل إيران، طالما أن السيطرة على التلّة قد حصلت، ولم تعد هذه المرتفعات تشكّل خطراً أمنياً، كما يقول الإسرائيليون.
– عدم رغبة نتنياهو في دخول مغامرة قد تترك انعكاساتها على العملية الانتخابية في أواخر تشرين الأوّل، كأن يؤدّي التصعيد إلى قيام “الحزب” أو إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل، ما يؤثّر في خيارات الناخب الذي سيستاء من تعريضه للقصف مجدّداً، بحيث قد يسقط قتلى ومصابون وتتضرّر منازل ومؤسّسات.
– الحرص على استمرار المسار الدبلوماسي مع لبنان، والذي يشكّل نقطة الفصل الأساسية بين المسارين اللبناني والإيراني، ويعطي تلّ ابيب ورقة إضافية في وجه إيران. واستمرار المفاوضات يقتضي بالطبع عدم حصول تصعيد ميداني إضافي على الأقلّ، طالما أنّ إسرائيل ترفض الانسحاب من أيّ مناطق تجريبية إضافية في الوقت الراهن.
وقد أتت زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لتلّ أبيب ولقاؤه رئيس الوزراء الإسرائيلي في أطار العمل على تجنّب التصعيد واستمرار المفاوضات، التي لم يحدّد موعد رسمي للجولة الثامنة منها بعد، ولكن سُرّب أنّها ستنعقد في 15 و16 أيلول في روما. ولتسهيل انعقاد الجولة تفرج إسرائيل اليوم عن لبنانيين محتجزين لديها.
يعوّل كثيرون على استمرار حالة التصعيد ضمن سقفها الحالي من الآن وحتّى إتمام استحقاقي الانتخابات في كلّ من إسرائيل والولايات المتّحدة. ولكن، في منطقة متحرّكة ومعقّدة إلى هذا الحدّ ليس هناك أمر مضموناً.








