بعد رحيل “اليونيفيل”… لبنان أمام امتحان السيادة وأمن جنوبه

ليس انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” حدثا عاديا يمكن التعامل معه باعتباره استحقاقاً دولياً فقط، ولا هو مجرد تغيير في طبيعة انتشار القوات الدولية على الحدود الجنوبية. نحن أمام مرحلة دقيقة قد تعيد رسم المشهد الأمني في الجنوب، وتضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية الأرض والسكان وصون السيادة الوطنية.
فقرار مجلس الأمن الرقم 2790، الصادر في آب 2025، مدّد ولاية “اليونيفيل” للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية خفض عديدها وانسحابها تدريجياً خلال عام 2027. لكن اقتراب الموعد لا يعني أن البديل أصبح جاهزاً، ولا أن الظروف الميدانية والسياسية باتت تسمح بانتقال هادئ للمسؤوليات. وقد برزت هذه الثغرة بوضوح مع تأكيد مسؤولين أمميين، في تشرين الأول الجاري، أن الخيارات المتعلقة بالمرحلة التالية لا تزال في حاجة إلى حسم.
فهل ينسحب المجتمع الدولي من جنوب لبنان بعدما استكمل مقومات الاستقرار، أم أن الانسحاب قد يسبق توفير الضمانات الضرورية لمنع تجدد المواجهات؟
فمنذ عام 1978، شكّلت “اليونيفيل” جزءاً من المشهد الأمني في الجنوب، وتطورت مهماتها عبر السنوات، ولا سيما بعد صدور القرار 1701 عام 2006. وقد اضطلعت بدور في مراقبة الوضع على طول الخط الأزرق، والتواصل بين الأطراف، وتوثيق التطورات، والمساعدة في تيسير العمل الإنساني.
صحيح أن وجودها لم يمنع كل الحروب والخروقات، وأن الانتقادات الموجهة إلى أدائها تستحق النقاش والتقييم. لكن السؤال الواقعي ليس ما إذا كانت “اليونيفيل” قد حققت كل ما كان مأمولاً منها، بل ما الذي سيحدث عندما تغيب، في ظل استمرار الخلافات الأمنية والسياسية، وقضايا الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش ، ومستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.
إن إنهاء مهمة دولية لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء أسباب النزاع. وإذا لم يترافق الانسحاب مع ترتيبات واضحة وفعالة، فقد تجد القرى الحدودية نفسها أمام مرحلة من الغموض الأمني، يدفع المدنيون ثمنها من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم.
الجيش في الواجهة
من الطبيعي أن يكون الجيش الوطني الركيزة الأساسية في حماية الجنوب، وأن تتولى الدولة وحدها مسؤولية الأمن على كامل أراضيها. فهذه ليست مسألة إجرائية، بل جوهر السيادة التي لا تستقيم من دون سلطة شرعية واحدة وقرار وطني واضح.
لكن تكليف الجيش بمسؤوليات إضافية لا يكفي وحده لضمان النجاح. فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى التجهيزات والموارد والقدرات اللوجستية والاستخبارية، فضلاً عن الغطاء السياسي الداخلي والدعم الدولي المستدام. كما تحتاج إلى ظروف ميدانية تسمح لها بالقيام بواجباتها من دون أن تتحول إلى طرف مكشوف أمام ضغوط متعارضة.
وفي هذا السياق، يشكّل الاتفاق الذي أعلنه الاتحاد الأوروبي في 12 تشرين الأول 2026 لإنشاء مهمة دعم وتدريب للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي خطوة تستحق المتابعة. غير أن التدريب والمساعدة، على أهميتهما، لا يعوّضان تلقائياً الوظائف التي كانت تؤديها قوة دولية منتشرة ميدانياً، ولا يقدّمان وحدهما ضمانة لمنع الاعتداءات أو احتواء التصعيد.
المطلوب، إذاً، ألا تتحول عبارة “تسليم المسؤولية إلى الدولة اللبنانية” إلى شعار يُرفع لتبرير الانسحاب، بل أن تقترن بخطة عملية تضمن قدرة الدولة على ممارسة سلطتها فعلياً.
فإذا غادرت القوات الدولية من دون بديل واضح وضمانات جدية، يكون لبنان قد خسر أداة من أدوات احتواء التوتر قبل أن يضمن امتلاك الأدوات اللازمة لتعويضها. أما إذا جرى الانتقال ضمن خطة متكاملة، تعزز دور الجيش وتضمن الانسحاب الإسرائيلي واحترام الحدود، فقد تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لبناء واقع أمني أكثر استقراراً.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل اللبنانيين اليوم ليس فقط: متى ترحل اليونيفيل؟ بل: هل سيكون لبنان جاهزاً في اليوم التالي لرحيلها، أم سيجد نفسه أمام امتحان جديد يدفع الجنوب ثمنه مرة أخرى، وماذا عن الانسحاب الإسرائيلي؟
بعد رحيل “اليونيفيل”… لبنان أمام امتحان السيادة وأمن جنوبه

ليس انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” حدثا عاديا يمكن التعامل معه باعتباره استحقاقاً دولياً فقط، ولا هو مجرد تغيير في طبيعة انتشار القوات الدولية على الحدود الجنوبية. نحن أمام مرحلة دقيقة قد تعيد رسم المشهد الأمني في الجنوب، وتضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية الأرض والسكان وصون السيادة الوطنية.
فقرار مجلس الأمن الرقم 2790، الصادر في آب 2025، مدّد ولاية “اليونيفيل” للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية خفض عديدها وانسحابها تدريجياً خلال عام 2027. لكن اقتراب الموعد لا يعني أن البديل أصبح جاهزاً، ولا أن الظروف الميدانية والسياسية باتت تسمح بانتقال هادئ للمسؤوليات. وقد برزت هذه الثغرة بوضوح مع تأكيد مسؤولين أمميين، في تشرين الأول الجاري، أن الخيارات المتعلقة بالمرحلة التالية لا تزال في حاجة إلى حسم.
فهل ينسحب المجتمع الدولي من جنوب لبنان بعدما استكمل مقومات الاستقرار، أم أن الانسحاب قد يسبق توفير الضمانات الضرورية لمنع تجدد المواجهات؟
فمنذ عام 1978، شكّلت “اليونيفيل” جزءاً من المشهد الأمني في الجنوب، وتطورت مهماتها عبر السنوات، ولا سيما بعد صدور القرار 1701 عام 2006. وقد اضطلعت بدور في مراقبة الوضع على طول الخط الأزرق، والتواصل بين الأطراف، وتوثيق التطورات، والمساعدة في تيسير العمل الإنساني.
صحيح أن وجودها لم يمنع كل الحروب والخروقات، وأن الانتقادات الموجهة إلى أدائها تستحق النقاش والتقييم. لكن السؤال الواقعي ليس ما إذا كانت “اليونيفيل” قد حققت كل ما كان مأمولاً منها، بل ما الذي سيحدث عندما تغيب، في ظل استمرار الخلافات الأمنية والسياسية، وقضايا الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش ، ومستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.
إن إنهاء مهمة دولية لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء أسباب النزاع. وإذا لم يترافق الانسحاب مع ترتيبات واضحة وفعالة، فقد تجد القرى الحدودية نفسها أمام مرحلة من الغموض الأمني، يدفع المدنيون ثمنها من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم.
الجيش في الواجهة
من الطبيعي أن يكون الجيش الوطني الركيزة الأساسية في حماية الجنوب، وأن تتولى الدولة وحدها مسؤولية الأمن على كامل أراضيها. فهذه ليست مسألة إجرائية، بل جوهر السيادة التي لا تستقيم من دون سلطة شرعية واحدة وقرار وطني واضح.
لكن تكليف الجيش بمسؤوليات إضافية لا يكفي وحده لضمان النجاح. فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى التجهيزات والموارد والقدرات اللوجستية والاستخبارية، فضلاً عن الغطاء السياسي الداخلي والدعم الدولي المستدام. كما تحتاج إلى ظروف ميدانية تسمح لها بالقيام بواجباتها من دون أن تتحول إلى طرف مكشوف أمام ضغوط متعارضة.
وفي هذا السياق، يشكّل الاتفاق الذي أعلنه الاتحاد الأوروبي في 12 تشرين الأول 2026 لإنشاء مهمة دعم وتدريب للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي خطوة تستحق المتابعة. غير أن التدريب والمساعدة، على أهميتهما، لا يعوّضان تلقائياً الوظائف التي كانت تؤديها قوة دولية منتشرة ميدانياً، ولا يقدّمان وحدهما ضمانة لمنع الاعتداءات أو احتواء التصعيد.
المطلوب، إذاً، ألا تتحول عبارة “تسليم المسؤولية إلى الدولة اللبنانية” إلى شعار يُرفع لتبرير الانسحاب، بل أن تقترن بخطة عملية تضمن قدرة الدولة على ممارسة سلطتها فعلياً.
فإذا غادرت القوات الدولية من دون بديل واضح وضمانات جدية، يكون لبنان قد خسر أداة من أدوات احتواء التوتر قبل أن يضمن امتلاك الأدوات اللازمة لتعويضها. أما إذا جرى الانتقال ضمن خطة متكاملة، تعزز دور الجيش وتضمن الانسحاب الإسرائيلي واحترام الحدود، فقد تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لبناء واقع أمني أكثر استقراراً.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل اللبنانيين اليوم ليس فقط: متى ترحل اليونيفيل؟ بل: هل سيكون لبنان جاهزاً في اليوم التالي لرحيلها، أم سيجد نفسه أمام امتحان جديد يدفع الجنوب ثمنه مرة أخرى، وماذا عن الانسحاب الإسرائيلي؟











