التفرغ في الجامعة سقط بضربة مسيحية: ما بني على باطل فهو باطل

الكاتب: وليد حسين | المصدر: المدن
11 أيلول 2026

عاد ملف تفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية إلى النقطة الصفر بضربة قاضية وجهته إليه هذه المرة مطالبة أعلى المراجع المسيحية بإعادة ترتيبه وتأمين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

وكان أساتذة الجامعة ينتظرون إقرار الدفعة الأولى من ملف التفرغ في جلسة مجلس الوزراء أمس، وشهدت الجلسة إعادة نقاش الملف من جديد وجرى تأجيله إلى موعد لاحق لإعادة البحث بالمعايير. وواكب الأساتذة الجلسة ونفذوا اعتصاماً حاشداً عند مفرق القصر الجمهوري وطالبوا بإقرار ملف التفرغ كاملاً وبكامل الأسماء المستوفية للشروط، ودون أي اجتزاء أو تأجيل جديد. 

عدم الاتفاق على الأسماء

وعلمت “المدن” أن الملف عاد إلى النقطة الصفر بمعزل عن إشكالية الكلفة المالية، التي يعاني منها وتتمثل في إشكاليات غير محسوبة. بل جرى أخذ ورد بين القوى السياسية حول كيفية تمرير الملف وفق الدفعات التي أقرتها الحكومة سابقاً (أربع دفعات) وبأن يصار إلى تفريغ دفعتين في المرحلة الأولى. لكن تبين أن المسيحيين يصرون على المناصفة في هذه الدفعات، فيما وضعت الوزيرة الأسماء بحسب النسب الطائفية الكلية في الملف وهي ثلث للمسيحيين ومثله للشيعة ومثله للسنّة. 

اصطدم الطرح “بفيتو” مسيحي من أعلى المراجع بعدما نقل المطران الياس نصار، موفدًا من البطريرك الراعي، رسالة رفض إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، مطلبًا بـِ “ضرورة الحفاظ على التوازن الوطني” في مرسوم تفرغ الأساتذة، و”تأمين تمثيل متوازن لمختلف الطوائف والمكوّنات اللبنانية”. 

عقبة مالية غير محسوبة

رغم هذا الموقف المسيحي، ذهبت الوزيرة ريما كرامي إلى الأمام مصرة على توزيع الأسماء كما وضعتها هي مع رئيس الجامعة بسام بدران. وقالت إن “ما كتب قد كتب”، قاصدة عدم القبول بتغيير الدفعات. 

لكن بمعزل عن هذه “العقبة” الطائفية، العقبة المالية ما زالت غير محلولة كلياً. فصحيح أن مشروع الموازنة العامة يلحظ زيادة ميزانية الجامعة لتفريغ دفعتين من الأساتذة مطلع العام المقبل وفي شهر أيلول 2027، إلا أن احتساب الكلفة المالية يعوزه إشكاليات لم تنتبه لها الحكومة سابقاً. فهذه الزيادة لتأمين الرواتب للمتفرغين الجدد لم تترافق مع زيادة موازنة صندوق تعاضد أساتذة الجامعة بالنسب المطلوبة. فالزيادة الملحوظة له لا تتعدى 15 بالمئة، ولا تراعي كلفة المصاريف الاجتماعية والصحية للداخلين الجدد إلى الصندوق. وتكشف مصادر مطلعة، أنه لم تتم دراسة ملفات الأساتذة لمعرفة عدد أفراد عائلاتهم والكلفة الصحية المترتبة وكلفة المنح المدرسية وغيرها.  

خلاف على مجلس الجامعة

لكن عودة ملف التفرغ إلى نقطة الصفر لم تأت بسبب نسب الأساتذة المسيحيين، ومطالبة بكركي بالتوازن. فقد سبق ووافقت القوى المسيحية على النسب وصدر القرار عن الحكومة بتفريغ 1700 أستاذ من دون مراعاة حاجة الجامعة الفعلية، بل إرضاءً للطوائف. لكن ما عقد الأمور وأعاد الموضوع إلى جدل عقيم عدم نضوج تشكيل مجلس الجامعة. فملف تشكيل مجلس الجامعة عاد وتوقف من جديد بسبب تمسك المسيحيين بالحصول على عشرة عمداء من أصل 19، ولم تقبل باقي الأطراف بهذه المعادلة. وبالتالي عدم نضوج هذه “الطبخة” انعكست عند المسيحيين بإعادة التشدد في ملف التفرغ والمطالبة بالتوازن “الوطني”. 

