النبطية في خطر… وصور أيضًا

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
10 أيلول 2026

القرى التي جرفتها الحرب بين الليطاني والحدود، والتي يكاد بعضها يُمحى عن الخريطة، يمكن أن تلحق بها النبطية وصور. ولن يتحقّق إنقاذ العاصمتين التاريخيتين للجنوب بـ”تعزيز الدوريات” فقط، بل بجعل السلاح والقرار العسكري تحت راية الدولة وحدها، وقبل فوات الأوان.

من حسن أقدار لبنان أن سفير واشنطن هو ميشال عيسى. فالرجل يبدو مدركًا عمق الخصوصية اللبنانية، ويحاول قيادة العربة إلى الهدف، مراعيًا مصالح الولايات المتحدة، ولكن مصالح لبنان أيضًا. وزيارته إلى المجلس الشيعي الأعلى أخيرًا تميّزت بالجرأة والتجاوز وفق مقولة: اللهم اشهد. إنني قد بلغت. فهو نقل صراحةً معادلة الردع الإسرائيلية على حقيقتها، ومفادها أن الاستهداف الواحد سيواجه بردع يتجاوزها بأضعاف، “الاعتداء بـ 10”، لكنه في المقابل سارع إلى تقديم العروض إلى لبنان وتسهيل الخيارات التي تمنع بلوغ هذا الوضع الكارثي. وإذ برّر السفير لإسرائيل عملياتها الأخيرة، أكد ألا توجّه إلى تفجير “حرب مفتوحة”. وكذلك، وفيما أكد أن واشنطن تريد “مصلحة الشيعة”، حسم أن لا حوار مباشرًا مع “الحزب”، وأن الجولة التفاوضية الثامنة لن تُعقد قبل انتهاء مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرّر إقامته في باريس. وهذا يعني أن واشنطن تراهن أولًا على كسب المزيد من الوقت لاختبار ما سيفعله لبنان، وثانيًا جعل نتائج مؤتمر باريس مرتكزًا لمفاوضات روما.

على ما يبدو، ستشهد الأيام المقبلة محطات ميدانية مهمة في الجنوب، حيث بلغ الضغط على “حزب الله” مداه الأقصى، عسكريًا وديموغرافيًا في اتجاه مناطق صور والنبطية وإقليم التفاح وصولًا إلى البقاع الغربي. ومن الواضح أن إسرائيل تقوم بتثبيت مناطق أمنية متداخلة، بهدف حماية “النطاق الأساسي” الذي تحرص عليه. وهي تؤخر أي انسحاب، على الأرجح، في انتظار اتضاح الرؤية حول الملف الإيراني، وما وصل إليه لبنان في مسار حظر السلاح. وبذلك، يتضح أن المرحلة الآتية دقيقة جدًا بل مصيرية في السباق ما بين المخارج السياسية وعمليات الحسم الميداني التي تستعد لها إسرائيل. والدور الأميركي حاسم في مباركة هذا الاتجاه أو ذاك. وفي أي حال، هو يستدعي جدية خالصة في تعاطي لبنان مع المرحلة.

اليوم، تقف عاصمة جبل عامل، النبطية، ومعها صور التاريخية، أمام لحظة وجودية حاسمة تسابق فيها الدبلوماسية ألسنة النار. فعلى الرغم من أن دخول الجيش وتعزيز انتشاره في أحياء النبطية وقراها، بتأييد من فعاليات المدينة، يُعد خطوة سيادية حيوية لملء الفراغ، فإن السؤال الجوهري يتجاوز مظاهر الترحيب: هل يُقنع هذا الانتشار واشنطن وإسرائيل بأن المنطقة باتت خالية تمامًا من البنى التحتية والسلاح؟ فالتجربة الميدانية السابقة تؤكد أن الاكتفاء بخطوات انتشار ذاتي من جانب واحد لا يغير قواعد اللعبة، وأن المدخل الحقيقي والوحيد لمنع تكرار سيناريو التدمير الشامل يكمن في خطوة سياسية وميدانية مكتملة الشروط، تتمثل في إعلان “حزب الله” رسميًا وميدانيًا تسليم سلاحه إلى الجيش، وتسليم قراره إلى الدولة، ما يتيح لخلية مراقبة وقف النار التي يقودها الأميركيون أن تتثبّت فعلًا من غياب المظاهر والأسلحة وتدمير الأنفاق. وحينذاك فقط، يمكن للحكومة اللبنانية أن تمارس ضغطًا معنويًا فعليًا عبر واشنطن لوقف التوغل والقصف والتجريف، وتفرض تنفيذ الصيغة الإطارية المتفق عليها.

وأما في حال استمرار لبنان في الرقص فوق الخط الرمادي، والمناورة بنشر الجيش، فوق الواقع المهترئ، كما جرى في تجارب سابقة، فهذا يعني أن التهديدات ستكون جدية. وللتذكير، إذا كانت السيطرة على علي الطاهر جعلت النبطية على مرمى حجر من عملية تدمير وسيطرة، خلال ساعات لا أيام، فإن ما تشهده المنصوري من غارات وتفجيرات لا تتوقف سيكرسها مفتاحًا داهمًا لتبلغ مدينة صور ما تصل إليه النبطية. وعلى الجميع أن يتنبه إلى أن هذه الاستحقاقات الخطرة جدًا باتت وشيكةً على الأرجح.

والقرى التي جرفتها الحرب بين الليطاني والحدود، والتي يكاد بعضها يُمحى عن الخريطة، يمكن أن تلحق بها النبطية وصور. ولن يتحقّق إنقاذ العاصمتين التاريخيتين للجنوب بـ”تعزيز الدوريات” فقط، بل بجعل السلاح والقرار العسكري تحت راية الدولة وحدها، وقبل فوات الأوان. ومن هذا المنطلق، يتجّلى الاستنتاج المحوري الذي لا مناص منه: المدخل الفعلي والوحيد لمنع سقوط ما بقي من الجنوب في أتون التجريف الكلي، يتطلب إقدام “حزب الله” على التخلّي علنًا ومباشرة عن سلاحه وقراره. وهذا لن يتحقّق عبر خطوات أمنية جزئية أظهرت عقمها، بل عبر قرار بتسليم القرار إلى الدولة، والسلاح إلى المؤسسة العسكرية الشرعية، قبل أن تلتهم النار ما تبقى من الحجر والبشر في هذا الجنوب الحزين.

النبطية في خطر… وصور أيضًا

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
10 أيلول 2026

القرى التي جرفتها الحرب بين الليطاني والحدود، والتي يكاد بعضها يُمحى عن الخريطة، يمكن أن تلحق بها النبطية وصور. ولن يتحقّق إنقاذ العاصمتين التاريخيتين للجنوب بـ”تعزيز الدوريات” فقط، بل بجعل السلاح والقرار العسكري تحت راية الدولة وحدها، وقبل فوات الأوان.

من حسن أقدار لبنان أن سفير واشنطن هو ميشال عيسى. فالرجل يبدو مدركًا عمق الخصوصية اللبنانية، ويحاول قيادة العربة إلى الهدف، مراعيًا مصالح الولايات المتحدة، ولكن مصالح لبنان أيضًا. وزيارته إلى المجلس الشيعي الأعلى أخيرًا تميّزت بالجرأة والتجاوز وفق مقولة: اللهم اشهد. إنني قد بلغت. فهو نقل صراحةً معادلة الردع الإسرائيلية على حقيقتها، ومفادها أن الاستهداف الواحد سيواجه بردع يتجاوزها بأضعاف، “الاعتداء بـ 10”، لكنه في المقابل سارع إلى تقديم العروض إلى لبنان وتسهيل الخيارات التي تمنع بلوغ هذا الوضع الكارثي. وإذ برّر السفير لإسرائيل عملياتها الأخيرة، أكد ألا توجّه إلى تفجير “حرب مفتوحة”. وكذلك، وفيما أكد أن واشنطن تريد “مصلحة الشيعة”، حسم أن لا حوار مباشرًا مع “الحزب”، وأن الجولة التفاوضية الثامنة لن تُعقد قبل انتهاء مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرّر إقامته في باريس. وهذا يعني أن واشنطن تراهن أولًا على كسب المزيد من الوقت لاختبار ما سيفعله لبنان، وثانيًا جعل نتائج مؤتمر باريس مرتكزًا لمفاوضات روما.

على ما يبدو، ستشهد الأيام المقبلة محطات ميدانية مهمة في الجنوب، حيث بلغ الضغط على “حزب الله” مداه الأقصى، عسكريًا وديموغرافيًا في اتجاه مناطق صور والنبطية وإقليم التفاح وصولًا إلى البقاع الغربي. ومن الواضح أن إسرائيل تقوم بتثبيت مناطق أمنية متداخلة، بهدف حماية “النطاق الأساسي” الذي تحرص عليه. وهي تؤخر أي انسحاب، على الأرجح، في انتظار اتضاح الرؤية حول الملف الإيراني، وما وصل إليه لبنان في مسار حظر السلاح. وبذلك، يتضح أن المرحلة الآتية دقيقة جدًا بل مصيرية في السباق ما بين المخارج السياسية وعمليات الحسم الميداني التي تستعد لها إسرائيل. والدور الأميركي حاسم في مباركة هذا الاتجاه أو ذاك. وفي أي حال، هو يستدعي جدية خالصة في تعاطي لبنان مع المرحلة.

اليوم، تقف عاصمة جبل عامل، النبطية، ومعها صور التاريخية، أمام لحظة وجودية حاسمة تسابق فيها الدبلوماسية ألسنة النار. فعلى الرغم من أن دخول الجيش وتعزيز انتشاره في أحياء النبطية وقراها، بتأييد من فعاليات المدينة، يُعد خطوة سيادية حيوية لملء الفراغ، فإن السؤال الجوهري يتجاوز مظاهر الترحيب: هل يُقنع هذا الانتشار واشنطن وإسرائيل بأن المنطقة باتت خالية تمامًا من البنى التحتية والسلاح؟ فالتجربة الميدانية السابقة تؤكد أن الاكتفاء بخطوات انتشار ذاتي من جانب واحد لا يغير قواعد اللعبة، وأن المدخل الحقيقي والوحيد لمنع تكرار سيناريو التدمير الشامل يكمن في خطوة سياسية وميدانية مكتملة الشروط، تتمثل في إعلان “حزب الله” رسميًا وميدانيًا تسليم سلاحه إلى الجيش، وتسليم قراره إلى الدولة، ما يتيح لخلية مراقبة وقف النار التي يقودها الأميركيون أن تتثبّت فعلًا من غياب المظاهر والأسلحة وتدمير الأنفاق. وحينذاك فقط، يمكن للحكومة اللبنانية أن تمارس ضغطًا معنويًا فعليًا عبر واشنطن لوقف التوغل والقصف والتجريف، وتفرض تنفيذ الصيغة الإطارية المتفق عليها.

وأما في حال استمرار لبنان في الرقص فوق الخط الرمادي، والمناورة بنشر الجيش، فوق الواقع المهترئ، كما جرى في تجارب سابقة، فهذا يعني أن التهديدات ستكون جدية. وللتذكير، إذا كانت السيطرة على علي الطاهر جعلت النبطية على مرمى حجر من عملية تدمير وسيطرة، خلال ساعات لا أيام، فإن ما تشهده المنصوري من غارات وتفجيرات لا تتوقف سيكرسها مفتاحًا داهمًا لتبلغ مدينة صور ما تصل إليه النبطية. وعلى الجميع أن يتنبه إلى أن هذه الاستحقاقات الخطرة جدًا باتت وشيكةً على الأرجح.

والقرى التي جرفتها الحرب بين الليطاني والحدود، والتي يكاد بعضها يُمحى عن الخريطة، يمكن أن تلحق بها النبطية وصور. ولن يتحقّق إنقاذ العاصمتين التاريخيتين للجنوب بـ”تعزيز الدوريات” فقط، بل بجعل السلاح والقرار العسكري تحت راية الدولة وحدها، وقبل فوات الأوان. ومن هذا المنطلق، يتجّلى الاستنتاج المحوري الذي لا مناص منه: المدخل الفعلي والوحيد لمنع سقوط ما بقي من الجنوب في أتون التجريف الكلي، يتطلب إقدام “حزب الله” على التخلّي علنًا ومباشرة عن سلاحه وقراره. وهذا لن يتحقّق عبر خطوات أمنية جزئية أظهرت عقمها، بل عبر قرار بتسليم القرار إلى الدولة، والسلاح إلى المؤسسة العسكرية الشرعية، قبل أن تلتهم النار ما تبقى من الحجر والبشر في هذا الجنوب الحزين.

مزيد من الأخبار