نداء النبطية 2 وسباق اللحظة القاتلة: الدولة أو تُمحى المدينة

الكاتب: بتول يزبك | المصدر: المدن
8 أيلول 2026

“أرجوك يا الله لا تترك النبطية وحدها! لا تخذلها هذه المرة أيضًا”.

هكذا تبدأ بادية فحص مناجاتها. معاتبةً الله على مدينة تُحبّها، كما أحبّها كلّ أهلها، طالبةً منه التدخّل العاجل، من عليائه، قبل أنّ يستكمل “الوحش” قتلها وهدم بيوتها وتراثها و”سوقها الحلو”، هنا على الأرض. “انزل على النبطية يا الله، قبل أنّ يصلها الوحش، أو أرسل جيشًا من عندك يحميها”. 

السّماء عند الجنوبيين هي آخر عنوانٍ لمطلب شديد الأرضيّة: أنّ تبقى المدينة، وأنّ يجد أهلها مَن يحميها بحقّ. 

والحقّ، أنّ مناجاة فحص، للتدخّل الإلهيّ، ومحاولة ابنة النبطية مناجاة الله وإخباره بما سيخسره العالم إنّ تفرّق أهل النبطية، يفوق بجرعاتٍ مضاعفة، أيّ رجاءٍ ماديّ، هو رجاءٌ موصول منذ ابتداء المسار الجهنميّ منذ ثلاث سنوات، وتكثّفه. رجاء في خضّم هذه الوحشة الجماعيّة الّتي ينوء بحملها اللّبنانييون والمُهجّرون منهم، لاستنقاذ ما يُمكن استنقاذه قبل فوات الأوان.  

النبطية ضحكة على وجه هذا العالم”، تكتب فحص. ضحكة تخاف عليها من المحو. وحين تطلب لها جيشًا من السماء، يطلّ من خلف الرجاء سؤال الأرض: أين الجيش الذي يفترض أن يصل؟ وأين السّلطة الّتي يفترض أن تقرّر؟

في نصّ بادية شيء أبعد من الخوف. ثمّة تبدّل صغير، لكنه شديد الدلالة، في قاموس الجنوب نفسه. لم تعد المسألة كيف نحمي “المقاومة”، بل كيف نحمي المدينة. لم يعد السؤال عن موقع السلاح في معادلة إقليميّة، بل عن موقع الناس، والبيوت، والسوق، والذاكرة، في هذه المعادلة. وهذه، ربّما، هي المسافة كلّها بين زمنين.

ومن هذه المسافة خرج “نداء النبطية الثاني”.

في 29 أيار الماضي، صدر النداء الأوّل، محذّرًا من انتقال آلة الحرب إلى النبطية، وداعيًا إلى إبعاد الجنوب عن حروب المحاور ووضع المنطقة تحت سيادة الجيش. يومها، كان التحذير استباقًا لما يمكن أن يحصل. اليوم، وبعد ثلاثة أشهر ونيّف، صار النداء الثاني أكثر حدّة، لأنّ ما كان احتمالًا صار مشهدًا يوميًّا، وما كان خوفًا صار سياسة مكانية تتقدّم على الأرض. النداء، في جوهره، محاولة لتعيين المسؤوليات قبل أن يختلط كلّ شيء بكلّ شيء. إسرائيل مسؤولة عن الاحتلال والقتل والتدمير. هذا واضح. لكنّ وضوح هذه المسؤولية لا يعفي أحدًا في الداخل من سؤال آخر: من قرّر؟ من وعد بالحماية؟ من منع الدولة من أن تكون الدولة؟ ومن يتحمّل اليوم كلفة انهيار الوعد؟

وهنا تحديدًا يصبح “نداء النبطية” أكثر من نداء لإنقاذ مدينة. يصبح نصًّا عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب.

مدينة ليست عاديّة

لدى سؤال “المدن” الصحافيّة والكاتبة بادية فحص عن معنى أنّ تصل المخاوف إلى النبطية نفسها، تعود إلى ما هو أبعد من السياسة اليومية. فالمدينة، بالنسبة إليها، “ليست مدينة عاديّة”. موقعها التاريخي جعلها حلقة وصل بين الساحل والجبل في الجنوب، ومنها إلى فلسطين وسوريا والأردن، وهو ما أسّس دورها الاقتصادي والاجتماعي في جبل عامل. تقول إنّ علاقات التجارة والبيع والشراء تحوّلت مع الوقت إلى علاقات إنسانية، ثم نشأت منها مؤسسات وثقافة ومجتمع مستقر، إلى أن أصبحت النبطية “حاضرة جبل عامل، أي حاملة إرثه الثقافي والعلمي والإبداعي“.

وهذا المعنى نفسه يستحضره الدكتور عبدالله رزق، الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ في حديثه لـِ”المدن”، حين يرفض اختزال النبطية بتاريخ حزب الله وحركة أمل وحدهما. بالنسبة إليه، النبطية “هي تاريخ للمتنوّرين”، ويستعيد أسماء حسن كامل الصبّاح، وحبيب صادق، وحسن عبدالله، وغيرهم من المثقفين والشعراء الذين شكّلوا جزءًا من تاريخ المدينة والجنوب. “النبطية حاضرة جبل عامل بكل مكوّناته”، يقول، مشدّدًا على أنّها ليست مجرّد البيئة السياسية التي استحوذ عليها “الثنائي”، بل مكان فيه تقاليد دينية وثقافية ومدنية أقدم وأوسع من اللحظة السياسية الراهنة.