أخطأت وزيرة التربية ريما كرامي في آلية التفرغ التي عملت عليها ومعايير التفرغ، التي أفضت إلى ملف مؤلف من 1282 استاذاً، أكثر من أربعين بالمئة منهم من الطائفة الشيعية. ثم فتحت البازار لإرضاء باقي الطوائف فتضخم الملف إلى 1690 أستاذاً. وأدخلت جميع الأساتذة المسيحيين من المستحقين للتفرغ وغير المستحقين (كسرت المعايير) وباتت نسبة التفرغ عند القوى المسيحية مئة بالمئة، بينما عند باقي الأطراف المسلمة أقل من خمسين بالمئة. ورغم ذلك عادت بكركي لتطالب بالتوازن؛ أي إدخال أساتذة مسيحيين من خارج الجامعة. 

البناء على الباطل

المسار الذي سلكته وزيرة التربية ورئيس الجامعة اللبنانية في كيفية تشكيل ملف التفرغ أدى إلى ضياع التفرغ عن مئات الأساتذة المستحقين له. فعوضاً عن الانكباب على تشكيل مجلس الجامعة؛ أي تعيين العمداء لإعادة الانتظام إلى الجامعة، ذهبَ الطرفان إلى خرق كل معايير التفرغ المنصوص عنها في قانون الجامعة، ودخلا في بازار الطوائف والحصص، ومن الصعب إرضاء جميع الأطراف في لعبة الأرقام. بمعنى آخر، كان على كرامي الضغط على رئيس الجامعة لإعادة انتخاب العمداء وتشكيل مجلس الجامعة، الذي بدوره يتحمل مسؤولية التفرغ من خلال العودة إلى مجلس الفروع في الكليات ومجالس الأقسام وتحديد ملاكات الجامعة والحاجة الفعلية لمتفرغين ومتعاقدين أيضاً. وبعدها تقر الحكومة ملف تفرغ يراعي حاجة الجامعة الفعلية لمتفرغين ومراعاة “هواجس الطوائف” بتأمين التوازن الذي يسمونه “وطنياً”. لكن “ما بني على باطل فهو باطل”، وكان من الطبيعي أن يصل الجميع إلى المأزق الحالي، وتتحول الجامعة إلى مؤسسة للتوظيف العشوائي.  

التفرغ في الجامعة سقط بضربة مسيحية: ما بني على باطل فهو باطل

الكاتب: وليد حسين | المصدر: المدن
11 أيلول 2026

عاد ملف تفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية إلى النقطة الصفر بضربة قاضية وجهته إليه هذه المرة مطالبة أعلى المراجع المسيحية بإعادة ترتيبه وتأمين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

وكان أساتذة الجامعة ينتظرون إقرار الدفعة الأولى من ملف التفرغ في جلسة مجلس الوزراء أمس، وشهدت الجلسة إعادة نقاش الملف من جديد وجرى تأجيله إلى موعد لاحق لإعادة البحث بالمعايير. وواكب الأساتذة الجلسة ونفذوا اعتصاماً حاشداً عند مفرق القصر الجمهوري وطالبوا بإقرار ملف التفرغ كاملاً وبكامل الأسماء المستوفية للشروط، ودون أي اجتزاء أو تأجيل جديد. 

عدم الاتفاق على الأسماء

وعلمت “المدن” أن الملف عاد إلى النقطة الصفر بمعزل عن إشكالية الكلفة المالية، التي يعاني منها وتتمثل في إشكاليات غير محسوبة. بل جرى أخذ ورد بين القوى السياسية حول كيفية تمرير الملف وفق الدفعات التي أقرتها الحكومة سابقاً (أربع دفعات) وبأن يصار إلى تفريغ دفعتين في المرحلة الأولى. لكن تبين أن المسيحيين يصرون على المناصفة في هذه الدفعات، فيما وضعت الوزيرة الأسماء بحسب النسب الطائفية الكلية في الملف وهي ثلث للمسيحيين ومثله للشيعة ومثله للسنّة. 

اصطدم الطرح “بفيتو” مسيحي من أعلى المراجع بعدما نقل المطران الياس نصار، موفدًا من البطريرك الراعي، رسالة رفض إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، مطلبًا بـِ “ضرورة الحفاظ على التوازن الوطني” في مرسوم تفرغ الأساتذة، و”تأمين تمثيل متوازن لمختلف الطوائف والمكوّنات اللبنانية”. 

عقبة مالية غير محسوبة

رغم هذا الموقف المسيحي، ذهبت الوزيرة ريما كرامي إلى الأمام مصرة على توزيع الأسماء كما وضعتها هي مع رئيس الجامعة بسام بدران. وقالت إن “ما كتب قد كتب”، قاصدة عدم القبول بتغيير الدفعات. 

لكن بمعزل عن هذه “العقبة” الطائفية، العقبة المالية ما زالت غير محلولة كلياً. فصحيح أن مشروع الموازنة العامة يلحظ زيادة ميزانية الجامعة لتفريغ دفعتين من الأساتذة مطلع العام المقبل وفي شهر أيلول 2027، إلا أن احتساب الكلفة المالية يعوزه إشكاليات لم تنتبه لها الحكومة سابقاً. فهذه الزيادة لتأمين الرواتب للمتفرغين الجدد لم تترافق مع زيادة موازنة صندوق تعاضد أساتذة الجامعة بالنسب المطلوبة. فالزيادة الملحوظة له لا تتعدى 15 بالمئة، ولا تراعي كلفة المصاريف الاجتماعية والصحية للداخلين الجدد إلى الصندوق. وتكشف مصادر مطلعة، أنه لم تتم دراسة ملفات الأساتذة لمعرفة عدد أفراد عائلاتهم والكلفة الصحية المترتبة وكلفة المنح المدرسية وغيرها.  

خلاف على مجلس الجامعة

لكن عودة ملف التفرغ إلى نقطة الصفر لم تأت بسبب نسب الأساتذة المسيحيين، ومطالبة بكركي بالتوازن. فقد سبق ووافقت القوى المسيحية على النسب وصدر القرار عن الحكومة بتفريغ 1700 أستاذ من دون مراعاة حاجة الجامعة الفعلية، بل إرضاءً للطوائف. لكن ما عقد الأمور وأعاد الموضوع إلى جدل عقيم عدم نضوج تشكيل مجلس الجامعة. فملف تشكيل مجلس الجامعة عاد وتوقف من جديد بسبب تمسك المسيحيين بالحصول على عشرة عمداء من أصل 19، ولم تقبل باقي الأطراف بهذه المعادلة. وبالتالي عدم نضوج هذه “الطبخة” انعكست عند المسيحيين بإعادة التشدد في ملف التفرغ والمطالبة بالتوازن “الوطني”. 

أخطأت وزيرة التربية ريما كرامي في آلية التفرغ التي عملت عليها ومعايير التفرغ، التي أفضت إلى ملف مؤلف من 1282 استاذاً، أكثر من أربعين بالمئة منهم من الطائفة الشيعية. ثم فتحت البازار لإرضاء باقي الطوائف فتضخم الملف إلى 1690 أستاذاً. وأدخلت جميع الأساتذة المسيحيين من المستحقين للتفرغ وغير المستحقين (كسرت المعايير) وباتت نسبة التفرغ عند القوى المسيحية مئة بالمئة، بينما عند باقي الأطراف المسلمة أقل من خمسين بالمئة. ورغم ذلك عادت بكركي لتطالب بالتوازن؛ أي إدخال أساتذة مسيحيين من خارج الجامعة. 

البناء على الباطل

المسار الذي سلكته وزيرة التربية ورئيس الجامعة اللبنانية في كيفية تشكيل ملف التفرغ أدى إلى ضياع التفرغ عن مئات الأساتذة المستحقين له. فعوضاً عن الانكباب على تشكيل مجلس الجامعة؛ أي تعيين العمداء لإعادة الانتظام إلى الجامعة، ذهبَ الطرفان إلى خرق كل معايير التفرغ المنصوص عنها في قانون الجامعة، ودخلا في بازار الطوائف والحصص، ومن الصعب إرضاء جميع الأطراف في لعبة الأرقام. بمعنى آخر، كان على كرامي الضغط على رئيس الجامعة لإعادة انتخاب العمداء وتشكيل مجلس الجامعة، الذي بدوره يتحمل مسؤولية التفرغ من خلال العودة إلى مجلس الفروع في الكليات ومجالس الأقسام وتحديد ملاكات الجامعة والحاجة الفعلية لمتفرغين ومتعاقدين أيضاً. وبعدها تقر الحكومة ملف تفرغ يراعي حاجة الجامعة الفعلية لمتفرغين ومراعاة “هواجس الطوائف” بتأمين التوازن الذي يسمونه “وطنياً”. لكن “ما بني على باطل فهو باطل”، وكان من الطبيعي أن يصل الجميع إلى المأزق الحالي، وتتحول الجامعة إلى مؤسسة للتوظيف العشوائي.  

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار