“باقية باقية باقية”… ثم ماذا؟

“المقاومة باقية باقية باقية ما دام هناك شبر من أرضنا محتل”، قالها مؤخرًا النائب علي عمار خلال جلسة نيابية. وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد تكرار لموقف معروف لـ”حزب الله”. لكن لماذا احتاج النائب إلى تكرار كلمة “باقية” ثلاث مرات؟
في السياسة، التكرار ليس دائمًا مجرد تأكيد. أحيانًا يكون وسيلة لترسيخ فكرة في ذهن الجمهور. وأحيانًا يكشف، بطريقة غير مباشرة، أن هذه الفكرة نفسها أصبحت بحاجة إلى إعادة تأكيد.
لا يمكن بالطبع معرفة الحالة النفسية لسياسي من جملة واحدة. لكن في علم النفس السياسي، عندما يزداد الإصرار على تثبيت فكرة ما، في وقت تصبح فيه موضع نقاش أو منافسة، يمكن أن يكون ذلك مؤشرًا إلى قلق على السردية.
بمعنى آخر: عندما يكون شيء ما راسخًا، لا يحتاج عادة إلى أن تقول إنه “باق” مرة، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة. وهنا تكمن أهمية عبارة علي عمار. على مدى سنوات طويلة، نجح “حزب الله” في ربط مجموعة من الأفكار ببعضها: هناك احتلال أو تهديد إسرائيلي، وبالتالي هناك حاجة إلى المقاومة، وبالتالي يصبح سلاح المقاومة جزءًا من حماية لبنان.
المعادلة كانت بسيطة: الاحتلال يعني المقاومة، والمقاومة تعني حماية لبنان. لكن عبارة “ما دام هناك شبر من أرضنا محتل” تضيف شيئًا مهمًّا إلى هذه المعادلة. فالمقاومة، وفق هذا المنطق، لا ترتبط بظرف موقت، بل تستمر طالما بقي أي جزء من الأرض محتلا. وكلمة “شبر” تجعل نقطة النهاية بعيدة جدًّا، وربما غير محددة أصلا.
وهنا يتحول السؤال.
بدلا من أن يسأل اللبناني: “لماذا يجب أن يبقى سلاح “حزب الله” خارج القرار الحصري للدولة؟”، يصبح السؤال: “كيف يمكن أن تنتهي المقاومة ما دام هناك احتلال؟” قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه ليس كذلك. لأن النقاش ينتقل من سلاح لا شرعي ودور الدولة إلى الاحتلال الإسرائيلي. ومن خلال هذا الانتقال، يصبح تبرير استمرار السلاح مرتبطًا باستمرار المشكلة الخارجية.
وهذا بالضبط ما يجعل المسألة جزءًا من الحرب المعرفية.
الحرب المعرفية لا تعني فقط الأخبار الكاذبة أو التضليل. أحيانًا تكون المعركة حول شيء أكثر أساسية: “من يحدد الإطار الذي نفهم من خلاله المشكلة أصلا؟” فإذا أُقنِع اللبناني بأن المشكلة تفهم من خلال سلسلة بسيطة: الاحتلال أوجد المقاومة، والمقاومة وفرت الحماية، فإن هذا الإطار لا يفرض عليه بالضرورة موقفًا محددًا من سلاح المقاومة، لكنه يجعل بعض الأسئلة تبدو أكثر طبيعية من غيرها. يصبح السؤال مثلا: “كيف نحافظ على القدرة التي وفرت الحماية؟” بينما قد تتراجع أسئلة أخرى إلى الخلفية: من يملك قرار استخدام القوة؟
لكن ماذا يحدث إذا بدأ اللبناني يفصل بين الأمرين؟
قد يقول: نعم، هناك احتلال أو تهديد إسرائيلي، لكن مواجهة هذا التهديد لا تعني بالضرورة أن يبقى هناك سلاح خارج سلطة الدولة. عندها تبدأ السردية القديمة بفقدان شيء من قوتها، أي أنها لم تعد وحدها في الساحة. وأصبح هناك سردية أخرى تزداد حضورًا: حماية لبنان من مسؤولية الدولة، وقرار الحرب والسلم قرار وطني.
ومن هذا المنطلق تصبح “باقية باقية باقية” أكثر من مجرد عبارة سياسية. هي رسالة إلى جمهور “الحزب” بأن المشروع مستمر، وأن المقاومة لم تتراجع. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف أن استمرار هذه الفكرة أصبح يحتاج إلى تأكيد متكرر.
في المقابل، يأتي موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ليضع المسألة أمام اختبار عملي. فأكد في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية أن الدولة مصممة على نزع سلاح “حزب الله”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك يجب أن يتم من دون مواجهة.
فإذا كان الطرف المعني بنزع سلاحه يعلن صراحة أن “المقاومة باقية”، فإن القول إن نزع السلاح سيحصل من دون مواجهة يتطلب أكثر من مجرد النية، بل يحتاج إلى آلية سياسية واضحة تشرح كيف يمكن الانتقال من الواقع القائم إلى النتيجة المطلوبة.
وهنا السؤال ليس استفزازيًّا، إنه ببساطة السؤال الذي تفرضه المعادلة نفسها: في ضوء موقف “حزب الله” المعلن، كيف سيتمكن الرئيس من نزع سلاح “حزب الله” من دون مواجهة؟ ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة، ليس فقط قدرة الدولة على إعلان ما تريد، بل قدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى واقع، من دون أن تدخل البلاد في مواجهة جديدة.
وفي هذه المساحة تحديدًا، قد تكون المعركة المقبلة أكثر من معركة على السلاح، إنها معركة على من يملك القرار، ومن يملك تفسير معنى المقاومة، ومن يحدد في النهاية مستقبلها.
