توفيق بعقليني: المطلوب دولة قوية… والفدرالية صيغة للمساواة لا للتقسيم

بين قرار دولي وآخر، ومواقف أميركية تزداد وضوحًا، وملفات تتراكم من السلاح إلى دور اليونيفيل، وصولا إلى حضور الدولة وهيبتها، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عمّا سبقها. لبنان أمام استحقاقات غير قابلة للتأجيل، فيما يتقلص هامش الوقت وتتسع دائرة الخيارات المطروحة.
في هذا المشهد، يقرأ توفيق بعقليني، رئيس مجلس إدارة ALPAC، في حديث خاص لـ “نداء الوطن”، الواقع اللبناني بمقاربة سياسية واضحة لا تخفي حجم المخاطر ولا تقلل من حجم الفرص المتاحة.
بالنسبة إليه، لبنان لا يزال أولوية لدى واشنطن، لكن عامل الوقت بات حاسمًا، والتأخر في حسم الملفات الكبرى قد يدفع نحو خيارات أكثر صعوبة. ومن هنا يبدأ تحذيره: إذا لم يُحسم ملف السلاح، فقد تنتقل الأمور من مرحلة المطالبة بالتسليم إلى مرحلة نزعه بالقوة، فيما تبقى على الطاولة خيارات عدة، من بينها أدوار محتملة لسوريا وتركيا.
ويؤكد بعقليني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتابع الوضع اللبناني عن كثب، ومدرك لما يجري، ولا يستند فقط إلى تقارير المستشارين، وهو على علم بعدد من الأسماء الموجودة في السلطة، مشيرًا إلى أن التجاوب من الإدارة الأميركية مع الملف اللبناني كبير. لكنه، في الوقت نفسه، يحذر من أن لبنان لا يملك ترف إضاعة المزيد من الوقت، وأن المطلوب قرارات واضحة وحاسمة تعيد للدولة قرارها وهيبتها، لأن استمرار التردد والمماطلة لن يكون في مصلحة لبنان.
ومن هنا ينتقل إلى ما يعتبره صورة مباشرة عن تراجع هيبة الدولة، منتقدًا طريقة التعاطي مع ملف السفير الإيراني. ويقول إن القرار الذي اتُّخذ بحقه كان يجب أن يُنفذ، وإن عدم تنفيذه يضعف صورة الدولة، مضيفًا: “قرار رجي بشأن السفير الإيراني كان يجب أن يُنفذ، واليوم نرى السفير، وقبل ذلك ما حصل في صخرة الروشة، بما يوحي وكأن لا هيبة للدولة”.
ولا يفصل بعقليني مسألة هيبة الدولة عن دور المجتمع الدولي. ففي ما يتعلق باليونيفيل، يطرح موقفًا حاسمًا: “لا للتجديد لليونيفيل. ماذا كانت تفعل؟ نحن بحاجة إلى قوة أممية تتدخل عندما يجب”. وبرأيه، فإن المرحلة لم تعد تحتمل قوة أممية محدودة الفاعلية، بل تحتاج إلى قوة قادرة على تنفيذ القرارات والتدخل عندما تقتضي الضرورة. وهو يرى أن لبنان قد يحتاج إلى مقاربة دولية أكثر حزمًا، وصولا إلى وضعه تحت الفصل السابع إذا اقتضت الظروف ذلك، بحيث لا تبقى القرارات الدولية مجرد مواقف غير قابلة للتنفيذ.
لكن خلف هذه القراءة السياسية والأمنية، يبرز عند بعقليني هاجس آخر يتصل بمستقبل اللبنانيين أنفسهم. فهو يعرب عن أسفه لسماع خطاب اليأس داخل لبنان، ولا سيما من أشخاص باتوا يفكرون في المغادرة، معتبرًا أن المطلوب هو مواجهة الواقع والعمل على تثبيت اللبنانيين في وطنهم. فلبنان، رغم أزماته، لا يزال يحظى باهتمام دولي وأميركي، والفرصة لا تزال قائمة، لكن “الوقت يداهمنا”.
ويصل بعقليني إلى القضية التي يعتبرها جزءًا أساسيًا من مستقبل لبنان: الوجود المسيحي داخل الدولة. وهو لا يتحدث عن خوف على الوجود المسيحي بقدر ما يتحدث عن الخوف على موقع المسيحيين وحقوقهم، قائلا: “لا خوف على الوضع المسيحي، بل الخوف على الحفاظ على وجودهم في الدولة وحقوقهم المهمشة”. ويؤكد أن ALPAC تعمل تحديدًا على هذا الشق، أي الحفاظ على الحضور المسيحي داخل الدولة وتعزيز حقوق المسيحيين ودورهم الوطني.
وفي سياق رؤيته لمستقبل الدولة، يطرح بعقليني الفدرالية كخيار قابل للنقاش، مؤكدًا أنها، بالنسبة إليه، ليست مشروع تقسيم للبنان ولا دعوة إلى عزل مكوّن عن آخر، بل يمكن أن تكون إطارًا لتحقيق المساواة بين اللبنانيين وتعزيز الشراكة الوطنية، بحيث لا تكون هناك غلبة لفئة على أخرى، ولا يشعر أي مكوّن بأنه مهمّش أو محروم من حقوقه. وبرأيه، فإن لبنان يعاني أساسًا من اختلال في التوازن والعدالة في إدارة الدولة وتوزيع الإنماء والموارد، وهو ما يظهر في عدد من المناطق التي تلتزم بدفع متوجباتها للدولة، فيما تغيب عنها المشاريع الإنمائية والتحسينات والخدمات بالقدر الذي تستحقه.
ومن هنا، يرى بعقليني أن طرح الفدرالية يجب ألا يُفهم باعتباره دعوة إلى التقسيم، بل بحثًا عن صيغة أكثر عدالة في إدارة الدولة، تضمن الإنماء المتوازن وتتيح للمناطق إدارة شؤونها بفاعلية، ضمن دولة لبنانية واحدة. فالهدف، كما يراه، هو تحقيق المساواة بين الجميع، ومنع أي فئة من فرض غلبتها على أخرى، وضمان أن يحصل المواطنون والمناطق على حقوقهم ومواردهم بصورة عادلة، بعيدًا من المحسوبيات والتمييز السياسي والطائفي.
وبالنسبة إلى بعقليني، فإن إنقاذ لبنان لا يمر فقط عبر معالجة الملفات الأمنية والسياسية العاجلة، بل يتطلب أيضًا إعادة بناء مفهوم الدولة على أسس واضحة من العدالة والمساواة والشراكة. فالدولة القوية، في نظره، هي التي تحمي جميع مكوّناتها، وتضمن حقوقها، وتحقق الإنماء المتوازن، وتملك قرارها، فيما يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الفرص المتاحة اليوم إلى خطوات عملية قبل أن يصبح هامش المناورة أضيق، وقبل أن يدفع اللبنانيون ثمنًا أكبر لتأخرهم في اتخاذ القرارات.
توفيق بعقليني: المطلوب دولة قوية… والفدرالية صيغة للمساواة لا للتقسيم

بين قرار دولي وآخر، ومواقف أميركية تزداد وضوحًا، وملفات تتراكم من السلاح إلى دور اليونيفيل، وصولا إلى حضور الدولة وهيبتها، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عمّا سبقها. لبنان أمام استحقاقات غير قابلة للتأجيل، فيما يتقلص هامش الوقت وتتسع دائرة الخيارات المطروحة.
في هذا المشهد، يقرأ توفيق بعقليني، رئيس مجلس إدارة ALPAC، في حديث خاص لـ “نداء الوطن”، الواقع اللبناني بمقاربة سياسية واضحة لا تخفي حجم المخاطر ولا تقلل من حجم الفرص المتاحة.
بالنسبة إليه، لبنان لا يزال أولوية لدى واشنطن، لكن عامل الوقت بات حاسمًا، والتأخر في حسم الملفات الكبرى قد يدفع نحو خيارات أكثر صعوبة. ومن هنا يبدأ تحذيره: إذا لم يُحسم ملف السلاح، فقد تنتقل الأمور من مرحلة المطالبة بالتسليم إلى مرحلة نزعه بالقوة، فيما تبقى على الطاولة خيارات عدة، من بينها أدوار محتملة لسوريا وتركيا.
ويؤكد بعقليني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتابع الوضع اللبناني عن كثب، ومدرك لما يجري، ولا يستند فقط إلى تقارير المستشارين، وهو على علم بعدد من الأسماء الموجودة في السلطة، مشيرًا إلى أن التجاوب من الإدارة الأميركية مع الملف اللبناني كبير. لكنه، في الوقت نفسه، يحذر من أن لبنان لا يملك ترف إضاعة المزيد من الوقت، وأن المطلوب قرارات واضحة وحاسمة تعيد للدولة قرارها وهيبتها، لأن استمرار التردد والمماطلة لن يكون في مصلحة لبنان.
ومن هنا ينتقل إلى ما يعتبره صورة مباشرة عن تراجع هيبة الدولة، منتقدًا طريقة التعاطي مع ملف السفير الإيراني. ويقول إن القرار الذي اتُّخذ بحقه كان يجب أن يُنفذ، وإن عدم تنفيذه يضعف صورة الدولة، مضيفًا: “قرار رجي بشأن السفير الإيراني كان يجب أن يُنفذ، واليوم نرى السفير، وقبل ذلك ما حصل في صخرة الروشة، بما يوحي وكأن لا هيبة للدولة”.
ولا يفصل بعقليني مسألة هيبة الدولة عن دور المجتمع الدولي. ففي ما يتعلق باليونيفيل، يطرح موقفًا حاسمًا: “لا للتجديد لليونيفيل. ماذا كانت تفعل؟ نحن بحاجة إلى قوة أممية تتدخل عندما يجب”. وبرأيه، فإن المرحلة لم تعد تحتمل قوة أممية محدودة الفاعلية، بل تحتاج إلى قوة قادرة على تنفيذ القرارات والتدخل عندما تقتضي الضرورة. وهو يرى أن لبنان قد يحتاج إلى مقاربة دولية أكثر حزمًا، وصولا إلى وضعه تحت الفصل السابع إذا اقتضت الظروف ذلك، بحيث لا تبقى القرارات الدولية مجرد مواقف غير قابلة للتنفيذ.
لكن خلف هذه القراءة السياسية والأمنية، يبرز عند بعقليني هاجس آخر يتصل بمستقبل اللبنانيين أنفسهم. فهو يعرب عن أسفه لسماع خطاب اليأس داخل لبنان، ولا سيما من أشخاص باتوا يفكرون في المغادرة، معتبرًا أن المطلوب هو مواجهة الواقع والعمل على تثبيت اللبنانيين في وطنهم. فلبنان، رغم أزماته، لا يزال يحظى باهتمام دولي وأميركي، والفرصة لا تزال قائمة، لكن “الوقت يداهمنا”.
ويصل بعقليني إلى القضية التي يعتبرها جزءًا أساسيًا من مستقبل لبنان: الوجود المسيحي داخل الدولة. وهو لا يتحدث عن خوف على الوجود المسيحي بقدر ما يتحدث عن الخوف على موقع المسيحيين وحقوقهم، قائلا: “لا خوف على الوضع المسيحي، بل الخوف على الحفاظ على وجودهم في الدولة وحقوقهم المهمشة”. ويؤكد أن ALPAC تعمل تحديدًا على هذا الشق، أي الحفاظ على الحضور المسيحي داخل الدولة وتعزيز حقوق المسيحيين ودورهم الوطني.
وفي سياق رؤيته لمستقبل الدولة، يطرح بعقليني الفدرالية كخيار قابل للنقاش، مؤكدًا أنها، بالنسبة إليه، ليست مشروع تقسيم للبنان ولا دعوة إلى عزل مكوّن عن آخر، بل يمكن أن تكون إطارًا لتحقيق المساواة بين اللبنانيين وتعزيز الشراكة الوطنية، بحيث لا تكون هناك غلبة لفئة على أخرى، ولا يشعر أي مكوّن بأنه مهمّش أو محروم من حقوقه. وبرأيه، فإن لبنان يعاني أساسًا من اختلال في التوازن والعدالة في إدارة الدولة وتوزيع الإنماء والموارد، وهو ما يظهر في عدد من المناطق التي تلتزم بدفع متوجباتها للدولة، فيما تغيب عنها المشاريع الإنمائية والتحسينات والخدمات بالقدر الذي تستحقه.
ومن هنا، يرى بعقليني أن طرح الفدرالية يجب ألا يُفهم باعتباره دعوة إلى التقسيم، بل بحثًا عن صيغة أكثر عدالة في إدارة الدولة، تضمن الإنماء المتوازن وتتيح للمناطق إدارة شؤونها بفاعلية، ضمن دولة لبنانية واحدة. فالهدف، كما يراه، هو تحقيق المساواة بين الجميع، ومنع أي فئة من فرض غلبتها على أخرى، وضمان أن يحصل المواطنون والمناطق على حقوقهم ومواردهم بصورة عادلة، بعيدًا من المحسوبيات والتمييز السياسي والطائفي.
وبالنسبة إلى بعقليني، فإن إنقاذ لبنان لا يمر فقط عبر معالجة الملفات الأمنية والسياسية العاجلة، بل يتطلب أيضًا إعادة بناء مفهوم الدولة على أسس واضحة من العدالة والمساواة والشراكة. فالدولة القوية، في نظره، هي التي تحمي جميع مكوّناتها، وتضمن حقوقها، وتحقق الإنماء المتوازن، وتملك قرارها، فيما يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الفرص المتاحة اليوم إلى خطوات عملية قبل أن يصبح هامش المناورة أضيق، وقبل أن يدفع اللبنانيون ثمنًا أكبر لتأخرهم في اتخاذ القرارات.










