انقلاب على الحكومة.. “حوثي” النكهة

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
12 أيلول 2026

بمعزل عن الرغبوية الشعبية العالية في الحياد والسلامة من أثمان صراعات المحاور، فإن تداعيات الحدث اليمني بتحديثاته وسياقاته ترخي بثقلها على الساحة اللبنانية. ليس تفصيلا أن تتحرك جماعة “الحوثيين” الإرهابية غداة “فضيحة” سقوط أسطورة “علي الطاهر” مباشرة، عبر استهداف الأراضي والمنشآت والمدنيين في السعودية، بالتوازي مع الزحف الميليشياوي نحو ممر “باب المندب” الاستراتيجي لاعتقاله ضمن ترسانة ابتزاز الحرس الثوري.

بعد خمود طويل، اتخذ نظام الملالي، بنسخته الأكثر إرهابًا وراديكالية، قراره باستخدام صنيعته “الحوثية” للضغط على المملكة في المسألة اللبنانية، من أجل تخفيف اختناق “حزب الله” وفك عزلته، بدءًا من استهداف ناقلات النفط منذ أشهر، وصولا إلى الحرب الشاملة، بموازاة التحضير لتنفيذ انقلاب سياسي بتطيير حكومة نواف سلام، وتزكية نجيب ميقاتي الذي تتقاطع عدة جهات داخلية وإقليمية مؤثرة على اسمه.

الأداة الأكثر فاعلية هي توظيف “الخطايا” الضريبية المتوالية للحكومة لحقن المناخ العام، وتحضير المسرح للتغيير، إلى جانب تحفيز الأذرع النقابية، والكتل الصلبة في القطاعات التربوية والعسكرية والطاقوية، للتحرك على الأرض، والدعاية السلبية التي تكبّر حجم الضرائب، وتخلق بعضها من العدم، وكل ذلك ضمن إطار تجميع قطع “البازل” لإنتاج مشهد شبيه بـ17 تشرين 2019.

في المقابل، ثمة أخطاء ترتكبها الحكومة تتجاوز حدود فرض الضرائب، وتتصل بانعدام أفق واضح لها، وغياب دراسة الأثر السياسي قبل الاقتصادي لأي خطوة حساسة من هذا النوع. زد عليها الهوة التي تفصلها عن الناس، لكون وزرائها “تكنوقراط” وليسوا على تماس مباشر مع الخطاب الشعبي وهواجسه، فضلا عن انسياق بعضهم إلى اتخاذ قرارات عشوائية تصب الزيت على النار، عفوًا أو قصدًا، لتحقيق طموح ما. ناهيك عن الافتقار إلى سياسة إعلامية، بما يجعلها في موقع دفاعي دائم وهش إزاء أسطول إعلامي موازٍ، مكين ويحترف بث التسريبات وترويج الشائعات.

العنوان الأساسي هو إخراج نواف سلام من السراي لتقويض حضور السعودية في لبنان. فالمملكة “عرّابة” السلطة وداعمها الأساسي في مسار تراكمي يروم استنهاض الدولة ودفن جثة معادلة “مافيا – ميليشيا”، وهي من قادت عملية فتح الأبواب الأميركية والإقليمية أمام السلطة تمهيدًا لدمجها في النظام الإقليمي الناشئ.

وبينما تبتغي قوى داخلية القيام بـ”رِدّة” مضادة لإعادة إنتاج تسويات من الماضي أوردتنا المهالك، هناك قوى إقليمية تريد أن تكون “شريكة نفوذ” في لبنان بما يتسق مع مصالحها، فيما تبحث قوى أخرى عن مزاحمة المملكة. وكلاهما يستفيدان من خاصية الرقص على حلبة المحاور لدى “بعض” السلطة، والتي تكتسي بلبوس تنويع العلاقات الخارجية، فيما هي أبعد ما تكون عن ذلك.

والحدث اليمني في راهنيته يقدم فرصة ثمينة لجميع اللاعبين في لبنان. فتطور المعارك وانعكاساتها على الأمن الإقليمي للمملكة يحفّز إخراج نواف سلام، ضمن معادلة قوامها ضغوط على الملالي للجم الحوثيين، مقابل قبول السعودية بتسوية تعيد نجيب ميقاتي إلى السراي، كمدخل “علوي” لبسط النفوذ يتلاقى مع قبول ضمني من “عين التينة” و”بعبدا”.

غير أن حدود التسوية تتصل بإعادة ترسيم التوازنات الحاكمة داخل مجلس الوزراء، وآليات إنتاج القرار الاستراتيجي والسياسي، ومنح “الحزب” تعويضًا سياسيًا عن انكساراته، وهنا مربط الفرس. وأولى علائمها كانت “الفخ” الدستوري لقانون العفو. لذلك أرسلت المملكة رسائل إلى الأطراف المعنية في الداخل والخارج، بعضها مشفّر، وبعضها صريح ويظهر تواليًا: حكومة نواف سلام خط أحمر.

وعلى إيقاع هذه الرسائل تفاعلت حركة الاتصالات. فحسب المعلومات، ثمة توجّه قيد التبلور لمقاطعة نيابية موسعة لجلسة مساءلة الحكومة التي دعا إليها الرئيس نبيه بري، بهدف إفشال هذا الفخ السياسي المتسربل برداء تشريعي مبرقع، أو أقلّه إفقاده القدرة على الإمساك برقبة الحكومة لإجراء صفقة على حساب قرارها السياسي.

ومع ذلك، ثمة مسؤوليات تقع على عاتق الرئيس سلام ترتبط باستراتيجية العمل، أكان في كيفية تخريج الموازنة والقرارات الصعبة، أم في التعيينات ومفاتيحها الموهوبة لـ”جبهة الرِدّة”. فالانقلاب لا يحتاج دائمًا إلى سلاح. أحيانًا تكفيه أدوات سياسية، وشارع متوثب، وضغط إقليمي، وحكومة تمنح خصومها الذخيرة بيديها.

انقلاب على الحكومة.. “حوثي” النكهة

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
12 أيلول 2026

بمعزل عن الرغبوية الشعبية العالية في الحياد والسلامة من أثمان صراعات المحاور، فإن تداعيات الحدث اليمني بتحديثاته وسياقاته ترخي بثقلها على الساحة اللبنانية. ليس تفصيلا أن تتحرك جماعة “الحوثيين” الإرهابية غداة “فضيحة” سقوط أسطورة “علي الطاهر” مباشرة، عبر استهداف الأراضي والمنشآت والمدنيين في السعودية، بالتوازي مع الزحف الميليشياوي نحو ممر “باب المندب” الاستراتيجي لاعتقاله ضمن ترسانة ابتزاز الحرس الثوري.

بعد خمود طويل، اتخذ نظام الملالي، بنسخته الأكثر إرهابًا وراديكالية، قراره باستخدام صنيعته “الحوثية” للضغط على المملكة في المسألة اللبنانية، من أجل تخفيف اختناق “حزب الله” وفك عزلته، بدءًا من استهداف ناقلات النفط منذ أشهر، وصولا إلى الحرب الشاملة، بموازاة التحضير لتنفيذ انقلاب سياسي بتطيير حكومة نواف سلام، وتزكية نجيب ميقاتي الذي تتقاطع عدة جهات داخلية وإقليمية مؤثرة على اسمه.

الأداة الأكثر فاعلية هي توظيف “الخطايا” الضريبية المتوالية للحكومة لحقن المناخ العام، وتحضير المسرح للتغيير، إلى جانب تحفيز الأذرع النقابية، والكتل الصلبة في القطاعات التربوية والعسكرية والطاقوية، للتحرك على الأرض، والدعاية السلبية التي تكبّر حجم الضرائب، وتخلق بعضها من العدم، وكل ذلك ضمن إطار تجميع قطع “البازل” لإنتاج مشهد شبيه بـ17 تشرين 2019.

