خشية سقوط فكرة “استعادة الأرض”… تخوّف فاتيكاني من “محو الجنوب”

الكاتب: داود رمّال | المصدر: نداء الوطن
12 أيلول 2026

لا يبدو التخوف والقلق الفاتيكاني من الجنوب اللبناني محصورًا في حرب طويلة أو في احتلال عسكري قابل للتسوية عندما تتبدل موازين القوى. خلف الاتصالات والمواقف التي يجريها الكرسي الرسولي هاجس أكثر خطورة بكثير، ينطلق من معطيات تُطرح بصيغة السؤال، ومفادها: ماذا لو انتقلت إسرائيل من احتلال الأرض إلى استقدام مستوطنين وإسكانهم فيها؟ عندها، لا يعود الأمر مقتصرًا على فصل جديد من فصول النزاع الحدودي، بل يصبح، وفق القراءة الفاتيكانية، محاولة لتغيير الإطار الدولي والقانوني الذي تُعرَّف من خلاله الأرض وحقوق أصحابها.

ويقول مصدر مقرّب من الكرسي الرسولي لـ”نداء الوطن” إن “الفارق جوهري عندما تكون أرضك محتلة، يبقى لك، وفق قواعد القانون الدولي، الحق في المطالبة باستعادتها وتحريرها بمختلف الوسائل المتاحة، ولا يسقط هذا الحق مع مرور الزمن. فالاحتلال، في هذه القراءة، لا يحوّل ملكية الأرض إلى المحتل، ولا يمنح الزمن شرعية تلقائية للسيطرة عليها. لكن إدخال المستوطنين وإقامة واقع سكاني دائم فيها يطرح معادلة مختلفة وخطيرة، إذ يمكن أن تبدأ الرواية السياسية والقانونية بالتحول من أرض محتلة إلى أرض يُقال إنها عادت إلى أصحابها أو ورثتها الحقيقيين، بما يعني عمليًا إلغاء مفهوم استعادتها أو تحريرها من أساسه”.

ويضيف المصدر أنه “هنا تحديدًا يكمن القلق الأساسي للفاتيكان تجاه الجنوب كله، لا منطقة بعينها، أي الخوف على بلداته وقراه المسيحية والإسلامية والمختلطة. فالمسألة ليست في نظر الكرسي الرسولي عبارة عن بضعة كيلومترات إضافية على الخريطة، بل احتمال إعادة صياغة هوية الأرض عبر القوة والديموغرافيا، بحيث يصبح ما هو موقت اليوم أمرًا واقعًا غدًا، ثم يتحول الأمر الواقع إلى رواية سياسية وقانونية، خصوصًا إذا تبدلت الظروف الدولية”.

ويوضح المصدر أن “هذا القلق يستند إلى ثلاثة معطيات:

أولها أن إسرائيل لا تتعامل اليوم مع القانون الدولي والأعراف والمواثيق الدولية باعتبارها قيودًا ملزمة، فيما لا توجد، عمليًا، قوة دولية قادرة على إرغامها على احترام هذه القواعد وتطبيقها. وهذا، في الحساب الفاتيكاني، هو العنصر الأخطر، إذ ليس فقط أن القانون الدولي قد يُخرق، بل أن غياب القوة القادرة على فرضه يسمح بتثبيت نتائج الخرق على الأرض.

أما المعطى الثاني، فيتصل بما يوصف بأنه يتجاوز الاحتلال إلى “إبادة الزمان والمكان”. فإسرائيل لا تدمّر المنازل فقط، وهو ما يسميه القانون الدولي “Domicide”، بل تقوم بجرف كل ما هو موجود في القرى والبلدات التي تحتلها، بما يرقى، في توصيفه، إلى مستوى “Urbicide”. والمغزى هنا أن تدمير المكان لا يستهدف الأبنية فحسب، بل يمحو الذاكرة العمرانية والاجتماعية التي تثبت أن جماعات بشرية عاشت فيه، وأن قرى وبلدات كانت قائمة فيه.