“باقية باقية باقية”… ثم ماذا؟

“المقاومة باقية باقية باقية ما دام هناك شبر من أرضنا محتل”، قالها مؤخرًا النائب علي عمار خلال جلسة نيابية. وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد تكرار لموقف معروف لـ”حزب الله”. لكن لماذا احتاج النائب إلى تكرار كلمة “باقية” ثلاث مرات؟
في السياسة، التكرار ليس دائمًا مجرد تأكيد. أحيانًا يكون وسيلة لترسيخ فكرة في ذهن الجمهور. وأحيانًا يكشف، بطريقة غير مباشرة، أن هذه الفكرة نفسها أصبحت بحاجة إلى إعادة تأكيد.
لا يمكن بالطبع معرفة الحالة النفسية لسياسي من جملة واحدة. لكن في علم النفس السياسي، عندما يزداد الإصرار على تثبيت فكرة ما، في وقت تصبح فيه موضع نقاش أو منافسة، يمكن أن يكون ذلك مؤشرًا إلى قلق على السردية.
بمعنى آخر: عندما يكون شيء ما راسخًا، لا يحتاج عادة إلى أن تقول إنه “باق” مرة، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة. وهنا تكمن أهمية عبارة علي عمار. على مدى سنوات طويلة، نجح “حزب الله” في ربط مجموعة من الأفكار ببعضها: هناك احتلال أو تهديد إسرائيلي، وبالتالي هناك حاجة إلى المقاومة، وبالتالي يصبح سلاح المقاومة جزءًا من حماية لبنان.
المعادلة كانت بسيطة: الاحتلال يعني المقاومة، والمقاومة تعني حماية لبنان. لكن عبارة “ما دام هناك شبر من أرضنا محتل” تضيف شيئًا مهمًّا إلى هذه المعادلة. فالمقاومة، وفق هذا المنطق، لا ترتبط بظرف موقت، بل تستمر طالما بقي أي جزء من الأرض محتلا. وكلمة “شبر” تجعل نقطة النهاية بعيدة جدًّا، وربما غير محددة أصلا.
وهنا يتحول السؤال.
بدلا من أن يسأل اللبناني: “لماذا يجب أن يبقى سلاح “حزب الله” خارج القرار الحصري للدولة؟”، يصبح السؤال: “كيف يمكن أن تنتهي المقاومة ما دام هناك احتلال؟” قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه ليس كذلك. لأن النقاش ينتقل من سلاح لا شرعي ودور الدولة إلى الاحتلال الإسرائيلي. ومن خلال هذا الانتقال، يصبح تبرير استمرار السلاح مرتبطًا باستمرار المشكلة الخارجية.
وهذا بالضبط ما يجعل المسألة جزءًا من الحرب المعرفية.
الحرب المعرفية لا تعني فقط الأخبار الكاذبة أو التضليل. أحيانًا تكون المعركة حول شيء أكثر أساسية: “من يحدد الإطار الذي نفهم من خلاله المشكلة أصلا؟” فإذا أُقنِع اللبناني بأن المشكلة تفهم من خلال سلسلة بسيطة: الاحتلال أوجد المقاومة، والمقاومة وفرت الحماية، فإن هذا الإطار لا يفرض عليه بالضرورة موقفًا محددًا من سلاح المقاومة، لكنه يجعل بعض الأسئلة تبدو أكثر طبيعية من غيرها. يصبح السؤال مثلا: “كيف نحافظ على القدرة التي وفرت الحماية؟” بينما قد تتراجع أسئلة أخرى إلى الخلفية: من يملك قرار استخدام القوة؟
لكن ماذا يحدث إذا بدأ اللبناني يفصل بين الأمرين؟
قد يقول: نعم، هناك احتلال أو تهديد إسرائيلي، لكن مواجهة هذا التهديد لا تعني بالضرورة أن يبقى هناك سلاح خارج سلطة الدولة. عندها تبدأ السردية القديمة بفقدان شيء من قوتها، أي أنها لم تعد وحدها في الساحة. وأصبح هناك سردية أخرى تزداد حضورًا: حماية لبنان من مسؤولية الدولة، وقرار الحرب والسلم قرار وطني.
ومن هذا المنطلق تصبح “باقية باقية باقية” أكثر من مجرد عبارة سياسية. هي رسالة إلى جمهور “الحزب” بأن المشروع مستمر، وأن المقاومة لم تتراجع. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف أن استمرار هذه الفكرة أصبح يحتاج إلى تأكيد متكرر.
في المقابل، يأتي موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ليضع المسألة أمام اختبار عملي. فأكد في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية أن الدولة مصممة على نزع سلاح “حزب الله”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك يجب أن يتم من دون مواجهة.
فإذا كان الطرف المعني بنزع سلاحه يعلن صراحة أن “المقاومة باقية”، فإن القول إن نزع السلاح سيحصل من دون مواجهة يتطلب أكثر من مجرد النية، بل يحتاج إلى آلية سياسية واضحة تشرح كيف يمكن الانتقال من الواقع القائم إلى النتيجة المطلوبة.
وهنا السؤال ليس استفزازيًّا، إنه ببساطة السؤال الذي تفرضه المعادلة نفسها: في ضوء موقف “حزب الله” المعلن، كيف سيتمكن الرئيس من نزع سلاح “حزب الله” من دون مواجهة؟ ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة، ليس فقط قدرة الدولة على إعلان ما تريد، بل قدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى واقع، من دون أن تدخل البلاد في مواجهة جديدة.
وفي هذه المساحة تحديدًا، قد تكون المعركة المقبلة أكثر من معركة على السلاح، إنها معركة على من يملك القرار، ومن يملك تفسير معنى المقاومة، ومن يحدد في النهاية مستقبلها.