في المقابل، ثمة أخطاء ترتكبها الحكومة تتجاوز حدود فرض الضرائب، وتتصل بانعدام أفق واضح لها، وغياب دراسة الأثر السياسي قبل الاقتصادي لأي خطوة حساسة من هذا النوع. زد عليها الهوة التي تفصلها عن الناس، لكون وزرائها “تكنوقراط” وليسوا على تماس مباشر مع الخطاب الشعبي وهواجسه، فضلا عن انسياق بعضهم إلى اتخاذ قرارات عشوائية تصب الزيت على النار، عفوًا أو قصدًا، لتحقيق طموح ما. ناهيك عن الافتقار إلى سياسة إعلامية، بما يجعلها في موقع دفاعي دائم وهش إزاء أسطول إعلامي موازٍ، مكين ويحترف بث التسريبات وترويج الشائعات.

العنوان الأساسي هو إخراج نواف سلام من السراي لتقويض حضور السعودية في لبنان. فالمملكة “عرّابة” السلطة وداعمها الأساسي في مسار تراكمي يروم استنهاض الدولة ودفن جثة معادلة “مافيا – ميليشيا”، وهي من قادت عملية فتح الأبواب الأميركية والإقليمية أمام السلطة تمهيدًا لدمجها في النظام الإقليمي الناشئ.

وبينما تبتغي قوى داخلية القيام بـ”رِدّة” مضادة لإعادة إنتاج تسويات من الماضي أوردتنا المهالك، هناك قوى إقليمية تريد أن تكون “شريكة نفوذ” في لبنان بما يتسق مع مصالحها، فيما تبحث قوى أخرى عن مزاحمة المملكة. وكلاهما يستفيدان من خاصية الرقص على حلبة المحاور لدى “بعض” السلطة، والتي تكتسي بلبوس تنويع العلاقات الخارجية، فيما هي أبعد ما تكون عن ذلك.

والحدث اليمني في راهنيته يقدم فرصة ثمينة لجميع اللاعبين في لبنان. فتطور المعارك وانعكاساتها على الأمن الإقليمي للمملكة يحفّز إخراج نواف سلام، ضمن معادلة قوامها ضغوط على الملالي للجم الحوثيين، مقابل قبول السعودية بتسوية تعيد نجيب ميقاتي إلى السراي، كمدخل “علوي” لبسط النفوذ يتلاقى مع قبول ضمني من “عين التينة” و”بعبدا”.

غير أن حدود التسوية تتصل بإعادة ترسيم التوازنات الحاكمة داخل مجلس الوزراء، وآليات إنتاج القرار الاستراتيجي والسياسي، ومنح “الحزب” تعويضًا سياسيًا عن انكساراته، وهنا مربط الفرس. وأولى علائمها كانت “الفخ” الدستوري لقانون العفو. لذلك أرسلت المملكة رسائل إلى الأطراف المعنية في الداخل والخارج، بعضها مشفّر، وبعضها صريح ويظهر تواليًا: حكومة نواف سلام خط أحمر.

وعلى إيقاع هذه الرسائل تفاعلت حركة الاتصالات. فحسب المعلومات، ثمة توجّه قيد التبلور لمقاطعة نيابية موسعة لجلسة مساءلة الحكومة التي دعا إليها الرئيس نبيه بري، بهدف إفشال هذا الفخ السياسي المتسربل برداء تشريعي مبرقع، أو أقلّه إفقاده القدرة على الإمساك برقبة الحكومة لإجراء صفقة على حساب قرارها السياسي.

ومع ذلك، ثمة مسؤوليات تقع على عاتق الرئيس سلام ترتبط باستراتيجية العمل، أكان في كيفية تخريج الموازنة والقرارات الصعبة، أم في التعيينات ومفاتيحها الموهوبة لـ”جبهة الرِدّة”. فالانقلاب لا يحتاج دائمًا إلى سلاح. أحيانًا تكفيه أدوات سياسية، وشارع متوثب، وضغط إقليمي، وحكومة تمنح خصومها الذخيرة بيديها.

مزيد من الأخبار