وفي هذا السياق يمكن استحضار تجربة “السوديت” في تشيكوسلوفاكيا إبان الحرب العالمية الثانية، حين أُلحقت المنطقة بألمانيا النازية عنوة، ما يدلل على أن نموذج “Urbicide” بهذا المعنى لم يُسجّل تاريخيًا إلا في حالات بالغة الخطورة، ومنها ما ارتكبه النازيون هناك. والمفارقة التي تُستعاد أن النظام النازي سقط، وألمانيا قُسمت ثم أعيد توحيدها، وأوروبا نفسها توحّدت، ومع ذلك بقيت قضية السوديت موضع جدل، فيما استندت إحدى الحجج إلى أنها كانت أساسًا أرضًا ألمانية وليست أرضًا احتلها النازيون.

أما المعطى الثالث، والأشد إحراجا للبنان، فيتمثل في أن الفاتيكان، خلال تعاطيه مع المسؤولين اللبنانيين، زمنيًا وكنسيًا، لم يلحظ وجود القلق نفسه لديهم. والأخطر أن هؤلاء المسؤولين، عندما فُوتِحوا باحتمال استقدام المستوطنين وتثبيتهم في الجنوب، لم يقدموا جوابًا مقنعًا عن كيفية مواجهة هذا السيناريو إذا وقع، أو كيف يمكن التعامل معه بعدما يصبح واقعًا قائمًا”.

لذلك، لا تبدو المسألة في القراءة الفاتيكانية محصورة في سؤال عن وقف إطلاق النار أو انسحاب عسكري. السؤال الأبعد هو: ماذا يحدث إذا جرى تدمير المكان، وتغيير سكانه، ثم تبدلت الظروف الدولية؟ عندها قد يجد لبنان نفسه أمام معركة ليست لاستعادة أرض محتلة فحسب، بل لإثبات أن هذه الأرض كانت، وما زالت، أرضًا لبنانية لا يجوز تحويلها، بالقوة والديموغرافيا والوقت، إلى أرض يُعاد تعريف أصحابها. وهذا تحديدًا هو الخطر الذي يخشى الفاتيكان أن يكتشف لبنان والعالم حجمه بعد فوات الأوان.

خشية سقوط فكرة “استعادة الأرض”… تخوّف فاتيكاني من “محو الجنوب”

الكاتب: داود رمّال | المصدر: نداء الوطن
12 أيلول 2026

لا يبدو التخوف والقلق الفاتيكاني من الجنوب اللبناني محصورًا في حرب طويلة أو في احتلال عسكري قابل للتسوية عندما تتبدل موازين القوى. خلف الاتصالات والمواقف التي يجريها الكرسي الرسولي هاجس أكثر خطورة بكثير، ينطلق من معطيات تُطرح بصيغة السؤال، ومفادها: ماذا لو انتقلت إسرائيل من احتلال الأرض إلى استقدام مستوطنين وإسكانهم فيها؟ عندها، لا يعود الأمر مقتصرًا على فصل جديد من فصول النزاع الحدودي، بل يصبح، وفق القراءة الفاتيكانية، محاولة لتغيير الإطار الدولي والقانوني الذي تُعرَّف من خلاله الأرض وحقوق أصحابها.

ويقول مصدر مقرّب من الكرسي الرسولي لـ”نداء الوطن” إن “الفارق جوهري عندما تكون أرضك محتلة، يبقى لك، وفق قواعد القانون الدولي، الحق في المطالبة باستعادتها وتحريرها بمختلف الوسائل المتاحة، ولا يسقط هذا الحق مع مرور الزمن. فالاحتلال، في هذه القراءة، لا يحوّل ملكية الأرض إلى المحتل، ولا يمنح الزمن شرعية تلقائية للسيطرة عليها. لكن إدخال المستوطنين وإقامة واقع سكاني دائم فيها يطرح معادلة مختلفة وخطيرة، إذ يمكن أن تبدأ الرواية السياسية والقانونية بالتحول من أرض محتلة إلى أرض يُقال إنها عادت إلى أصحابها أو ورثتها الحقيقيين، بما يعني عمليًا إلغاء مفهوم استعادتها أو تحريرها من أساسه”.

