العائلات الشيعية قُمعت حدّ التلاشي… هل يعود الحراك إلى طائفة اختُصرت بـ “ثنائي” لا ثالث له؟

نبحثُ في أسماء العائلات الشيعية العريقة. نفتش كثيرًا عن عائلات شيعية “زعاماتية” تاريخية: عن آل الأسعد، الزّين، الصّدر، الأمين، الصّلح، حمود، حيدر، الحسيني، شمس الدين… نستقصي عن أدوارٍ حقيقيةٍ جديدةٍ لها بلا “منّة” من الممسكين اليوم برقاب البيئة والطائفة. عبثًا. على مدى عقود، تبدّلت كل الصورة واختُصرت في “ثنائي” يفترض أن لا ثالث له. نعم، غاب آل الصلح وآل الزين وآل الحسيني وآل الصدر وآل السبع عن المشهدية والقرار. وورث ما سُمّي بـ “الثنائي الشيعي” مواقع السلطة من الأسر السياسية الشيعية. فهل استقامت بذلك الحركة السياسية الشيعيّة؟ فلنفتح هذا الملف بشفافية، بلا قفازات، ومن دون “ضحك على الذقون”:
لطالما لفت نظر الآخرين تفاعل حزب الله وحركة أمل مع العائلات السياسية غير الشيعية. مع آل فرنجية وآل جنبلاط وآل كرامي… ولطالما باركوا توريث وليد جنبلاط عباءته السياسية الدرزية إلى ابنه تيمور، ولطالما صفّقوا لنيابة طوني ابن سليمان فرنجية، وارتاحوا لحضور فيصل ابن عمر كرامي. بكلامٍ آخر، من قالوا إنهم يقارعون الإقطاع باركوه في غير ملّتهم وحاولوا القضاء عليه داخلها. والسؤال، طالما من حقّ وليد جنبلاط توريث ابنه تيمور فلماذا لم يسمح الثنائي للعائلات الشيعية التاريخية بالتمدّد في التاريخ الشيعي الحديث؟
اليوم، بعد عقود من قمع “العائلات الشيعية السياسية التقليدية” بحجّة قمع “الإقطاعية البغيضة”، هناك من يقف عند حفافي بلدات جنوبية وينادي: “ليت ظلم بني مروان دام لنا / ويا ليت عدل بني العباس في النّار”. ما معناه: ليت ظلم الإقطاع دام، ويا ليت عدل الثنائي في النّار. هذا الكلام يردّده مشايخ وسادة وأبناء وبنات في الطائفة الكريمة.
“ولاد البلد” -من كل الملل والطوائف- ليسوا بالطبع مع التوريث السياسي، لكنّهم، ليسوا مع مَن يسحب الطائفة من رقبتها إلى أي مكان يشاء. فالتنوّع السياسي قد يلجم احتكار القرار. لكن، ما قرره طرف -ظننّاه تحكم بالشيعية السياسية فقط- كاد يسحب البلد -بكامله- من رقبته إلى المجهول. وبالتالي، من أرادوا القضاء على الإقطاع داخل الطائفة الشيعية، استأثروا بالقرار السياسي اللبناني عمومًا وفعلوا ما فعلوه في بلدٍ أصبح في جنباتٍ كثيرة من رماد. وجسّدوا مفهوم الإقطاع السابق، فربطوا الناس بمصالحهم المالية، وهمّشوا الكفاءات الشيعية المستقلة، وجعلوا كل البيئة تنصاع لأمرهم وإلّا… وإلّا مصير لقمان سليم حاضر، ومصير العلامة السيد علي الأمين حاضر، ومصير هاشم السلمان وكل معارض حاضر.
أحد أبناء الطائفة الشيعية، من العائلات المُدرجة سياسيًا، يقول: “تحوّلت الحالات السياسية الموجودة داخل الطائفة الشيعية إلى حالات يمتزج بها السياسي بالتنظيم المسلح، وبالتمويل الخارجي، غاب العنصر السياسي وحده كليًا. فكيف يمكن مع هذه العناصر الثلاثة خلق حالة وطنية؟ كان مستحيلًا خلق مثل هذه الحالة في وقتٍ يتدفّق فيه المال والسلاح إلى مَن يسمّون أنفسهم ساسة ويمارسون سياسة معطياتها إقليمية أكثر بكثير من كونها محلّية. مقاييس العمل السياسي لدى الطائفة الشيعية ارتبطت بالخارج. والتغيير عند الطائفة -واستقامة الأوضاع- لن يتحقّقا إلّا حين يتضاءل دور العامل الإقليمي. والرهان في ذلك يشتدّ اليوم.
في وصايا الإمام محمد مهدي شمس الدين كانت دعوة إلى أن يدمج الشيعة أنفسهم في أقوامهم ومجتمعاتهم وفي أوطانهم وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعًا آخر. وأن يتجنّب الشيعة شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام! فهل من التزم -تحديدًا مَن استأثرا بحقوق الطائفة- بوصايا الإمام؟ سؤال يطرحه الكثير من اللبنانيين ومن الشيعة، بصوتٍ عالٍ، اليوم.
انتقل شيعة لبنان من مرحلة انخراط في الدولة مع السيد موسى الصدر إلى مرحلة مختلفة تمامًا بعد أزمة العام 2005 واستشهاد الرئيس رفيق الحريري. طارت وصايا السيد موسى الصدر مع محاولات حثيثة مارسها حزب الله من أجل ربط الشيعة بالخارج وتقديم كل ما هو إقليمي على ما هو محلي، وطني وداخلي، ومن هنا الإصرار على استمرار المقاومة باستقلالية عن الدولة. السيد موسى الصدر قال: لبنان وطن نهائي، والإصلاحات التي طرحها هدفها كان انخراط الشيعة في النظام وتحولهم، أكثر من هذا، إلى قاعدة النظام.
شتّان ما بين الأمس والحاضر. انتقل الشيعة في لبنان من المساهمة الإيجابية إلى المساهمة السلبية.
شيعيًّا، هناك جهاز حزب الله الذي بات أشبه -شاؤوا الاعتراف أم لا- بعمل دولة صغيرة تشتغل بالسياسة والعسكر والفن والثقافة والمجتمع وعندها أجهزة… في المقابل، هناك حركة شيعية تتمثّل بأمل وهي تتخبّط بأزمة كبيرة لأن جمهورها محتلّ إيديولوجيًا، إلى حدٍّ كبيرٍ، من حزب الله. وهنالك إلى جانب تلك الثنائية الحزبية – الحركية بعض الأصوات الشيعية المختلفة، المستندة أساسًا إلى بيوتات سياسية كبيرة تلاشت، وهي تشعر بأنّها غير ممثّلة ولا تستطيع أن تكون في الشبكة الزبائنية عند أمل أو حزب الله. تلك البيوت الشيعية أُجبرت على التنحّي جانبًا حتّى التلاشي.
يُردّد ابن البيت السياسي الشيعي التاريخي شبه المتلاشي “لا أبالغ إذا قلت إن لسان حال المجتمع الشيعي اليوم -بعد كل ما أصابه من ويلات- يشبه إلى حدّ بعيد حال الشيعة في ظل حكم دولة بني العباس، حيث يصدق عليهم بيت الشعر الشهير الذي يعبّر عن سوء وضع الشيعة وقتذاك، بعد أن اعتبروا أنّ انتهاء حكم الأمويين قد أراحهم، وأنّ حالهم سيتغير، لكن تبيّن غير ذلك: “ليت ظلم بني مروان دام لنا، ويا ليت عدل بني العباس في لبنان”. أي ما معناه “ليت ظلم الإقطاع دام لنا، ويا ليت عدل الثنائي في النار.
حال الطائفة الشيعية اليوم “بالويل”. هنا يتذكر أبناء وبنات البيئة -المثقلين بكل الأحداث الدامية التي جرّوا إليها- حضور ابنة البيت الشيعي المسمّى إقطاعي زينب أحمد بك الأسعد -زوجة صبري بك حمادة- التي كانت قريبةً جدًا من الناس. وصفاتها لم تتوفّر لدى كل من مرّوا لاحقًا كممثلين للطائفة الشيعية. لكن، أين آل حمادة وآل الأسعد اليوم من كل ما يحصل؟
الكلمة اليوم تستمرّ إلى مَن اعتادوا رفع الإصبع وإسكات كل الآخرين. لكن، في البيوتات الشيعية التاريخية مَن عادوا إلى الالتئام في لقاءات تستمر متواضعة لكن -قد تتحوّل بحسب رهانهم إلى مؤثرة- مردّدين: لا توجد مشكلة يحتاج حلّها إلى خيال استثنائي، إلى مبادرة خارج فضاء الأرض، فالكل بات على يقين -لدى البيئة الشيعية المنهكة- أنّ الحلّ لن يكون إلّا في مشروع الدولة اللبنانية الذي يفترض أن ينضوي فيه الجميع. فهل يأتي يوم قريب تعود فيه ديمقراطية الحراك السياسي إلى بيئة تمّ اختصارها في ثنائي لا ثالث له؟
العائلات الشيعية قُمعت حدّ التلاشي… هل يعود الحراك إلى طائفة اختُصرت بـ “ثنائي” لا ثالث له؟

نبحثُ في أسماء العائلات الشيعية العريقة. نفتش كثيرًا عن عائلات شيعية “زعاماتية” تاريخية: عن آل الأسعد، الزّين، الصّدر، الأمين، الصّلح، حمود، حيدر، الحسيني، شمس الدين… نستقصي عن أدوارٍ حقيقيةٍ جديدةٍ لها بلا “منّة” من الممسكين اليوم برقاب البيئة والطائفة. عبثًا. على مدى عقود، تبدّلت كل الصورة واختُصرت في “ثنائي” يفترض أن لا ثالث له. نعم، غاب آل الصلح وآل الزين وآل الحسيني وآل الصدر وآل السبع عن المشهدية والقرار. وورث ما سُمّي بـ “الثنائي الشيعي” مواقع السلطة من الأسر السياسية الشيعية. فهل استقامت بذلك الحركة السياسية الشيعيّة؟ فلنفتح هذا الملف بشفافية، بلا قفازات، ومن دون “ضحك على الذقون”:
لطالما لفت نظر الآخرين تفاعل حزب الله وحركة أمل مع العائلات السياسية غير الشيعية. مع آل فرنجية وآل جنبلاط وآل كرامي… ولطالما باركوا توريث وليد جنبلاط عباءته السياسية الدرزية إلى ابنه تيمور، ولطالما صفّقوا لنيابة طوني ابن سليمان فرنجية، وارتاحوا لحضور فيصل ابن عمر كرامي. بكلامٍ آخر، من قالوا إنهم يقارعون الإقطاع باركوه في غير ملّتهم وحاولوا القضاء عليه داخلها. والسؤال، طالما من حقّ وليد جنبلاط توريث ابنه تيمور فلماذا لم يسمح الثنائي للعائلات الشيعية التاريخية بالتمدّد في التاريخ الشيعي الحديث؟
اليوم، بعد عقود من قمع “العائلات الشيعية السياسية التقليدية” بحجّة قمع “الإقطاعية البغيضة”، هناك من يقف عند حفافي بلدات جنوبية وينادي: “ليت ظلم بني مروان دام لنا / ويا ليت عدل بني العباس في النّار”. ما معناه: ليت ظلم الإقطاع دام، ويا ليت عدل الثنائي في النّار. هذا الكلام يردّده مشايخ وسادة وأبناء وبنات في الطائفة الكريمة.
“ولاد البلد” -من كل الملل والطوائف- ليسوا بالطبع مع التوريث السياسي، لكنّهم، ليسوا مع مَن يسحب الطائفة من رقبتها إلى أي مكان يشاء. فالتنوّع السياسي قد يلجم احتكار القرار. لكن، ما قرره طرف -ظننّاه تحكم بالشيعية السياسية فقط- كاد يسحب البلد -بكامله- من رقبته إلى المجهول. وبالتالي، من أرادوا القضاء على الإقطاع داخل الطائفة الشيعية، استأثروا بالقرار السياسي اللبناني عمومًا وفعلوا ما فعلوه في بلدٍ أصبح في جنباتٍ كثيرة من رماد. وجسّدوا مفهوم الإقطاع السابق، فربطوا الناس بمصالحهم المالية، وهمّشوا الكفاءات الشيعية المستقلة، وجعلوا كل البيئة تنصاع لأمرهم وإلّا… وإلّا مصير لقمان سليم حاضر، ومصير العلامة السيد علي الأمين حاضر، ومصير هاشم السلمان وكل معارض حاضر.
أحد أبناء الطائفة الشيعية، من العائلات المُدرجة سياسيًا، يقول: “تحوّلت الحالات السياسية الموجودة داخل الطائفة الشيعية إلى حالات يمتزج بها السياسي بالتنظيم المسلح، وبالتمويل الخارجي، غاب العنصر السياسي وحده كليًا. فكيف يمكن مع هذه العناصر الثلاثة خلق حالة وطنية؟ كان مستحيلًا خلق مثل هذه الحالة في وقتٍ يتدفّق فيه المال والسلاح إلى مَن يسمّون أنفسهم ساسة ويمارسون سياسة معطياتها إقليمية أكثر بكثير من كونها محلّية. مقاييس العمل السياسي لدى الطائفة الشيعية ارتبطت بالخارج. والتغيير عند الطائفة -واستقامة الأوضاع- لن يتحقّقا إلّا حين يتضاءل دور العامل الإقليمي. والرهان في ذلك يشتدّ اليوم.
في وصايا الإمام محمد مهدي شمس الدين كانت دعوة إلى أن يدمج الشيعة أنفسهم في أقوامهم ومجتمعاتهم وفي أوطانهم وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعًا آخر. وأن يتجنّب الشيعة شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام! فهل من التزم -تحديدًا مَن استأثرا بحقوق الطائفة- بوصايا الإمام؟ سؤال يطرحه الكثير من اللبنانيين ومن الشيعة، بصوتٍ عالٍ، اليوم.
انتقل شيعة لبنان من مرحلة انخراط في الدولة مع السيد موسى الصدر إلى مرحلة مختلفة تمامًا بعد أزمة العام 2005 واستشهاد الرئيس رفيق الحريري. طارت وصايا السيد موسى الصدر مع محاولات حثيثة مارسها حزب الله من أجل ربط الشيعة بالخارج وتقديم كل ما هو إقليمي على ما هو محلي، وطني وداخلي، ومن هنا الإصرار على استمرار المقاومة باستقلالية عن الدولة. السيد موسى الصدر قال: لبنان وطن نهائي، والإصلاحات التي طرحها هدفها كان انخراط الشيعة في النظام وتحولهم، أكثر من هذا، إلى قاعدة النظام.
شتّان ما بين الأمس والحاضر. انتقل الشيعة في لبنان من المساهمة الإيجابية إلى المساهمة السلبية.
شيعيًّا، هناك جهاز حزب الله الذي بات أشبه -شاؤوا الاعتراف أم لا- بعمل دولة صغيرة تشتغل بالسياسة والعسكر والفن والثقافة والمجتمع وعندها أجهزة… في المقابل، هناك حركة شيعية تتمثّل بأمل وهي تتخبّط بأزمة كبيرة لأن جمهورها محتلّ إيديولوجيًا، إلى حدٍّ كبيرٍ، من حزب الله. وهنالك إلى جانب تلك الثنائية الحزبية – الحركية بعض الأصوات الشيعية المختلفة، المستندة أساسًا إلى بيوتات سياسية كبيرة تلاشت، وهي تشعر بأنّها غير ممثّلة ولا تستطيع أن تكون في الشبكة الزبائنية عند أمل أو حزب الله. تلك البيوت الشيعية أُجبرت على التنحّي جانبًا حتّى التلاشي.
يُردّد ابن البيت السياسي الشيعي التاريخي شبه المتلاشي “لا أبالغ إذا قلت إن لسان حال المجتمع الشيعي اليوم -بعد كل ما أصابه من ويلات- يشبه إلى حدّ بعيد حال الشيعة في ظل حكم دولة بني العباس، حيث يصدق عليهم بيت الشعر الشهير الذي يعبّر عن سوء وضع الشيعة وقتذاك، بعد أن اعتبروا أنّ انتهاء حكم الأمويين قد أراحهم، وأنّ حالهم سيتغير، لكن تبيّن غير ذلك: “ليت ظلم بني مروان دام لنا، ويا ليت عدل بني العباس في لبنان”. أي ما معناه “ليت ظلم الإقطاع دام لنا، ويا ليت عدل الثنائي في النار.
حال الطائفة الشيعية اليوم “بالويل”. هنا يتذكر أبناء وبنات البيئة -المثقلين بكل الأحداث الدامية التي جرّوا إليها- حضور ابنة البيت الشيعي المسمّى إقطاعي زينب أحمد بك الأسعد -زوجة صبري بك حمادة- التي كانت قريبةً جدًا من الناس. وصفاتها لم تتوفّر لدى كل من مرّوا لاحقًا كممثلين للطائفة الشيعية. لكن، أين آل حمادة وآل الأسعد اليوم من كل ما يحصل؟
الكلمة اليوم تستمرّ إلى مَن اعتادوا رفع الإصبع وإسكات كل الآخرين. لكن، في البيوتات الشيعية التاريخية مَن عادوا إلى الالتئام في لقاءات تستمر متواضعة لكن -قد تتحوّل بحسب رهانهم إلى مؤثرة- مردّدين: لا توجد مشكلة يحتاج حلّها إلى خيال استثنائي، إلى مبادرة خارج فضاء الأرض، فالكل بات على يقين -لدى البيئة الشيعية المنهكة- أنّ الحلّ لن يكون إلّا في مشروع الدولة اللبنانية الذي يفترض أن ينضوي فيه الجميع. فهل يأتي يوم قريب تعود فيه ديمقراطية الحراك السياسي إلى بيئة تمّ اختصارها في ثنائي لا ثالث له؟








