اسرائيل بعد علي الطاهر: سُجد ورِيحان

لم يعد السؤال بعد سقوط تلّة عليّ الطاهر محصوراً بحجم خسارة “الحزب” للمنشأة الموجودة تحته، بل بالخريطة التي تحاول إسرائيل رسمها انطلاقاً منها. فبينما بدأ النقاش الأمنيّ والسياسيّ في الكواليس حول المرحلة التالية، أصبحت الغارات على مدينة النبطيّة ومحيطها، وبقيت الجولة الثامنة من مفاوضات روما بلا موعد. وتتقدّم إسرائيل ميدانيّاً، وترفض منح واشنطن الضمانات التي تسمح بعقد جولة قابلة لإنتاج اتّفاق.
في السادس من أيلول، عنونت صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة تقريراً لمراسلها العسكريّ آفي أشكنازي: “الجيش الإسرائيليّ احتلّ مجمّع “الحزب” … والآن الطريق إلى بيروت مفتوحة”. لا يعني العنوان وجود قرار بالتقدّم نحو بيروت، لكنّه يكشف قراءة الإعلام العسكريّ الإسرائيليّ لعليّ الطاهر على أنّها اختراق يفتح المجال أمام عمليّات أخرى، لا إنجاز ينتهي عند التلال.
النّبطيّة بعد التّلال
تزامنت هذه القراءة مع موجة واسعة من الغارات على النبطيّة الفوقا وكفررمّان وعربصاليم ودير الزهراني. دُمّر مستشفى، وتضرّر مبنى وزارة الماليّة، وطاول القصف أبنية سكنيّة وسيّارات ومدنيّين ومسعفين.
تكمن خطورة استهداف النبطيّة في كونها العاصمة الإداريّة لجبل عامل والمركز الذي ترتبط به عشرات القرى. ولا يعني نقل كثافة القصف إليها حكماً التحضير لاجتياحها، لكنّه يرفع الضغط شمال الليطاني ويجعل محيطها امتداداً مباشراً لمعركة عليّ الطاهر.
تقرأ مصادر دبلوماسيّة أميركيّة متابعة للموقف الإسرائيليّ في التصعيد محاولةً لاختبار حدود الاعتراض الأميركيّ واللبنانيّ، والسؤال: هل يؤدّي نقل العمليّات إلى عمق محافظة النبطيّة إلى ضغط أميركيّ فعليّ، أم يُعامَل بوصفه استمراراً لـ”حرّية العمل” التي تتمسّك بها إسرائيل؟
خريطة التّلال التّالية
تقول مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّ ما يجري يندرج في سياق خطّة إسرائيليّة أوسع لاستكمال تدمير البنى التحتيّة لـ”الحزب” وفرض طبقة أمنيّة جديدة تتجاوز المنطقة المعلنة جنوب الليطاني. فعليّ الطاهر لم يكن موقعاً منفصلاً، بل عقدة تشرف على طرق النبطيّة وتصل المنطقة الحدوديّة بإقليم التفاح.
بحسب المعلومات بدأ البحث في الكواليس عن مرحلة ما بعد عليّ الطاهر قبل اكتمال السيطرة على المرتفعات والمنشآت تحتها. ويتقدّم جبل الريحان لائحة المواقع التي يُخشى انتقال العمليّات إليها، إلى جانب الجرمق وسجد وإقليم التفّاح. وتضع المصادر العسكريّة هذا المسار ضمن تصوّر إسرائيليّ لربط نطاق التلال بجبل الشيخ والبقاع.
تضيف المعلومات أنّ هذه الخريطة لا تفترض احتلالاً شاملاً للقرى، فالسيطرة على التلال وشقّ الطرق وإقامة المواقع وفرض مناطق محظورة قد تنتج حزاماً أمنيّاً متّصلاً من دون انتشار كثيف، وتحوّل الإجراءات الميدانيّة المؤقّتة إلى حدود فعليّة.
لماذا لا تنعقد الجولة الثّامنة؟
تفيد معلومات “أساس” بأنّ العائق أمام جولة ناجحة في روما هو الرفض الإسرائيليّ، لا غياب الجهوزيّة اللبنانيّة. وتدفع واشنطن لعقدها قبل نهاية أيلول، لكنّها لم تحدّد موعداً بعدما تعذّر عليها الحصول من رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو على التزام بإحداث خرق في أحد الملفّات الأساسيّة.
تتحدّث المصادر الدبلوماسيّة عن ثلاثة عناوين تطلبها بيروت: تثبيت وقف النار ووقف الأعمال العدائيّة، وضع جدول زمنيّ للانسحاب، وتشكيل آليّة تحقّق تسمح بتطبيق نموذج “المناطق التجريبيّة” وانتشار الجيش فيها. حتّى الآن، ترفض إسرائيل ربط هذه الملفّات بمهل تنفيذيّة، ولا تريد أن يتمّ تشكيل لجنة تحقُّق كي لا تُقيّد عمليّاتها أو يُفرض عليها انسحاب متزامن. وبالتالي لا يزال لبنان بعيداً جدّاً عن إمكانيّة انتزاعه أيّ مكسب من إسرائيل.
لهذا تتريّث الولايات المتّحدة في توجيه الدعوة. فالجولة الثامنة، إذا انعقدت من دون تفاهم أوّليّ، ستضيف رقماً إلى الجولات السابقة فيما يستمرّ التغيير على الأرض. ووفق قراءة دبلوماسيّة مطّلعة، الخلاف هو على وظيفة التفاوض: لبنان يريده مدخلاً لوقف التقدّم، وإسرائيل تريده مساراً يأتي بعد الإنجاز الميدانيّ ويسجّل نتائجه.
يأتي هذا الكلام مع دخول العامل الانتخابيّ في صلب الحسابات الإسرائيليّة. فقبل انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل، لا يبدو نتنياهو مستعدّاً لتقديم انسحاب يمكن أن يستخدمه خصومه ضدّه، فيما تمنحه السيطرة على مواقع جديدة صورة الإنجاز العسكريّ. لذلك ترجّح مصادر متابعة أن يحاول إبقاء تطبيق “اتّفاق الإطار” معلّقاً إلى ما بعد الانتخابات، من دون إسقاط المفاوضات رسميّاً.
حتّى مسعى السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى مع نتنياهو، الذي أفضى إلى إطلاق خمسة أسرى، تقول مصادر دبلوماسيّة لـ “أساس” إنّه بقي منفصلاً عن المسار السياسيّ. وذلك على اعتبار أنّه تزامن مع اختطاف ثلاثة، ومحاولة ربط الأسرى برفات يهود لبنانيّين لم يرد ملفّهم في “اتّفاق الإطار”. وتعتبر مصادر دبلوماسيّة أنّ الإفراج أثبت عدم قدرة الوساطة الأميركيّة على تحقيق تغيير في القرار الإسرائيليّ بل خطوات محدودة.
نداء النّبطيّة كمؤشّر سياسيّ
في هذا المناخ، يأتي إطلاق “نداء النبطيّة” ليدقّ جرس إنذار. طالب النداء بإرسال الجيش إلى المدينة ومحيطها ومداخلها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة. وتأتي أهميّة دلالته في صدوره من داخل البيئة الجنوبيّة بعد سقوط عليّ الطاهر وانتقال الغارات إلى عاصمة جبل عامل، بما يعكس القلق من تكرار مسار القرى الحدوديّة خارج نطاق الاحتلال المباشر.
ترى مصادر دبلوماسيّة أنّ انتشار الجيش في المناطق المتاحة يدعم الموقف اللبنانيّ، لكنّه يحتاج إلى ضغط أميركيّ يمنع استهداف مناطق انتشاره ويحتاج إلى آليّة تحقّق واضحة، بالإضافة إلى حاجته إلى غطاء سياسيّ واتّفاق ميدانيّ، لأنّه من دون ذلك تبقى قدرته محدودة على منع الغارات أو تمدّد المنطقة الأمنيّة.
ما ينتظره لبنان بعد عليّ الطاهر سيتحدّد بثلاثة مؤشّرات: حدود التصعيد حول النبطية وما إذا كان سينتقل إلى الريحان وإقليم التفّاح، قدرة واشنطن على انتزاع ضمانة إسرائيليّة تفتح الجولة الثامنة، وإمكان إطلاق آليّة تسمح بانتشار الجيش مقابل انسحاب إسرائيليّ. وعلى نتائج هذه الاختبارات سيتبيّن ما إذا كان سقوط عليّ الطاهر سيبقى خسارة موضعيّة أم يتحوّل إلى نقطة البداية في رسم منطقة أمنيّة جديدة شمال الليطاني. فالسؤال لم يعد عن اسم التلّة التالية فقط، بل عمّا إذا كانت المفاوضات ستوقف الخريطة الإسرائيليّة الجديدة أم ستلحق بها. حتّى هذه الساعة لا مؤشّرات في لبنان إلى أيّ انفراجات قريبة.
اسرائيل بعد علي الطاهر: سُجد ورِيحان

لم يعد السؤال بعد سقوط تلّة عليّ الطاهر محصوراً بحجم خسارة “الحزب” للمنشأة الموجودة تحته، بل بالخريطة التي تحاول إسرائيل رسمها انطلاقاً منها. فبينما بدأ النقاش الأمنيّ والسياسيّ في الكواليس حول المرحلة التالية، أصبحت الغارات على مدينة النبطيّة ومحيطها، وبقيت الجولة الثامنة من مفاوضات روما بلا موعد. وتتقدّم إسرائيل ميدانيّاً، وترفض منح واشنطن الضمانات التي تسمح بعقد جولة قابلة لإنتاج اتّفاق.
في السادس من أيلول، عنونت صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة تقريراً لمراسلها العسكريّ آفي أشكنازي: “الجيش الإسرائيليّ احتلّ مجمّع “الحزب” … والآن الطريق إلى بيروت مفتوحة”. لا يعني العنوان وجود قرار بالتقدّم نحو بيروت، لكنّه يكشف قراءة الإعلام العسكريّ الإسرائيليّ لعليّ الطاهر على أنّها اختراق يفتح المجال أمام عمليّات أخرى، لا إنجاز ينتهي عند التلال.
النّبطيّة بعد التّلال
تزامنت هذه القراءة مع موجة واسعة من الغارات على النبطيّة الفوقا وكفررمّان وعربصاليم ودير الزهراني. دُمّر مستشفى، وتضرّر مبنى وزارة الماليّة، وطاول القصف أبنية سكنيّة وسيّارات ومدنيّين ومسعفين.
تكمن خطورة استهداف النبطيّة في كونها العاصمة الإداريّة لجبل عامل والمركز الذي ترتبط به عشرات القرى. ولا يعني نقل كثافة القصف إليها حكماً التحضير لاجتياحها، لكنّه يرفع الضغط شمال الليطاني ويجعل محيطها امتداداً مباشراً لمعركة عليّ الطاهر.
تقرأ مصادر دبلوماسيّة أميركيّة متابعة للموقف الإسرائيليّ في التصعيد محاولةً لاختبار حدود الاعتراض الأميركيّ واللبنانيّ، والسؤال: هل يؤدّي نقل العمليّات إلى عمق محافظة النبطيّة إلى ضغط أميركيّ فعليّ، أم يُعامَل بوصفه استمراراً لـ”حرّية العمل” التي تتمسّك بها إسرائيل؟
خريطة التّلال التّالية
تقول مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّ ما يجري يندرج في سياق خطّة إسرائيليّة أوسع لاستكمال تدمير البنى التحتيّة لـ”الحزب” وفرض طبقة أمنيّة جديدة تتجاوز المنطقة المعلنة جنوب الليطاني. فعليّ الطاهر لم يكن موقعاً منفصلاً، بل عقدة تشرف على طرق النبطيّة وتصل المنطقة الحدوديّة بإقليم التفاح.
بحسب المعلومات بدأ البحث في الكواليس عن مرحلة ما بعد عليّ الطاهر قبل اكتمال السيطرة على المرتفعات والمنشآت تحتها. ويتقدّم جبل الريحان لائحة المواقع التي يُخشى انتقال العمليّات إليها، إلى جانب الجرمق وسجد وإقليم التفّاح. وتضع المصادر العسكريّة هذا المسار ضمن تصوّر إسرائيليّ لربط نطاق التلال بجبل الشيخ والبقاع.
تضيف المعلومات أنّ هذه الخريطة لا تفترض احتلالاً شاملاً للقرى، فالسيطرة على التلال وشقّ الطرق وإقامة المواقع وفرض مناطق محظورة قد تنتج حزاماً أمنيّاً متّصلاً من دون انتشار كثيف، وتحوّل الإجراءات الميدانيّة المؤقّتة إلى حدود فعليّة.
لماذا لا تنعقد الجولة الثّامنة؟
تفيد معلومات “أساس” بأنّ العائق أمام جولة ناجحة في روما هو الرفض الإسرائيليّ، لا غياب الجهوزيّة اللبنانيّة. وتدفع واشنطن لعقدها قبل نهاية أيلول، لكنّها لم تحدّد موعداً بعدما تعذّر عليها الحصول من رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو على التزام بإحداث خرق في أحد الملفّات الأساسيّة.
تتحدّث المصادر الدبلوماسيّة عن ثلاثة عناوين تطلبها بيروت: تثبيت وقف النار ووقف الأعمال العدائيّة، وضع جدول زمنيّ للانسحاب، وتشكيل آليّة تحقّق تسمح بتطبيق نموذج “المناطق التجريبيّة” وانتشار الجيش فيها. حتّى الآن، ترفض إسرائيل ربط هذه الملفّات بمهل تنفيذيّة، ولا تريد أن يتمّ تشكيل لجنة تحقُّق كي لا تُقيّد عمليّاتها أو يُفرض عليها انسحاب متزامن. وبالتالي لا يزال لبنان بعيداً جدّاً عن إمكانيّة انتزاعه أيّ مكسب من إسرائيل.
لهذا تتريّث الولايات المتّحدة في توجيه الدعوة. فالجولة الثامنة، إذا انعقدت من دون تفاهم أوّليّ، ستضيف رقماً إلى الجولات السابقة فيما يستمرّ التغيير على الأرض. ووفق قراءة دبلوماسيّة مطّلعة، الخلاف هو على وظيفة التفاوض: لبنان يريده مدخلاً لوقف التقدّم، وإسرائيل تريده مساراً يأتي بعد الإنجاز الميدانيّ ويسجّل نتائجه.
يأتي هذا الكلام مع دخول العامل الانتخابيّ في صلب الحسابات الإسرائيليّة. فقبل انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل، لا يبدو نتنياهو مستعدّاً لتقديم انسحاب يمكن أن يستخدمه خصومه ضدّه، فيما تمنحه السيطرة على مواقع جديدة صورة الإنجاز العسكريّ. لذلك ترجّح مصادر متابعة أن يحاول إبقاء تطبيق “اتّفاق الإطار” معلّقاً إلى ما بعد الانتخابات، من دون إسقاط المفاوضات رسميّاً.
حتّى مسعى السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى مع نتنياهو، الذي أفضى إلى إطلاق خمسة أسرى، تقول مصادر دبلوماسيّة لـ “أساس” إنّه بقي منفصلاً عن المسار السياسيّ. وذلك على اعتبار أنّه تزامن مع اختطاف ثلاثة، ومحاولة ربط الأسرى برفات يهود لبنانيّين لم يرد ملفّهم في “اتّفاق الإطار”. وتعتبر مصادر دبلوماسيّة أنّ الإفراج أثبت عدم قدرة الوساطة الأميركيّة على تحقيق تغيير في القرار الإسرائيليّ بل خطوات محدودة.
نداء النّبطيّة كمؤشّر سياسيّ
في هذا المناخ، يأتي إطلاق “نداء النبطيّة” ليدقّ جرس إنذار. طالب النداء بإرسال الجيش إلى المدينة ومحيطها ومداخلها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة. وتأتي أهميّة دلالته في صدوره من داخل البيئة الجنوبيّة بعد سقوط عليّ الطاهر وانتقال الغارات إلى عاصمة جبل عامل، بما يعكس القلق من تكرار مسار القرى الحدوديّة خارج نطاق الاحتلال المباشر.
ترى مصادر دبلوماسيّة أنّ انتشار الجيش في المناطق المتاحة يدعم الموقف اللبنانيّ، لكنّه يحتاج إلى ضغط أميركيّ يمنع استهداف مناطق انتشاره ويحتاج إلى آليّة تحقّق واضحة، بالإضافة إلى حاجته إلى غطاء سياسيّ واتّفاق ميدانيّ، لأنّه من دون ذلك تبقى قدرته محدودة على منع الغارات أو تمدّد المنطقة الأمنيّة.
ما ينتظره لبنان بعد عليّ الطاهر سيتحدّد بثلاثة مؤشّرات: حدود التصعيد حول النبطية وما إذا كان سينتقل إلى الريحان وإقليم التفّاح، قدرة واشنطن على انتزاع ضمانة إسرائيليّة تفتح الجولة الثامنة، وإمكان إطلاق آليّة تسمح بانتشار الجيش مقابل انسحاب إسرائيليّ. وعلى نتائج هذه الاختبارات سيتبيّن ما إذا كان سقوط عليّ الطاهر سيبقى خسارة موضعيّة أم يتحوّل إلى نقطة البداية في رسم منطقة أمنيّة جديدة شمال الليطاني. فالسؤال لم يعد عن اسم التلّة التالية فقط، بل عمّا إذا كانت المفاوضات ستوقف الخريطة الإسرائيليّة الجديدة أم ستلحق بها. حتّى هذه الساعة لا مؤشّرات في لبنان إلى أيّ انفراجات قريبة.