ويضيف المصدر أنه “هنا تحديدًا يكمن القلق الأساسي للفاتيكان تجاه الجنوب كله، لا منطقة بعينها، أي الخوف على بلداته وقراه المسيحية والإسلامية والمختلطة. فالمسألة ليست في نظر الكرسي الرسولي عبارة عن بضعة كيلومترات إضافية على الخريطة، بل احتمال إعادة صياغة هوية الأرض عبر القوة والديموغرافيا، بحيث يصبح ما هو موقت اليوم أمرًا واقعًا غدًا، ثم يتحول الأمر الواقع إلى رواية سياسية وقانونية، خصوصًا إذا تبدلت الظروف الدولية”.

ويوضح المصدر أن “هذا القلق يستند إلى ثلاثة معطيات:

أولها أن إسرائيل لا تتعامل اليوم مع القانون الدولي والأعراف والمواثيق الدولية باعتبارها قيودًا ملزمة، فيما لا توجد، عمليًا، قوة دولية قادرة على إرغامها على احترام هذه القواعد وتطبيقها. وهذا، في الحساب الفاتيكاني، هو العنصر الأخطر، إذ ليس فقط أن القانون الدولي قد يُخرق، بل أن غياب القوة القادرة على فرضه يسمح بتثبيت نتائج الخرق على الأرض.

أما المعطى الثاني، فيتصل بما يوصف بأنه يتجاوز الاحتلال إلى “إبادة الزمان والمكان”. فإسرائيل لا تدمّر المنازل فقط، وهو ما يسميه القانون الدولي “Domicide”، بل تقوم بجرف كل ما هو موجود في القرى والبلدات التي تحتلها، بما يرقى، في توصيفه، إلى مستوى “Urbicide”. والمغزى هنا أن تدمير المكان لا يستهدف الأبنية فحسب، بل يمحو الذاكرة العمرانية والاجتماعية التي تثبت أن جماعات بشرية عاشت فيه، وأن قرى وبلدات كانت قائمة فيه.

وفي هذا السياق يمكن استحضار تجربة “السوديت” في تشيكوسلوفاكيا إبان الحرب العالمية الثانية، حين أُلحقت المنطقة بألمانيا النازية عنوة، ما يدلل على أن نموذج “Urbicide” بهذا المعنى لم يُسجّل تاريخيًا إلا في حالات بالغة الخطورة، ومنها ما ارتكبه النازيون هناك. والمفارقة التي تُستعاد أن النظام النازي سقط، وألمانيا قُسمت ثم أعيد توحيدها، وأوروبا نفسها توحّدت، ومع ذلك بقيت قضية السوديت موضع جدل، فيما استندت إحدى الحجج إلى أنها كانت أساسًا أرضًا ألمانية وليست أرضًا احتلها النازيون.

أما المعطى الثالث، والأشد إحراجا للبنان، فيتمثل في أن الفاتيكان، خلال تعاطيه مع المسؤولين اللبنانيين، زمنيًا وكنسيًا، لم يلحظ وجود القلق نفسه لديهم. والأخطر أن هؤلاء المسؤولين، عندما فُوتِحوا باحتمال استقدام المستوطنين وتثبيتهم في الجنوب، لم يقدموا جوابًا مقنعًا عن كيفية مواجهة هذا السيناريو إذا وقع، أو كيف يمكن التعامل معه بعدما يصبح واقعًا قائمًا”.

لذلك، لا تبدو المسألة في القراءة الفاتيكانية محصورة في سؤال عن وقف إطلاق النار أو انسحاب عسكري. السؤال الأبعد هو: ماذا يحدث إذا جرى تدمير المكان، وتغيير سكانه، ثم تبدلت الظروف الدولية؟ عندها قد يجد لبنان نفسه أمام معركة ليست لاستعادة أرض محتلة فحسب، بل لإثبات أن هذه الأرض كانت، وما زالت، أرضًا لبنانية لا يجوز تحويلها، بالقوة والديموغرافيا والوقت، إلى أرض يُعاد تعريف أصحابها. وهذا تحديدًا هو الخطر الذي يخشى الفاتيكان أن يكتشف لبنان والعالم حجمه بعد فوات الأوان.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار