قصة علي الطاهر وما بعدها: صفقة أم حرب مستمرة؟

منذ بداية معركة علي الطاهر وحتى نهايتها بالانفجار الهائل الذي دمّر جزءاً كبيراً من منشآتها وأنفاقها، رُسمت سيناريوهات كثيرة حول ما جرى فعلاً في تلك التلة. بعضها بقي في إطار القراءة العسكرية لمسار معركة امتدت أسابيع، وبعضها ذهب أبعد، إلى الحديث عن تسوية أو صفقة سمحت بخروج قيادات وعناصر من الحرس الثوري الإيراني من المنشأة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية.لا شيء حتى الآن يؤكد حصول صفقة من هذا النوع. لكن السؤال بقي مطروحاً: كيف انتهت معركة بدأت بتعهد حزب الله بعدم التخلي عن التلة والقتال فيها حتى النهاية، بخروج القسم الأكبر ممن كانوا داخلها، وبينهم إيرانيون، قبل أن يسيطر الإسرائيليون عليها ويفجروها؟
لفهم ما حصل، لا بد من العودة إلى بداية القصة، إلى اللحظة التي وصلت فيها القوات الإسرائيلية إلى قلعة الشقيف. من هناك، وضع الإسرائيليون أعينهم على علي الطاهر. كانوا يعرفون أن الأمر لا يتعلق بتلة عسكرية عادية، بل بمنشأة واسعة تحت الأرض، تضم أنفاقاً وممرات ومراكز ومخازن، وترتبط على الأرجح بشبكة تتجاوز حدود التلة نفسها. لذلك لم يبدأ الهجوم باقتحام مباشر، بل بعملية طويلة هدفت أولاً إلى كشف أسرار الموقع.
نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات كبيرة في محيط قلعة الشقيف، كما في دير ميماس وكفرتبنيت. وبدأت مجموعات منها تتسلل باتجاه محيط علي الطاهر، فيما أرسلت آليات يتم التحكم بها عن بعد للاستكشاف واكتشاف المداخل والتحصينات. وفي مرحلة لاحقة، دفعت إسرائيل بهذه الآليات أكثر باتجاه التلة نفسها، فاستهدف حزب الله إحداها. كان الإسرائيليون يحاولون رسم خريطة لما تحت الأرض قبل أن يدخلوا إليه.
في المقابل، كان حزب الله لا يزال متمسكاً بالموقع. وفي اليوم الأخير من الحرب، وقبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حاولت إسرائيل التقدم نحو المنشأة تحت غطاء ناري كثيف. خاض الحزب يومها قتالاً شرساً وأطلق مئات الصواريخ والمسيّرات في محاولة لمنع القوات الإسرائيلية من الوصول إليها. لم تسقط علي الطاهر يومها.
لكن بعد وقف إطلاق النار، ومع دخول الضغط الأميركي على خط منع التصعيد الواسع، تغير الأسلوب الإسرائيلي. بدلاً من محاولة اقتحام المنشأة دفعة واحدة، انتقلت إسرائيل إلى استراتيجية القضم التدريجي: تضييق المساحة المحيطة بها، قطع طرق الإمداد، استطلاع المداخل، التقدم نحوها، ثم الانتقال إلى المدخل التالي.وفي الوقت نفسه، كانت تجري محاولات لإيجاد تسوية تجنب الوصول إلى النهاية العسكرية.
التفاوض تحت النار
كان البحث عن صفقة أو صيغة ما يجري بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، لا بدلاً منها. إحدى الصيغ التي جرى تداولها كانت تقضي بخروج حزب الله من علي الطاهر وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني. لكن الجيش، بحسب المعلومات، طالب بضمانات واضحة بألا تدخل إسرائيل إلى المنشأة بعد تسلمها. إسرائيل لم تقدم هذه الضمانات.
فشلت الصيغة. إذ تقول مصادر متابعة للموقف الرسمي اللبناني إن لا مؤشرات لديها إلى حصول صفقة سرية لاحقاً. على العكس، تؤكد أن كل الصيغ التي طُرحت انتهت إلى طريق مسدود.في إحدى المراحل، اقترح حزب الله دخول الجيش اللبناني إلى المنشأة، على أن يبقى عناصر الحزب فيها الأمر الذي رفضه لبنان كما رفضته إسرائيل. الجانب الإسرائيلي، فكان مصراً على أن تدخل قواته بنفسها إلى علي الطاهر وأن تدمر المنشأة وما فيها. وكان تقديره أن الجيش اللبناني لا يملك، من وجهة النظر الإسرائيلية، النية أو القدرة على تدمير سلاح حزب الله الموجود فيها وتفجير البنية العسكرية تحت الأرض.
وهكذا، بينما كانت الاتصالات تبحث عن مخرج، كان الطوق العسكري يضيق.بعد مرحلة الاستطلاع والآليات التي يتم التحكم بها عن بعد، انتقلت القوات الإسرائيلية إلى خطوة أكثر تقدماً. تحركت قوات عسكرية من الجهة الجنوبية الشرقية، أي من كفرتبنيت، باتجاه طريق التفافية تشرف على منطقتي الخردلي والجرمق. ومن خلال هذه الحركة الالتفافية، تمكن الإسرائيليون من الاقتراب أكثر من قلب المنشأة والوصول إلى مدخلي نفقين. لكن قبل أن يكتمل تطويق علي الطاهر، كانت القوات الإسرائيلية قد حاولت الدخول إلى باطنها. بحسب المعلومات، نفذت وحدات كوماندوس إسرائيلية عمليتين داخل شبكة الأنفاق قبل الدخول الكامل إلى المنشأة.
في المرة الأولى، دخلت قوة إسرائيلية إلى نفق من جهة كفرتبنيت، واشتبكت في داخله مع مجموعة من حزب الله. أسفر الاشتباك عن سقوط مقاتلين من الحزب، وتمكن الإسرائيليون من أسر جثث عدد منهم وأخذها معهم.
أما العملية الثانية، فكانت من مدخل آخر، في الجهة الشرقية المشرفة على الجرمق. دخلت قوة كوماندوس إسرائيلية ووقع اشتباك جديد. وخلاله، أصيب مستشاران عسكريان إيرانيان كانا موجودين في المنطقة. لكن حزب الله تمكن من إخراجهما. وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة في محاولة إعادة تركيب ما حدث لاحقاً. فبعدها، ترجح المعلومات أن عملية إخراج الإيرانيين وعدد كبير من مقاتلي الحزب من المنطقة تسارعت.
أربعون رجلاً داخل المنشأة
بحسب التقديرات الأمنية، كان يوجد في إحدى مراحل المعركة نحو أربعين عنصراً داخل منشأة علي الطاهر، غالبيتهم من اللبنانيين، إضافة إلى عدد محدود من الإيرانيين. قُتل نحو خمسة عشر عنصراً خلال المواجهات، فيما تمكن الآخرون من المغادرة على مراحل. لم يكن الإسرائيليون قد اكتشفوا كل مداخل الشبكة. وبينما كانوا يتقدمون من جهة ويغلقون ممراً أو مدخلاً، كان حزب الله لا يزال قادراً على استخدام مداخل ومخارج أخرى.وفي بعض الأحيان، اضطر الحزب إلى إطلاق مسيّرات باتجاه القوات الإسرائيلية لإشغالها، وفتح نافذة تسمح بخروج عدد من مقاتليه.
في إحدى المراحل الأولى، تمكن عناصر من الحزب من الخروج من جهة كفررمان. وبعد اكتشاف الإسرائيليين أن هذه المنطقة تستخدم ممراً للخروج، تعرضت كفررمان ودوحة كفررمان لغارات عنيفة. وخرج آخرون لاحقاً عبر مسالك مختلفة. لكن الخروج من علي الطاهر لم يكن يعني بالضرورة النجاة. فقد عادت إسرائيل واستهدفت عدداً ممن خرجوا من المنطقة في عمليات اغتيال في أنصار ودير الزهراني وكفررمان. أما عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين كانوا في المنشأة، فتمكنوا بدورهم من المغادرة. وبحسب المعلومات، لم يحصل خروجهم عبر المداخل التي أصبحت تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، بل عبر منافذ أخرى ظلت في يد حزب الله ولم يكن الإسرائيليون قد اكتشفوها بعد.
هل حصلت صفقة؟
أصحاب فرضية الصفقة ينطلقون من سؤال بسيط: إذا كانت إسرائيل قد أحكمت تدريجياً حصارها على علي الطاهر، فكيف تمكن الإيرانيون ومعهم عدد من مقاتلي الحزب من الخروج؟ لا توجد معلومات حاسمة تثبت أن الجواب هو «صفقة». لكن أصحاب هذا الرأي يربطون ما حصل على الأرض بسياق سياسي كان يتحرك بالتوازي مع المعركة.
في تلك الفترة، كانت قنوات التفاوض الإيرانية ـ الأميركية قد بدأت تتحرك. وفي الوقت نفسه، كان الحديث يتزايد عن تفاوض غير مباشر بين الأميركيين وحزب الله.وكان المبعوث الأميركي توم باراك قد تحدث عن استحالة الوصول إلى تسوية في ملف سلاح حزب الله من دون وجود إيران والحزب على الطاولة. وبالنسبة إلى أصحاب هذه القراءة، لعبت تركيا دوراً أساسياً في الاتصالات غير المباشرة ونقل الرسائل بين حزب الله والأميركيين.
ثم جاءت تصريحات السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي قال إن الولايات المتحدة تريد من حزب الله أن يقدم تنازلات وأن يسلم سلاحه. تزامن هذا الكلام مع كثرة الحديث عن مساعٍ لإيجاد تسوية خاصة بعلي الطاهر، وعن الصيغة التي كانت تقضي بخروج الحزب وتسليم المنشأة إلى الجيش اللبناني، قبل أن تفشل بسبب غياب الضمانات الإسرائيلية. وهو ما تزامن أيضاً مع إعلان اسرائيل استرداد جثة جندي إسرائيلي قتل في معركة السلطان يعقوب سنة 1982. كل هذه العناصر، بالنسبة إلى أصحاب فرضية الصفقة، ليست دليلاً، لكنها تشكل مجموعة شواهد تجعلهم يتساءلون عما إذا كانت هناك قناة أخرى انتهت إلى تأمين خروج من كان داخل المنشأة، وخصوصاً الإيرانيين، قبل دخول الإسرائيليين إليها.
لكن في الجانب المقابل، ثمة رواية مختلفة تماماً. مصادر قريبة من حزب الله تستبعد حصول صفقة بهذا الشكل، وتعتبر أن منطق الأحداث نفسه يناقضها.وتقول هذه المصادر إن الحزب وإيران لا يمكن أن يقبلا، في هذا التوقيت تحديداً، بترتيب يؤدي إلى نتيجة تمنح بنيامين نتنياهو انتصاراً عسكرياً وسياسياً بهذا الحجم: السيطرة على واحدة من أبرز منشآت حزب الله المرتبطة بالدعم الإيراني، دخولها، ثم تفجيرها والإعلان عن تدميرها، وكل ذلك فيما إسرائيل مقبلة على استحقاقات انتخابية.
تستبعد المصادر أن يقدّم حزب الله أو إيران إلى نتنياهو مشهداً كهذا ويمنحانه ورقة يستخدمها كإنجاز أمام الإسرائيليين؟ وتستند أيضاً إلى ما جرى خلال محاولات التفاوض السابقة. فحزب الله، وفق هذه الرواية، لم يقبل أصلاً بصيغة تقضي بأن يخرج من موقع عسكري ويسلمه إلى إسرائيل. وحتى الصيغة التي كانت تقضي بتسليمه إلى الجيش اللبناني لم تصل إلى نتيجة.
وتضيف المصادر أن المسألة لم تكن مجرد موقف سياسي صادر عن القيادة. فحتى عندما بدأت إمكانات الخروج تضيق، رفض بعض المقاتلين مغادرة الموقع، وقرروا البقاء والقتال حتى النهاية. بالنسبة إلى هذه المصادر، ما حصل لم يكن صفقة، بل انسحاباً عسكرياً تدريجياً من منشأة تتعرض لحصار متواصل. من استطاع الخروج عبر الممرات التي بقيت مفتوحة خرج، فيما بقي آخرون وقاتلوا.
شبكة أكبر من علي الطاهر
وقد يكون تركيب شبكة الأنفاق نفسها مفتاحاً أساسياً لفهم كيفية حصول عمليات الخروج. فالمنشأة، بحسب المعلومات، لم تكن محصورة في باطن تلة علي الطاهر. أحد مداخلها يمتد شمالاً باتجاه الجرمق، فيما تشير المعطيات إلى وجود امتدادات أخرى في المنطقة المقابلة لإقليم التفاح، وما بين سجد وعرب صاليم.وفي هذه المنطقة يقع أوتوستراد واسع يربط النبطية بمرجعيون عبر كفررمان. يقع الطريق شمال علي الطاهر وجنوب الجرمق والخردلي. هذا الأوتوستراد عمل الإيرانيون على إنشائه بعد حرب تموز 2006.
وتطرح تقديرات أمنية احتمال أن يكون تصميم بعض أجزائه قد أخذ في الاعتبار منذ البداية وجود مداخل لأنفاق تربط علي الطاهر بأطراف جبل الريحان وإقليم التفاح. وإذا صح ذلك، فقد يكون أحد هذه المداخل هو الذي استخدمه حزب الله لإخراج مقاتلين وإيرانيين من المنشأة فيما كان الإسرائيليون يغلقون المنافذ الأخرى.بذلك، لم يكن المطلوب من الحزب كسر الحصار الإسرائيلي كاملاً، بل الوصول إلى مخارج الشبكة قبل أن يكتشفها الإسرائيليون.
الحلقة الأخيرة
مع استمرار القضم، وصلت العملية الإسرائيلية إلى مرحلتها الرابعة والأخيرة. تقدمت القوات إلى داخل علي الطاهر، بالتوازي مع غارات جوية وعمليات تفجير استهدفت الأبنية المحيطة بالمنطقة. وأحكم الإسرائيليون الطوق على التلة من مختلف الجهات، قبل أن يبدأوا العمل داخل الأنفاق التي تمكنوا من اكتشافها. عندها، لم يعد الهدف السيطرة على المنشأة فقط، بل تدميرها.
فجّرت القوات الإسرائيلية مساحة من الأنفاق تمتد لنحو كيلومترين. ولم تكن هذه الأنفاق عبارة عن خط مستقيم تحت الأرض، بل عن شبكة كثيرة التعرجات والتفرعات، ما ضاعف قوة الانفجارات والدمار الذي أصاب المنشأة. هكذا، انتهت معركة استمرت أسابيع بانفجار احتاج إلى ثوانٍ فقط لمحو جزء كبير مما بُني تحت الأرض خلال سنوات.
لكن حتى بعد الانفجار، بقي السؤال الذي رافق الساعات الأخيرة للمعركة بلا جواب قاطع: هل كان خروج الإيرانيين ومقاتلي الحزب نتيجة تفاهم ما، أم أنهم استفادوا ببساطة من شبكة لم يتمكن الإسرائيليون من كشفها كاملة إلا بعد فوات الأوان؟ حتى الآن، لا توجد قرائن كافية لحسم هذا السؤال. لكن هناك سؤالاً آخر بدأ يفرض نفسه بسرعة أكبر: ماذا بعد علي الطاهر؟ هل يكون الاتجاه نحو إقليم التفاح؟
رغم التسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن رغبة في الانسحاب من المنطقة، فإن الوقائع والمعطيات الميدانية المتوافرة لا تشير، وفق المعلومات، إلى أن إسرائيل تتجه إلى مغادرتها قريباً. على العكس، تفيد المعطيات بأنها تعمل على تثبيت نقاط لها في المنطقة، بالتوازي مع التحضير لعملية جديدة. ومن المتوقع تنفيذ المزيد من عمليات التفجير في بعض الممرات والأنفاق المتصلة بعلي الطاهر، إضافة إلى تلة الدبشة وتلة الطهرة.
هناك نية إسرائيلية، بحسب المعلومات، للتقدم باتجاه تلة السويدا التابعة لعرب صاليم، وكذلك باتجاه تلة البرج. والتلتان تشكلان امتداداً جغرافياً لعلي الطاهر، لكنهما تتمتعان بأهمية إضافية لأنهما تشرفان على إقليم التفاح.كذلك، يتوقع أن تستكمل القوات الإسرائيلية عملياتها في النبطية الفوقا، وأن تواصل الضغط باتجاه الجبل الرفيع عبر الغارات.
فإذا كان الهدف الإسرائيلي يقتصر على إسقاط المنشأة وتدمير أنفاقها، يكون الانفجار الكبير قد وضع نقطة النهاية لمعركة استمرت أسابيع. أما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستثبت مواقعها وتتقدم نحو السويدا والبرج وتواصل الضغط على الجبل الرفيع، فإن علي الطاهر تصبح شيئاً آخر: نقطة انطلاق نحو عمق جغرافي جديد، الأنظار الآن تتركز على ما ستفعله إسرائيل في منطقة علي الطاهر ومحيطها، وإذا كان ذلك سيمهد لمعركة جديدة باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان.
قصة علي الطاهر وما بعدها: صفقة أم حرب مستمرة؟

منذ بداية معركة علي الطاهر وحتى نهايتها بالانفجار الهائل الذي دمّر جزءاً كبيراً من منشآتها وأنفاقها، رُسمت سيناريوهات كثيرة حول ما جرى فعلاً في تلك التلة. بعضها بقي في إطار القراءة العسكرية لمسار معركة امتدت أسابيع، وبعضها ذهب أبعد، إلى الحديث عن تسوية أو صفقة سمحت بخروج قيادات وعناصر من الحرس الثوري الإيراني من المنشأة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية.لا شيء حتى الآن يؤكد حصول صفقة من هذا النوع. لكن السؤال بقي مطروحاً: كيف انتهت معركة بدأت بتعهد حزب الله بعدم التخلي عن التلة والقتال فيها حتى النهاية، بخروج القسم الأكبر ممن كانوا داخلها، وبينهم إيرانيون، قبل أن يسيطر الإسرائيليون عليها ويفجروها؟
لفهم ما حصل، لا بد من العودة إلى بداية القصة، إلى اللحظة التي وصلت فيها القوات الإسرائيلية إلى قلعة الشقيف. من هناك، وضع الإسرائيليون أعينهم على علي الطاهر. كانوا يعرفون أن الأمر لا يتعلق بتلة عسكرية عادية، بل بمنشأة واسعة تحت الأرض، تضم أنفاقاً وممرات ومراكز ومخازن، وترتبط على الأرجح بشبكة تتجاوز حدود التلة نفسها. لذلك لم يبدأ الهجوم باقتحام مباشر، بل بعملية طويلة هدفت أولاً إلى كشف أسرار الموقع.
نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات كبيرة في محيط قلعة الشقيف، كما في دير ميماس وكفرتبنيت. وبدأت مجموعات منها تتسلل باتجاه محيط علي الطاهر، فيما أرسلت آليات يتم التحكم بها عن بعد للاستكشاف واكتشاف المداخل والتحصينات. وفي مرحلة لاحقة، دفعت إسرائيل بهذه الآليات أكثر باتجاه التلة نفسها، فاستهدف حزب الله إحداها. كان الإسرائيليون يحاولون رسم خريطة لما تحت الأرض قبل أن يدخلوا إليه.
في المقابل، كان حزب الله لا يزال متمسكاً بالموقع. وفي اليوم الأخير من الحرب، وقبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حاولت إسرائيل التقدم نحو المنشأة تحت غطاء ناري كثيف. خاض الحزب يومها قتالاً شرساً وأطلق مئات الصواريخ والمسيّرات في محاولة لمنع القوات الإسرائيلية من الوصول إليها. لم تسقط علي الطاهر يومها.
لكن بعد وقف إطلاق النار، ومع دخول الضغط الأميركي على خط منع التصعيد الواسع، تغير الأسلوب الإسرائيلي. بدلاً من محاولة اقتحام المنشأة دفعة واحدة، انتقلت إسرائيل إلى استراتيجية القضم التدريجي: تضييق المساحة المحيطة بها، قطع طرق الإمداد، استطلاع المداخل، التقدم نحوها، ثم الانتقال إلى المدخل التالي.وفي الوقت نفسه، كانت تجري محاولات لإيجاد تسوية تجنب الوصول إلى النهاية العسكرية.
التفاوض تحت النار
كان البحث عن صفقة أو صيغة ما يجري بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، لا بدلاً منها. إحدى الصيغ التي جرى تداولها كانت تقضي بخروج حزب الله من علي الطاهر وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني. لكن الجيش، بحسب المعلومات، طالب بضمانات واضحة بألا تدخل إسرائيل إلى المنشأة بعد تسلمها. إسرائيل لم تقدم هذه الضمانات.
فشلت الصيغة. إذ تقول مصادر متابعة للموقف الرسمي اللبناني إن لا مؤشرات لديها إلى حصول صفقة سرية لاحقاً. على العكس، تؤكد أن كل الصيغ التي طُرحت انتهت إلى طريق مسدود.في إحدى المراحل، اقترح حزب الله دخول الجيش اللبناني إلى المنشأة، على أن يبقى عناصر الحزب فيها الأمر الذي رفضه لبنان كما رفضته إسرائيل. الجانب الإسرائيلي، فكان مصراً على أن تدخل قواته بنفسها إلى علي الطاهر وأن تدمر المنشأة وما فيها. وكان تقديره أن الجيش اللبناني لا يملك، من وجهة النظر الإسرائيلية، النية أو القدرة على تدمير سلاح حزب الله الموجود فيها وتفجير البنية العسكرية تحت الأرض.
وهكذا، بينما كانت الاتصالات تبحث عن مخرج، كان الطوق العسكري يضيق.بعد مرحلة الاستطلاع والآليات التي يتم التحكم بها عن بعد، انتقلت القوات الإسرائيلية إلى خطوة أكثر تقدماً. تحركت قوات عسكرية من الجهة الجنوبية الشرقية، أي من كفرتبنيت، باتجاه طريق التفافية تشرف على منطقتي الخردلي والجرمق. ومن خلال هذه الحركة الالتفافية، تمكن الإسرائيليون من الاقتراب أكثر من قلب المنشأة والوصول إلى مدخلي نفقين. لكن قبل أن يكتمل تطويق علي الطاهر، كانت القوات الإسرائيلية قد حاولت الدخول إلى باطنها. بحسب المعلومات، نفذت وحدات كوماندوس إسرائيلية عمليتين داخل شبكة الأنفاق قبل الدخول الكامل إلى المنشأة.
في المرة الأولى، دخلت قوة إسرائيلية إلى نفق من جهة كفرتبنيت، واشتبكت في داخله مع مجموعة من حزب الله. أسفر الاشتباك عن سقوط مقاتلين من الحزب، وتمكن الإسرائيليون من أسر جثث عدد منهم وأخذها معهم.
أما العملية الثانية، فكانت من مدخل آخر، في الجهة الشرقية المشرفة على الجرمق. دخلت قوة كوماندوس إسرائيلية ووقع اشتباك جديد. وخلاله، أصيب مستشاران عسكريان إيرانيان كانا موجودين في المنطقة. لكن حزب الله تمكن من إخراجهما. وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة في محاولة إعادة تركيب ما حدث لاحقاً. فبعدها، ترجح المعلومات أن عملية إخراج الإيرانيين وعدد كبير من مقاتلي الحزب من المنطقة تسارعت.
أربعون رجلاً داخل المنشأة
بحسب التقديرات الأمنية، كان يوجد في إحدى مراحل المعركة نحو أربعين عنصراً داخل منشأة علي الطاهر، غالبيتهم من اللبنانيين، إضافة إلى عدد محدود من الإيرانيين. قُتل نحو خمسة عشر عنصراً خلال المواجهات، فيما تمكن الآخرون من المغادرة على مراحل. لم يكن الإسرائيليون قد اكتشفوا كل مداخل الشبكة. وبينما كانوا يتقدمون من جهة ويغلقون ممراً أو مدخلاً، كان حزب الله لا يزال قادراً على استخدام مداخل ومخارج أخرى.وفي بعض الأحيان، اضطر الحزب إلى إطلاق مسيّرات باتجاه القوات الإسرائيلية لإشغالها، وفتح نافذة تسمح بخروج عدد من مقاتليه.
في إحدى المراحل الأولى، تمكن عناصر من الحزب من الخروج من جهة كفررمان. وبعد اكتشاف الإسرائيليين أن هذه المنطقة تستخدم ممراً للخروج، تعرضت كفررمان ودوحة كفررمان لغارات عنيفة. وخرج آخرون لاحقاً عبر مسالك مختلفة. لكن الخروج من علي الطاهر لم يكن يعني بالضرورة النجاة. فقد عادت إسرائيل واستهدفت عدداً ممن خرجوا من المنطقة في عمليات اغتيال في أنصار ودير الزهراني وكفررمان. أما عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين كانوا في المنشأة، فتمكنوا بدورهم من المغادرة. وبحسب المعلومات، لم يحصل خروجهم عبر المداخل التي أصبحت تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، بل عبر منافذ أخرى ظلت في يد حزب الله ولم يكن الإسرائيليون قد اكتشفوها بعد.
هل حصلت صفقة؟
أصحاب فرضية الصفقة ينطلقون من سؤال بسيط: إذا كانت إسرائيل قد أحكمت تدريجياً حصارها على علي الطاهر، فكيف تمكن الإيرانيون ومعهم عدد من مقاتلي الحزب من الخروج؟ لا توجد معلومات حاسمة تثبت أن الجواب هو «صفقة». لكن أصحاب هذا الرأي يربطون ما حصل على الأرض بسياق سياسي كان يتحرك بالتوازي مع المعركة.
في تلك الفترة، كانت قنوات التفاوض الإيرانية ـ الأميركية قد بدأت تتحرك. وفي الوقت نفسه، كان الحديث يتزايد عن تفاوض غير مباشر بين الأميركيين وحزب الله.وكان المبعوث الأميركي توم باراك قد تحدث عن استحالة الوصول إلى تسوية في ملف سلاح حزب الله من دون وجود إيران والحزب على الطاولة. وبالنسبة إلى أصحاب هذه القراءة، لعبت تركيا دوراً أساسياً في الاتصالات غير المباشرة ونقل الرسائل بين حزب الله والأميركيين.
ثم جاءت تصريحات السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي قال إن الولايات المتحدة تريد من حزب الله أن يقدم تنازلات وأن يسلم سلاحه. تزامن هذا الكلام مع كثرة الحديث عن مساعٍ لإيجاد تسوية خاصة بعلي الطاهر، وعن الصيغة التي كانت تقضي بخروج الحزب وتسليم المنشأة إلى الجيش اللبناني، قبل أن تفشل بسبب غياب الضمانات الإسرائيلية. وهو ما تزامن أيضاً مع إعلان اسرائيل استرداد جثة جندي إسرائيلي قتل في معركة السلطان يعقوب سنة 1982. كل هذه العناصر، بالنسبة إلى أصحاب فرضية الصفقة، ليست دليلاً، لكنها تشكل مجموعة شواهد تجعلهم يتساءلون عما إذا كانت هناك قناة أخرى انتهت إلى تأمين خروج من كان داخل المنشأة، وخصوصاً الإيرانيين، قبل دخول الإسرائيليين إليها.
لكن في الجانب المقابل، ثمة رواية مختلفة تماماً. مصادر قريبة من حزب الله تستبعد حصول صفقة بهذا الشكل، وتعتبر أن منطق الأحداث نفسه يناقضها.وتقول هذه المصادر إن الحزب وإيران لا يمكن أن يقبلا، في هذا التوقيت تحديداً، بترتيب يؤدي إلى نتيجة تمنح بنيامين نتنياهو انتصاراً عسكرياً وسياسياً بهذا الحجم: السيطرة على واحدة من أبرز منشآت حزب الله المرتبطة بالدعم الإيراني، دخولها، ثم تفجيرها والإعلان عن تدميرها، وكل ذلك فيما إسرائيل مقبلة على استحقاقات انتخابية.
تستبعد المصادر أن يقدّم حزب الله أو إيران إلى نتنياهو مشهداً كهذا ويمنحانه ورقة يستخدمها كإنجاز أمام الإسرائيليين؟ وتستند أيضاً إلى ما جرى خلال محاولات التفاوض السابقة. فحزب الله، وفق هذه الرواية، لم يقبل أصلاً بصيغة تقضي بأن يخرج من موقع عسكري ويسلمه إلى إسرائيل. وحتى الصيغة التي كانت تقضي بتسليمه إلى الجيش اللبناني لم تصل إلى نتيجة.
وتضيف المصادر أن المسألة لم تكن مجرد موقف سياسي صادر عن القيادة. فحتى عندما بدأت إمكانات الخروج تضيق، رفض بعض المقاتلين مغادرة الموقع، وقرروا البقاء والقتال حتى النهاية. بالنسبة إلى هذه المصادر، ما حصل لم يكن صفقة، بل انسحاباً عسكرياً تدريجياً من منشأة تتعرض لحصار متواصل. من استطاع الخروج عبر الممرات التي بقيت مفتوحة خرج، فيما بقي آخرون وقاتلوا.
شبكة أكبر من علي الطاهر
وقد يكون تركيب شبكة الأنفاق نفسها مفتاحاً أساسياً لفهم كيفية حصول عمليات الخروج. فالمنشأة، بحسب المعلومات، لم تكن محصورة في باطن تلة علي الطاهر. أحد مداخلها يمتد شمالاً باتجاه الجرمق، فيما تشير المعطيات إلى وجود امتدادات أخرى في المنطقة المقابلة لإقليم التفاح، وما بين سجد وعرب صاليم.وفي هذه المنطقة يقع أوتوستراد واسع يربط النبطية بمرجعيون عبر كفررمان. يقع الطريق شمال علي الطاهر وجنوب الجرمق والخردلي. هذا الأوتوستراد عمل الإيرانيون على إنشائه بعد حرب تموز 2006.
وتطرح تقديرات أمنية احتمال أن يكون تصميم بعض أجزائه قد أخذ في الاعتبار منذ البداية وجود مداخل لأنفاق تربط علي الطاهر بأطراف جبل الريحان وإقليم التفاح. وإذا صح ذلك، فقد يكون أحد هذه المداخل هو الذي استخدمه حزب الله لإخراج مقاتلين وإيرانيين من المنشأة فيما كان الإسرائيليون يغلقون المنافذ الأخرى.بذلك، لم يكن المطلوب من الحزب كسر الحصار الإسرائيلي كاملاً، بل الوصول إلى مخارج الشبكة قبل أن يكتشفها الإسرائيليون.
الحلقة الأخيرة
مع استمرار القضم، وصلت العملية الإسرائيلية إلى مرحلتها الرابعة والأخيرة. تقدمت القوات إلى داخل علي الطاهر، بالتوازي مع غارات جوية وعمليات تفجير استهدفت الأبنية المحيطة بالمنطقة. وأحكم الإسرائيليون الطوق على التلة من مختلف الجهات، قبل أن يبدأوا العمل داخل الأنفاق التي تمكنوا من اكتشافها. عندها، لم يعد الهدف السيطرة على المنشأة فقط، بل تدميرها.
فجّرت القوات الإسرائيلية مساحة من الأنفاق تمتد لنحو كيلومترين. ولم تكن هذه الأنفاق عبارة عن خط مستقيم تحت الأرض، بل عن شبكة كثيرة التعرجات والتفرعات، ما ضاعف قوة الانفجارات والدمار الذي أصاب المنشأة. هكذا، انتهت معركة استمرت أسابيع بانفجار احتاج إلى ثوانٍ فقط لمحو جزء كبير مما بُني تحت الأرض خلال سنوات.
لكن حتى بعد الانفجار، بقي السؤال الذي رافق الساعات الأخيرة للمعركة بلا جواب قاطع: هل كان خروج الإيرانيين ومقاتلي الحزب نتيجة تفاهم ما، أم أنهم استفادوا ببساطة من شبكة لم يتمكن الإسرائيليون من كشفها كاملة إلا بعد فوات الأوان؟ حتى الآن، لا توجد قرائن كافية لحسم هذا السؤال. لكن هناك سؤالاً آخر بدأ يفرض نفسه بسرعة أكبر: ماذا بعد علي الطاهر؟ هل يكون الاتجاه نحو إقليم التفاح؟
رغم التسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن رغبة في الانسحاب من المنطقة، فإن الوقائع والمعطيات الميدانية المتوافرة لا تشير، وفق المعلومات، إلى أن إسرائيل تتجه إلى مغادرتها قريباً. على العكس، تفيد المعطيات بأنها تعمل على تثبيت نقاط لها في المنطقة، بالتوازي مع التحضير لعملية جديدة. ومن المتوقع تنفيذ المزيد من عمليات التفجير في بعض الممرات والأنفاق المتصلة بعلي الطاهر، إضافة إلى تلة الدبشة وتلة الطهرة.
هناك نية إسرائيلية، بحسب المعلومات، للتقدم باتجاه تلة السويدا التابعة لعرب صاليم، وكذلك باتجاه تلة البرج. والتلتان تشكلان امتداداً جغرافياً لعلي الطاهر، لكنهما تتمتعان بأهمية إضافية لأنهما تشرفان على إقليم التفاح.كذلك، يتوقع أن تستكمل القوات الإسرائيلية عملياتها في النبطية الفوقا، وأن تواصل الضغط باتجاه الجبل الرفيع عبر الغارات.
فإذا كان الهدف الإسرائيلي يقتصر على إسقاط المنشأة وتدمير أنفاقها، يكون الانفجار الكبير قد وضع نقطة النهاية لمعركة استمرت أسابيع. أما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستثبت مواقعها وتتقدم نحو السويدا والبرج وتواصل الضغط على الجبل الرفيع، فإن علي الطاهر تصبح شيئاً آخر: نقطة انطلاق نحو عمق جغرافي جديد، الأنظار الآن تتركز على ما ستفعله إسرائيل في منطقة علي الطاهر ومحيطها، وإذا كان ذلك سيمهد لمعركة جديدة باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان.