ومن هنا، يصبح الخوف على المدينة خوفًا على أكثر من مبانٍ. تقول فحص إنّ احتمال أن تلقى النبطية مصير بنت جبيل والخيام وبلدات أخرى “مشروع ومنطقي”، لأنّ “المشهد ما زال طازجًا أمام أعيننا”. وتضيف أنّ “إبادة ذاكرة إنسانية تؤرّخ لجماعة إثنية هي خسارة للبشرية وللتنوّع، ولثقافة التنوّع، قبل أن تكون خسارة شخصية لأهل الجنوب”. أما رزق، فيستعيد بدوره ما أصاب بيت حبيب صادق في الكفور، وما لحق بمبانٍ ومستشفيات ومنشآت في المنطقة، ليضع السؤال الثقافي إلى جانب السؤال الأمني: ماذا يبقى من جبل عامل إذا جرى تدمير أمكنته التي حملت ذاكرته؟

هذا ما يجعل عنوان النداء، “أنقذوا عاصمة جبل عامل”، أقلّ بلاغة ممّا يبدو. فالمدينة ليست نقطة عسكرية في خريطة جنوبية، بل مركز اجتماعي وثقافي واقتصادي، وإذا استُبيحت، فإنّ ما يُستباح معها جزء من تاريخ المنطقة نفسها.

مسؤولية إسرائيل لا تُلغي مسؤولية الداخل

يحرص “نداء النبطية الثاني” على تثبيت مسؤولية إسرائيل بوضوح: “العدو الإسرائيلي هو المسؤول الأول والمباشر عن العدوان والقتل والاحتلال والتدمير”. لا يترك النص مساحةً للالتباس في هذه النقطة. إسرائيل هي من يهدم ويفجّر ويحتلّ ويوسّع اعتداءاته. لكنّ النداء يرفض أن تتحوّل هذه الحقيقة إلى ستار يُغلق خلفه النقاش الداخلي.

ولدى سؤال بادية فحص عمّا إذا كان المجتمع الجنوبي مستعدًّا اليوم لهذه المساءلة، تقول إنَّ “المجتمع الجنوبي الواسع غير مشغول بهذا النوع من الأسئلة حاليًّا”، ولا تعزو ذلك إلى الخوف السياسي وحده، بل إلى “حالة صدمة جماعية عند أهل الجنوب، والطائفة الشيعية بالأحرى”، بعد الثقة التي مُنحت لحزب الله وإيران، ثمّ اصطدام هذه الثقة بما خلّفته سنوات الحرب من دمار وخسارات.

وتضيف فحص أنّ ثمّة صعوبة نفسية في الانتقال “من حالة البطل الأسطوري الذي لا يُهزم، التي عاشوها على مدى عقود، إلى وضعية الإنسان العادي”. بالنسبة إليها، هذه الصدمة، إلى جانب عوامل اجتماعية وإنسانية متشابكة، تفسّر إلى حدّ بعيد لماذا لا يزال الصوت الجنوبي المعترض محدودًا، أو أقلّ ارتفاعًا ممّا توحي به الخسائر.

رزق يذهب إلى النقطة نفسها لكن بلغة أكثر مباشرة. لدى سؤاله عن الحدّ بين مسؤولية إسرائيل ومسؤولية حزب الله، يقول إنّ تعريف إسرائيل كعدو ليس موضع خلاف أصلًا. “إسرائيل عدوّي، وهذه مسلّمة”، يقول، لكنّ معرفة طبيعة إسرائيل لا تعني، بالنسبة إليه، إعفاء من اتخذ قرارات داخلية جعلت الجنوب رهينة مسار لم يقرّره أهله عبر مؤسسات الدولة.

ويعتبر أنّ الواقع الذي وصل إليه الجنوب هو، في جانب أساسي منه، نتيجة “خيارات هذا التنظيم المسلّح الموجود في لبنان”، في إشارة إلى حزب الله، الذي بنى، بحسب تعبيره، سلطة موازية، وفي الوقت نفسه امتلك نفوذًا داخل مؤسسات الدولة على مدى سنوات طويلة. ويذكّر بأنّ الحديث عن “استراتيجية دفاعية” ظلّ يتكرّر بلا نتيجة، فيما بقي قرار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

هنا، يلتقي كلام رزق مع إحدى أكثر فقرات النداء صراحة: “المسؤولية عن الجريمة تقع على مرتكبها، والمسؤولية عن الخيارات والقرارات والمواقف تقع على من اتخذها أو غطّاها أو سكت عنها”. أي أنّ النداء لا يساوي بين المعتدي ومن اتخذ قرارًا سياسيًّا في الداخل، لكنه يصرّ على أنّ اختلاف المسؤوليات لا يعني غياب إحداها.

الناس ليسوا المتّهمين

تدرك فحص حساسية هذا النقاش داخل الجنوب، وخصوصًا حين يتحوّل نقد حزب الله إلى إدانة اجتماعية لجمهوره أو تحميل الناس أنفسهم مسؤولية ما وقع عليهم. لدى سؤالها عن هذا الفاصل، ترفض اختزال المشكلة بأهل الجنوب، وتقول: “كلنا نتحمّل المسؤولية في ما وصلت إليه الأمور، وليس أهل الجنوب وحدهم”.

وتوزّع المسؤولية على أكثر من طرف: “الدولة التي تخلّت عن واجبها تجاه الجنوب وأورثته للثنائي، والثنائي الذي اشترى الكثيرين بالمال والنفوذ وإغراءات القوة والسيطرة، والجمهور الذي أغرته هذه المظاهر فانساق إليها من دون أدنى تفكير، والمعارضون الذين لم يتمكّنوا من بناء جسور الثقة بينهم وبين الناس”. ثمّ تخلص إلى أنّ “المسؤوليات موزّعة على الجميع، وإن لم تكن متساوية، وبالتالي لا يحق لأحد إلقاء اللوم على الناس فقط ومحاسبتهم”.

رزق يقدّم تمييزًا قريبًا، لكنّه يبدأ من اللغة. لدى سؤاله عن مسؤولية الدولة، يعترض على استخدام التعبير بصورة مطلقة: “الحكومة والسلطة، لا الدولة، دعونا نكون دقيقين في التعبير”. فالنداء، بالنسبة إليه، لا يطالب بالتخلّي عن الدولة بل باستعادتها، فيما تقع المسؤولية على السلطة السياسية التي سمحت بتكريس ازدواجية القرار أو عاشت معها سنوات طويلة.

ويستعيد رزق مرحلة انتخاب ميشال عون والتعطيل الذي سبقها، ثمّ السنوات التي قيل فيها الكثير عن “الاستراتيجية الدفاعية” من دون أن يُنجز شيء. بالنسبة إليه، لم تكن المشكلة فقط في وجود حزب مسلّح خارج الدولة، بل في تمدّد هذا الحزب داخل بنية السلطة نفسها، إلى أن صار الفصل بين السلطة الرسمية والسلطة الموازية أكثر صعوبة.

وهنا يصيب النداء جوهر المسألة: لا يمكن مطالبة الناس بالصمود إلى ما لا نهاية، ثمّ اعتبار مجرّد مساءلة الخيارات التي أدّت إلى خراب بيوتهم خيانةً أو خروجًا على الجماعة.

لماذا الجيش الآن؟

المطلب المركزي في “نداء النبطية الثاني” ليس نظريًّا. الموقّعون يطلبون انتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، وتولّي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمن المدينة، من دون انتظار تفاوض داخلي مع أيّ جهة.

لدى سؤال بادية فحص عمّا إذا كان هذا المطلب أمنيًّا محضًا أم أنّه يعكس رغبة أوسع في استعادة الدولة، تبدأ من العاجل: “المدينة دخلت في دائرة الخطر، وكل المؤشرات تدلّ على ذلك”. وتضيف: “مطلبنا هو تسليمها للجيش اللبناني خشية أن يتكرّر مشهد الإبادة العمرانية فيها“.

وترى فحص أنّ أصحاب النداء يعبّرون عن “رغبة مكتومة لدى أهل المدينة في أن يدخل الجيش لحمايتها”، لكنها لا تذهب بعيدًا في ربط ذلك بتحوّل سياسي مكتمل. بالنسبة إليها، “عودة الدولة وحصر المرجعيات بها حديث سابق لأوانه الآن، الشيء الوحيد المهم حاليًّا هو إنقاذ المدينة“.

وهذه الأولوية العملية تفسّر لماذا يركّز النداء على المناطق التي لا يوجد فيها حضور إسرائيلي مباشر، ومع ذلك يبقى وجود الجيش والقوى الأمنية فيها محدودًا. فالنصّ يسأل: إذا كانت هناك مناطق يستطيع الجيش الانتشار فيها، فما الذي يمنعه؟ وما معنى أن يبقى الفراغ قائمًا في لحظة تتقدّم فيها إسرائيل نحو عمق الجنوب؟

رزق يضع المطلب في سياق أوسع. بالنسبة إليه، المطلوب اليوم الضغط في اتجاهين، على السلطة لتتحمّل مسؤوليتها، وعلى حزب الله كي يكفّ عن التعامل مع السلاح باعتباره معادلة أبدية لا تتأثر بما جرى. ويقول إنّ الحزب لم يعد قادرًا على مخاطبة الجنوبيين باللغة نفسها التي استخدمها طوال سنوات عن الردع والحماية والتحرير، فيما الناس يشاهدون قرى بكاملها تُدمّر أمامهم.

علي الطاهر: حين يصل الخطر إلى بوابة النبطية

يمنح النداء ما جرى في تلال علي الطاهر أهمية خاصة، ويصفها بأنّها “بوابة النبطية وأحد المواقع الأساسية لحمايتها”. بحسب النصّ، كان من الممكن أن تصبح هذه التلال في عهدة الدولة والجيش اللبناني، لكنّ ذلك لم يحصل، إلى أن وقعت في يد الاحتلال. ومن هنا تأتي عبارته القاسية: “الأرض التي لم تُسلّم للدولة في الوقت المناسب أصبحت في عهدة العدو، والنبطية باتت مهدّدة من بوابتها“.

لدى سؤال رزق عن علي الطاهر، يعود إلى الخطاب الذي رافق الموقع طوال السنوات الماضية. يقول إنّ علي الطاهر كانت تُقدَّم بوصفها عنوانًا للعنفوان والقوة والردع، قبل أن يجد الجنوبيون أنفسهم أمام نتيجة معاكسة. اعتراضه لا يقوم على إنكار اختلال موازين القوى، بل على استمرار خطاب القدرة الكاملة على الحماية بينما كانت الوقائع تتغيّر.

ويختصر ذلك بالقول إنّ الناس عاشوا سنوات طويلة على وعد أنّ السلاح “يقدر ويمنع ويردع”، فيما أظهرت الحرب حدود هذه الوعود. لكنه يشدّد في الوقت نفسه على أنّه لا يدعو إلى “اجتثاث حزب الله”، ويقول إنّ داخل الحزب أقارب وأبناء بيئة واحدة، وإنّ المشكلة بالنسبة إليه هي في بقاء السلاح مرتبطًا بقرار خارج الدولة، وفي تحوّل الناس إلى رهائن لهذا القرار.

هذا أيضًا ما يريد النداء قوله في لغته الخاصة: حماية النبطية يجب أن تتقدّم على الاعتبارات الحزبية والإقليمية، ولا يجوز تكرار النموذج نفسه بعد كلّ ما حصل في القرى الجنوبية.

النبطية ليست ملكًا لأحد

في واحدة من أوضح عباراته، يقول النداء: “النبطية ليست متراسًا لأي محور، ولا ملكًا لأي جماعة سياسية”. وهذه الجملة لا تنفصل عن النقاش حول هوية المدينة نفسها.

لدى سؤال رزق عمّا إذا كان ممكنًا اليوم، داخل بيئة ذات ثقل شيعي وحضور تاريخي لحزب الله وحركة أمل، المطالبة علنًا بإنهاء ازدواجية القرار، يقرّ بأنّ كلفة هذا النقاش “لا تزال مرتفعة”، وربما تنطوي على مخاطر اجتماعية وسياسية. لكنه يعود إلى تاريخ المدينة ليقول إنّ النبطية لم تبدأ مع “الثنائي”، ولن تنتهي عنده.

ويستعيد أسماء المثقفين والشعراء والعلماء، كما يستعيد الإرث الديني والاجتماعي للشيخ عبد الحسين صادق، معتبرًا أنّ المدينة تحمل تاريخًا متعدد الطبقات، وأنّ الأصوات التي ترتفع اليوم من داخلها ليست غريبة عن هذا التاريخ، بل امتداد له.

فحص، بدورها، تربط إنقاذ المدينة باستعادة علاقتها بالدولة، لكنّها تضع ترتيبًا واضحًا للأولويات. لدى سؤالها عمّا إذا كانت النبطية أمام لحظة تعيد فيها تعريف علاقتها بالدولة وحزب الله وفكرة “المقاومة”، تجيب أولًا: “أرجو أن تبقى النبطية على قيد الحياة“.

بعد ذلك، تقول إنّها تأمل أن تحشد الحكومة دعمًا دوليًّا لحماية المدينة، وأن تصبح خالية من السلاح وتحت سيطرة الجيش اللبناني. ومن ثمّ، يأتي دور أهلها “أن يعلنوا ولاءهم المطلق للدولة ويسلّموا مصيرهم لها”.

وفي تقييمها لتجربة المقاومة، لا تخفّف فحص من حدّة موقفها. تقول إنّها، من وجهة نظرها، أثبتت “عدم جدواها”، وإنّها استدرجت “الوحش إلى عقر الدار”، بدل أن توفّر الحماية التي وُعد بها الناس.

أسئلة هاني فحص تعود من جديد

يصعب فصل هذا الموقف عن السيرة الفكرية لوالدها، الشيخ هاني فحص، الذي أمضى سنوات طويلة في مساءلة علاقة الطائفة الشيعية بالدولة والسلطة والسلاح والانتماء الوطني.

لدى سؤال بادية عمّا إذا كانت تجد نفسها اليوم أمام الأسئلة نفسها التي شغلت والدها، تقول: “أمضى والدي حياته يحاول إقناع الطائفة الشيعية بخيار الدولة والاندماج الوطني، لكن سلطة المال والسلاح كانت أقوى منه”.

وترى أنّ كثيرين يعودون اليوم إلى رؤيته وطروحاته، لكنّ العودة جاءت بعد كلفة لم تكن تتمناها. “كنت أتمنى، وكثيرون مثلي، لو أنّ التحول الذي نشهده ونتمناه لم يكن مكلفًا إلى هذا الحد”، تقول.

ثمّ تضيف: “لا أدري ما إذا كان يمكننا أن نكمل باللي بقيوا“.

في هذه العبارة تختصر فحص شيئًا من جوهر النداء نفسه. فالمسألة لم تعد معركة سياسية مجرّدة حول مَن انتصر في النقاش حول السلاح والدولة. المسألة صارت: ما الذي بقي أصلًا كي يُستعاد؟

أنقذوا النبطية قبل أن تصبح ذكرى

لا يطالب “نداء النبطية الثاني” بإعادة صياغة النظام السّياسيّ اللبناني، ولا يقدّم خريطة تسوية كبرى للمنطقة. مطالبه، في هذه اللحظة، أكثر مباشرة: انتشار الجيش والقوى الأمنية، تولّي الدولة أمن المدينة، حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وتحرك سياسيّ ودبلوماسيّ عاجل لوقف الاعتداءات ومنع توسّع الاحتلال.

لكنّ النداء يقول ضمنًا شيئًا آخر أيضًا. إنّ النبطية لا تريد أن تُختصر بكونها “بيئة” لأحد، ولا أن تصبح جبهة متقدّمة في مشروع لا يقرّره أهلها، ولا أن تُترك مرّة أخرى حتى تقع الكارثة ثم يبدأ الجميع في نعي المدينة.

هي، كما يكتب أصحاب النداء، “مدينة أهلها، وعاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية، وجزء أصيل من الكيان اللبناني“.

ولهذا يبدو ختام النداء أقلّ شبهًا بالشعار وأكثر شبهًا بالمهلة الأخيرة: “أنقذوا النبطية الآن، قبل أن يصبح إنقاذها متأخرًا“.

نداء النبطية 2 وسباق اللحظة القاتلة: الدولة أو تُمحى المدينة

الكاتب: بتول يزبك | المصدر: المدن
8 أيلول 2026

“أرجوك يا الله لا تترك النبطية وحدها! لا تخذلها هذه المرة أيضًا”.

هكذا تبدأ بادية فحص مناجاتها. معاتبةً الله على مدينة تُحبّها، كما أحبّها كلّ أهلها، طالبةً منه التدخّل العاجل، من عليائه، قبل أنّ يستكمل “الوحش” قتلها وهدم بيوتها وتراثها و”سوقها الحلو”، هنا على الأرض. “انزل على النبطية يا الله، قبل أنّ يصلها الوحش، أو أرسل جيشًا من عندك يحميها”. 

السّماء عند الجنوبيين هي آخر عنوانٍ لمطلب شديد الأرضيّة: أنّ تبقى المدينة، وأنّ يجد أهلها مَن يحميها بحقّ. 

والحقّ، أنّ مناجاة فحص، للتدخّل الإلهيّ، ومحاولة ابنة النبطية مناجاة الله وإخباره بما سيخسره العالم إنّ تفرّق أهل النبطية، يفوق بجرعاتٍ مضاعفة، أيّ رجاءٍ ماديّ، هو رجاءٌ موصول منذ ابتداء المسار الجهنميّ منذ ثلاث سنوات، وتكثّفه. رجاء في خضّم هذه الوحشة الجماعيّة الّتي ينوء بحملها اللّبنانييون والمُهجّرون منهم، لاستنقاذ ما يُمكن استنقاذه قبل فوات الأوان.  

النبطية ضحكة على وجه هذا العالم”، تكتب فحص. ضحكة تخاف عليها من المحو. وحين تطلب لها جيشًا من السماء، يطلّ من خلف الرجاء سؤال الأرض: أين الجيش الذي يفترض أن يصل؟ وأين السّلطة الّتي يفترض أن تقرّر؟

في نصّ بادية شيء أبعد من الخوف. ثمّة تبدّل صغير، لكنه شديد الدلالة، في قاموس الجنوب نفسه. لم تعد المسألة كيف نحمي “المقاومة”، بل كيف نحمي المدينة. لم يعد السؤال عن موقع السلاح في معادلة إقليميّة، بل عن موقع الناس، والبيوت، والسوق، والذاكرة، في هذه المعادلة. وهذه، ربّما، هي المسافة كلّها بين زمنين.

ومن هذه المسافة خرج “نداء النبطية الثاني”.

في 29 أيار الماضي، صدر النداء الأوّل، محذّرًا من انتقال آلة الحرب إلى النبطية، وداعيًا إلى إبعاد الجنوب عن حروب المحاور ووضع المنطقة تحت سيادة الجيش. يومها، كان التحذير استباقًا لما يمكن أن يحصل. اليوم، وبعد ثلاثة أشهر ونيّف، صار النداء الثاني أكثر حدّة، لأنّ ما كان احتمالًا صار مشهدًا يوميًّا، وما كان خوفًا صار سياسة مكانية تتقدّم على الأرض. النداء، في جوهره، محاولة لتعيين المسؤوليات قبل أن يختلط كلّ شيء بكلّ شيء. إسرائيل مسؤولة عن الاحتلال والقتل والتدمير. هذا واضح. لكنّ وضوح هذه المسؤولية لا يعفي أحدًا في الداخل من سؤال آخر: من قرّر؟ من وعد بالحماية؟ من منع الدولة من أن تكون الدولة؟ ومن يتحمّل اليوم كلفة انهيار الوعد؟

وهنا تحديدًا يصبح “نداء النبطية” أكثر من نداء لإنقاذ مدينة. يصبح نصًّا عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب.

مدينة ليست عاديّة

لدى سؤال “المدن” الصحافيّة والكاتبة بادية فحص عن معنى أنّ تصل المخاوف إلى النبطية نفسها، تعود إلى ما هو أبعد من السياسة اليومية. فالمدينة، بالنسبة إليها، “ليست مدينة عاديّة”. موقعها التاريخي جعلها حلقة وصل بين الساحل والجبل في الجنوب، ومنها إلى فلسطين وسوريا والأردن، وهو ما أسّس دورها الاقتصادي والاجتماعي في جبل عامل. تقول إنّ علاقات التجارة والبيع والشراء تحوّلت مع الوقت إلى علاقات إنسانية، ثم نشأت منها مؤسسات وثقافة ومجتمع مستقر، إلى أن أصبحت النبطية “حاضرة جبل عامل، أي حاملة إرثه الثقافي والعلمي والإبداعي“.

وهذا المعنى نفسه يستحضره الدكتور عبدالله رزق، الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ في حديثه لـِ”المدن”، حين يرفض اختزال النبطية بتاريخ حزب الله وحركة أمل وحدهما. بالنسبة إليه، النبطية “هي تاريخ للمتنوّرين”، ويستعيد أسماء حسن كامل الصبّاح، وحبيب صادق، وحسن عبدالله، وغيرهم من المثقفين والشعراء الذين شكّلوا جزءًا من تاريخ المدينة والجنوب. “النبطية حاضرة جبل عامل بكل مكوّناته”، يقول، مشدّدًا على أنّها ليست مجرّد البيئة السياسية التي استحوذ عليها “الثنائي”، بل مكان فيه تقاليد دينية وثقافية ومدنية أقدم وأوسع من اللحظة السياسية الراهنة.

ومن هنا، يصبح الخوف على المدينة خوفًا على أكثر من مبانٍ. تقول فحص إنّ احتمال أن تلقى النبطية مصير بنت جبيل والخيام وبلدات أخرى “مشروع ومنطقي”، لأنّ “المشهد ما زال طازجًا أمام أعيننا”. وتضيف أنّ “إبادة ذاكرة إنسانية تؤرّخ لجماعة إثنية هي خسارة للبشرية وللتنوّع، ولثقافة التنوّع، قبل أن تكون خسارة شخصية لأهل الجنوب”. أما رزق، فيستعيد بدوره ما أصاب بيت حبيب صادق في الكفور، وما لحق بمبانٍ ومستشفيات ومنشآت في المنطقة، ليضع السؤال الثقافي إلى جانب السؤال الأمني: ماذا يبقى من جبل عامل إذا جرى تدمير أمكنته التي حملت ذاكرته؟

هذا ما يجعل عنوان النداء، “أنقذوا عاصمة جبل عامل”، أقلّ بلاغة ممّا يبدو. فالمدينة ليست نقطة عسكرية في خريطة جنوبية، بل مركز اجتماعي وثقافي واقتصادي، وإذا استُبيحت، فإنّ ما يُستباح معها جزء من تاريخ المنطقة نفسها.

مسؤولية إسرائيل لا تُلغي مسؤولية الداخل

يحرص “نداء النبطية الثاني” على تثبيت مسؤولية إسرائيل بوضوح: “العدو الإسرائيلي هو المسؤول الأول والمباشر عن العدوان والقتل والاحتلال والتدمير”. لا يترك النص مساحةً للالتباس في هذه النقطة. إسرائيل هي من يهدم ويفجّر ويحتلّ ويوسّع اعتداءاته. لكنّ النداء يرفض أن تتحوّل هذه الحقيقة إلى ستار يُغلق خلفه النقاش الداخلي.

ولدى سؤال بادية فحص عمّا إذا كان المجتمع الجنوبي مستعدًّا اليوم لهذه المساءلة، تقول إنَّ “المجتمع الجنوبي الواسع غير مشغول بهذا النوع من الأسئلة حاليًّا”، ولا تعزو ذلك إلى الخوف السياسي وحده، بل إلى “حالة صدمة جماعية عند أهل الجنوب، والطائفة الشيعية بالأحرى”، بعد الثقة التي مُنحت لحزب الله وإيران، ثمّ اصطدام هذه الثقة بما خلّفته سنوات الحرب من دمار وخسارات.

وتضيف فحص أنّ ثمّة صعوبة نفسية في الانتقال “من حالة البطل الأسطوري الذي لا يُهزم، التي عاشوها على مدى عقود، إلى وضعية الإنسان العادي”. بالنسبة إليها، هذه الصدمة، إلى جانب عوامل اجتماعية وإنسانية متشابكة، تفسّر إلى حدّ بعيد لماذا لا يزال الصوت الجنوبي المعترض محدودًا، أو أقلّ ارتفاعًا ممّا توحي به الخسائر.

رزق يذهب إلى النقطة نفسها لكن بلغة أكثر مباشرة. لدى سؤاله عن الحدّ بين مسؤولية إسرائيل ومسؤولية حزب الله، يقول إنّ تعريف إسرائيل كعدو ليس موضع خلاف أصلًا. “إسرائيل عدوّي، وهذه مسلّمة”، يقول، لكنّ معرفة طبيعة إسرائيل لا تعني، بالنسبة إليه، إعفاء من اتخذ قرارات داخلية جعلت الجنوب رهينة مسار لم يقرّره أهله عبر مؤسسات الدولة.

ويعتبر أنّ الواقع الذي وصل إليه الجنوب هو، في جانب أساسي منه، نتيجة “خيارات هذا التنظيم المسلّح الموجود في لبنان”، في إشارة إلى حزب الله، الذي بنى، بحسب تعبيره، سلطة موازية، وفي الوقت نفسه امتلك نفوذًا داخل مؤسسات الدولة على مدى سنوات طويلة. ويذكّر بأنّ الحديث عن “استراتيجية دفاعية” ظلّ يتكرّر بلا نتيجة، فيما بقي قرار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

هنا، يلتقي كلام رزق مع إحدى أكثر فقرات النداء صراحة: “المسؤولية عن الجريمة تقع على مرتكبها، والمسؤولية عن الخيارات والقرارات والمواقف تقع على من اتخذها أو غطّاها أو سكت عنها”. أي أنّ النداء لا يساوي بين المعتدي ومن اتخذ قرارًا سياسيًّا في الداخل، لكنه يصرّ على أنّ اختلاف المسؤوليات لا يعني غياب إحداها.

الناس ليسوا المتّهمين

تدرك فحص حساسية هذا النقاش داخل الجنوب، وخصوصًا حين يتحوّل نقد حزب الله إلى إدانة اجتماعية لجمهوره أو تحميل الناس أنفسهم مسؤولية ما وقع عليهم. لدى سؤالها عن هذا الفاصل، ترفض اختزال المشكلة بأهل الجنوب، وتقول: “كلنا نتحمّل المسؤولية في ما وصلت إليه الأمور، وليس أهل الجنوب وحدهم”.

وتوزّع المسؤولية على أكثر من طرف: “الدولة التي تخلّت عن واجبها تجاه الجنوب وأورثته للثنائي، والثنائي الذي اشترى الكثيرين بالمال والنفوذ وإغراءات القوة والسيطرة، والجمهور الذي أغرته هذه المظاهر فانساق إليها من دون أدنى تفكير، والمعارضون الذين لم يتمكّنوا من بناء جسور الثقة بينهم وبين الناس”. ثمّ تخلص إلى أنّ “المسؤوليات موزّعة على الجميع، وإن لم تكن متساوية، وبالتالي لا يحق لأحد إلقاء اللوم على الناس فقط ومحاسبتهم”.

رزق يقدّم تمييزًا قريبًا، لكنّه يبدأ من اللغة. لدى سؤاله عن مسؤولية الدولة، يعترض على استخدام التعبير بصورة مطلقة: “الحكومة والسلطة، لا الدولة، دعونا نكون دقيقين في التعبير”. فالنداء، بالنسبة إليه، لا يطالب بالتخلّي عن الدولة بل باستعادتها، فيما تقع المسؤولية على السلطة السياسية التي سمحت بتكريس ازدواجية القرار أو عاشت معها سنوات طويلة.

ويستعيد رزق مرحلة انتخاب ميشال عون والتعطيل الذي سبقها، ثمّ السنوات التي قيل فيها الكثير عن “الاستراتيجية الدفاعية” من دون أن يُنجز شيء. بالنسبة إليه، لم تكن المشكلة فقط في وجود حزب مسلّح خارج الدولة، بل في تمدّد هذا الحزب داخل بنية السلطة نفسها، إلى أن صار الفصل بين السلطة الرسمية والسلطة الموازية أكثر صعوبة.

وهنا يصيب النداء جوهر المسألة: لا يمكن مطالبة الناس بالصمود إلى ما لا نهاية، ثمّ اعتبار مجرّد مساءلة الخيارات التي أدّت إلى خراب بيوتهم خيانةً أو خروجًا على الجماعة.

لماذا الجيش الآن؟

المطلب المركزي في “نداء النبطية الثاني” ليس نظريًّا. الموقّعون يطلبون انتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، وتولّي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمن المدينة، من دون انتظار تفاوض داخلي مع أيّ جهة.

لدى سؤال بادية فحص عمّا إذا كان هذا المطلب أمنيًّا محضًا أم أنّه يعكس رغبة أوسع في استعادة الدولة، تبدأ من العاجل: “المدينة دخلت في دائرة الخطر، وكل المؤشرات تدلّ على ذلك”. وتضيف: “مطلبنا هو تسليمها للجيش اللبناني خشية أن يتكرّر مشهد الإبادة العمرانية فيها“.

وترى فحص أنّ أصحاب النداء يعبّرون عن “رغبة مكتومة لدى أهل المدينة في أن يدخل الجيش لحمايتها”، لكنها لا تذهب بعيدًا في ربط ذلك بتحوّل سياسي مكتمل. بالنسبة إليها، “عودة الدولة وحصر المرجعيات بها حديث سابق لأوانه الآن، الشيء الوحيد المهم حاليًّا هو إنقاذ المدينة“.

وهذه الأولوية العملية تفسّر لماذا يركّز النداء على المناطق التي لا يوجد فيها حضور إسرائيلي مباشر، ومع ذلك يبقى وجود الجيش والقوى الأمنية فيها محدودًا. فالنصّ يسأل: إذا كانت هناك مناطق يستطيع الجيش الانتشار فيها، فما الذي يمنعه؟ وما معنى أن يبقى الفراغ قائمًا في لحظة تتقدّم فيها إسرائيل نحو عمق الجنوب؟

رزق يضع المطلب في سياق أوسع. بالنسبة إليه، المطلوب اليوم الضغط في اتجاهين، على السلطة لتتحمّل مسؤوليتها، وعلى حزب الله كي يكفّ عن التعامل مع السلاح باعتباره معادلة أبدية لا تتأثر بما جرى. ويقول إنّ الحزب لم يعد قادرًا على مخاطبة الجنوبيين باللغة نفسها التي استخدمها طوال سنوات عن الردع والحماية والتحرير، فيما الناس يشاهدون قرى بكاملها تُدمّر أمامهم.

علي الطاهر: حين يصل الخطر إلى بوابة النبطية

يمنح النداء ما جرى في تلال علي الطاهر أهمية خاصة، ويصفها بأنّها “بوابة النبطية وأحد المواقع الأساسية لحمايتها”. بحسب النصّ، كان من الممكن أن تصبح هذه التلال في عهدة الدولة والجيش اللبناني، لكنّ ذلك لم يحصل، إلى أن وقعت في يد الاحتلال. ومن هنا تأتي عبارته القاسية: “الأرض التي لم تُسلّم للدولة في الوقت المناسب أصبحت في عهدة العدو، والنبطية باتت مهدّدة من بوابتها“.

لدى سؤال رزق عن علي الطاهر، يعود إلى الخطاب الذي رافق الموقع طوال السنوات الماضية. يقول إنّ علي الطاهر كانت تُقدَّم بوصفها عنوانًا للعنفوان والقوة والردع، قبل أن يجد الجنوبيون أنفسهم أمام نتيجة معاكسة. اعتراضه لا يقوم على إنكار اختلال موازين القوى، بل على استمرار خطاب القدرة الكاملة على الحماية بينما كانت الوقائع تتغيّر.

ويختصر ذلك بالقول إنّ الناس عاشوا سنوات طويلة على وعد أنّ السلاح “يقدر ويمنع ويردع”، فيما أظهرت الحرب حدود هذه الوعود. لكنه يشدّد في الوقت نفسه على أنّه لا يدعو إلى “اجتثاث حزب الله”، ويقول إنّ داخل الحزب أقارب وأبناء بيئة واحدة، وإنّ المشكلة بالنسبة إليه هي في بقاء السلاح مرتبطًا بقرار خارج الدولة، وفي تحوّل الناس إلى رهائن لهذا القرار.

هذا أيضًا ما يريد النداء قوله في لغته الخاصة: حماية النبطية يجب أن تتقدّم على الاعتبارات الحزبية والإقليمية، ولا يجوز تكرار النموذج نفسه بعد كلّ ما حصل في القرى الجنوبية.

النبطية ليست ملكًا لأحد

في واحدة من أوضح عباراته، يقول النداء: “النبطية ليست متراسًا لأي محور، ولا ملكًا لأي جماعة سياسية”. وهذه الجملة لا تنفصل عن النقاش حول هوية المدينة نفسها.

لدى سؤال رزق عمّا إذا كان ممكنًا اليوم، داخل بيئة ذات ثقل شيعي وحضور تاريخي لحزب الله وحركة أمل، المطالبة علنًا بإنهاء ازدواجية القرار، يقرّ بأنّ كلفة هذا النقاش “لا تزال مرتفعة”، وربما تنطوي على مخاطر اجتماعية وسياسية. لكنه يعود إلى تاريخ المدينة ليقول إنّ النبطية لم تبدأ مع “الثنائي”، ولن تنتهي عنده.

ويستعيد أسماء المثقفين والشعراء والعلماء، كما يستعيد الإرث الديني والاجتماعي للشيخ عبد الحسين صادق، معتبرًا أنّ المدينة تحمل تاريخًا متعدد الطبقات، وأنّ الأصوات التي ترتفع اليوم من داخلها ليست غريبة عن هذا التاريخ، بل امتداد له.

فحص، بدورها، تربط إنقاذ المدينة باستعادة علاقتها بالدولة، لكنّها تضع ترتيبًا واضحًا للأولويات. لدى سؤالها عمّا إذا كانت النبطية أمام لحظة تعيد فيها تعريف علاقتها بالدولة وحزب الله وفكرة “المقاومة”، تجيب أولًا: “أرجو أن تبقى النبطية على قيد الحياة“.

بعد ذلك، تقول إنّها تأمل أن تحشد الحكومة دعمًا دوليًّا لحماية المدينة، وأن تصبح خالية من السلاح وتحت سيطرة الجيش اللبناني. ومن ثمّ، يأتي دور أهلها “أن يعلنوا ولاءهم المطلق للدولة ويسلّموا مصيرهم لها”.

وفي تقييمها لتجربة المقاومة، لا تخفّف فحص من حدّة موقفها. تقول إنّها، من وجهة نظرها، أثبتت “عدم جدواها”، وإنّها استدرجت “الوحش إلى عقر الدار”، بدل أن توفّر الحماية التي وُعد بها الناس.

أسئلة هاني فحص تعود من جديد

يصعب فصل هذا الموقف عن السيرة الفكرية لوالدها، الشيخ هاني فحص، الذي أمضى سنوات طويلة في مساءلة علاقة الطائفة الشيعية بالدولة والسلطة والسلاح والانتماء الوطني.

لدى سؤال بادية عمّا إذا كانت تجد نفسها اليوم أمام الأسئلة نفسها التي شغلت والدها، تقول: “أمضى والدي حياته يحاول إقناع الطائفة الشيعية بخيار الدولة والاندماج الوطني، لكن سلطة المال والسلاح كانت أقوى منه”.

وترى أنّ كثيرين يعودون اليوم إلى رؤيته وطروحاته، لكنّ العودة جاءت بعد كلفة لم تكن تتمناها. “كنت أتمنى، وكثيرون مثلي، لو أنّ التحول الذي نشهده ونتمناه لم يكن مكلفًا إلى هذا الحد”، تقول.

ثمّ تضيف: “لا أدري ما إذا كان يمكننا أن نكمل باللي بقيوا“.

في هذه العبارة تختصر فحص شيئًا من جوهر النداء نفسه. فالمسألة لم تعد معركة سياسية مجرّدة حول مَن انتصر في النقاش حول السلاح والدولة. المسألة صارت: ما الذي بقي أصلًا كي يُستعاد؟

أنقذوا النبطية قبل أن تصبح ذكرى

لا يطالب “نداء النبطية الثاني” بإعادة صياغة النظام السّياسيّ اللبناني، ولا يقدّم خريطة تسوية كبرى للمنطقة. مطالبه، في هذه اللحظة، أكثر مباشرة: انتشار الجيش والقوى الأمنية، تولّي الدولة أمن المدينة، حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وتحرك سياسيّ ودبلوماسيّ عاجل لوقف الاعتداءات ومنع توسّع الاحتلال.

لكنّ النداء يقول ضمنًا شيئًا آخر أيضًا. إنّ النبطية لا تريد أن تُختصر بكونها “بيئة” لأحد، ولا أن تصبح جبهة متقدّمة في مشروع لا يقرّره أهلها، ولا أن تُترك مرّة أخرى حتى تقع الكارثة ثم يبدأ الجميع في نعي المدينة.

هي، كما يكتب أصحاب النداء، “مدينة أهلها، وعاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية، وجزء أصيل من الكيان اللبناني“.

ولهذا يبدو ختام النداء أقلّ شبهًا بالشعار وأكثر شبهًا بالمهلة الأخيرة: “أنقذوا النبطية الآن، قبل أن يصبح إنقاذها متأخرًا“.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار