خدمة العلم في لبنان… هل يعود الشبان إلى الثكنات بعد 20 عاما؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
20 تشرين الأول 2026

أعاد تصريح قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في شأن احتمال استعادة خدمة العلم فتح النقاش حول جدوى التجنيد الإلزامي وشروط تطبيقه. وتعود جذور التجربة إلى عام 1953، في وقت استؤنفت بصيغتها المعروفة عام 1993، قبل صدور قانون إلغائها عام 2005 ودخول الإلغاء النهائي حيز التنفيذ في فبراير عام 2007. وجاء القرار وسط اعتراضات على تأثير الخدمة في الدراسة والعمل والهجرة، ونقاش حول بناء جيش محترف.

بعد نحو 20 عاماً على إلغاء التجنيد الإلزامي، عادت خدمة العلم إلى واجهة النقاش في لبنان من باب تصريح لقائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام، مما استحضر تجربة عاشها مئات آلاف اللبنانيين، وفتح أسئلة حول الجدوى منها على البعدين العسكري والوطني لناحية الانفتاح بين الطوائف، إضافة إلى قدرة المؤسسة العسكرية على استيعاب مجندين جدد، ومدى تحول الواجب الوطني إلى عبء إضافي على الدراسة والعمل.

في التفاصيل، قال قائد الجيش على هامش سباق ماراثون الجيش تحت شعار “سوا مكملين” إننا سنعيد خدمة العلم على رغم أن هناك من لا يحب عودتها، رابطاً الخطوة بتعزيز اللحمة والوحدة بين اللبنانيين، وهو كلام أعاد فتح الملف، لكنه لم يتضمن برنامجاً تنفيذياً يحدد موعد العودة أو أعمار المشمولين أو مدة خدمتهم.

عقبات أمام العودة

قد يكون اقتراح هيكل مبنياً على آمال مرتبطة بواقع المؤسسة العسكرية، إلا أن إعادة التجنيد إلى لبنان تواجه باعتراضات من جيل الشباب الذين يحاولون استكمال دراستهم أو تأمين دخلهم، إضافة إلى أن تمويل التجنيد وقدرة الدولة على تحمل نفقاته ليسا سهلين، وحضرت مسألة حصر السلاح بيد الدولة في مقابل آراء مؤيدة لخدمة تجمع التدريب العسكري بالتأهيل المهني والعمل المدني.

عملياً، إن إعادة فرض الخدمة تستدعي معالجة قانون الإلغاء، وتحديد الفئات المشمولة والمدة والإعفاءات والتمويل وضمانات الدراسة والعمل. وتوضح التجربة السابقة أهمية الجانب المعيشي: فقد نص القانون على تعويض شهري رمزي للمجند، وعلى انقطاع راتب الموظف أو الأجير أثناء الخدمة، مع ضمان عودته لعمله بعد التسريح وحقوق عند امتناع صاحب العمل عن إعادته.

قبل التسعينيات

وترتبط خدمة العلم في ذاكرة كثيرين بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية، لكن جذورها أقدم، حيث صدر أول قانون لها في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 1953، وأدخل التدريب العسكري بموجبه في مناهج طلاب المرحلة الثانوية، واستمر هذا المسار حتى عام 1975.

أما التجربة الواسعة التي عرفها جيل التسعينيات، فأعيد تطبيقها عام 1993 استناداً إلى المرسوم الاشتراعي رقم 102 الصادر في الـ16 من سبتمبر (أيلول) عام 1983، والمتعلق بالدفاع الوطني، إذ شكل معسكرا الوروار (جبل لبنان) وعرمان (شمال) محطتين أساسيتين لاستقبال المجندين وتدريبهم.

وتقدر مجلة الجيش اللبناني عدد الذين أدوا الخدمة بين عامي 1993 و2007 بنحو 250 ألف مجند، بينهم نحو خمسة آلاف ملازم مجند و12 ألف رتيب، في وقت تطوع نحو 12 ألفاً في الجيش بعد انتهاء خدمتهم الإلزامية، وهي أرقام تجعل التجربة جزءاً من التاريخ الاجتماعي اللبناني، إلى جانب موقعها في تاريخ المؤسسة العسكرية.

خدمة عسكرية ومدنية

لم يكن مفهوم خدمة العلم، في النص التشريعي، محصوراً بالتدريب على السلاح، فالباب الخامس من قانون الدفاع الوطني ميز بين ثلاث صور، الخدمة العسكرية لإعداد المواطن للقيام بمهام الدفاع، والخدمة المدنية لمساندة القوى المسلحة، لا سيما في الدفاع المدني والقطاعات المرتبطة بمهامها، والخدمة الإنمائية للمساهمة في المجهود الاجتماعي والقطاعات ذات المنفعة العامة. وكان الإلزام يشمل اللبنانيين بعد إتمام الـ18، في وقت نص القانون على إمكان إخضاع اللبنانيات عند الاقتضاء، بمرسوم يحدد شروط استخدامهن ومجالاته، وعليه، فإن الحديث اليوم عن إدخال أبعاد مدنية وإنمائية إلى الخدمة يستند إلى فكرة كانت موجودة أصلاً في التشريع، وإن طغى الوجه العسكري على صورتها العامة.

من الناحية الاجتماعية، قدمت المؤسسة العسكرية التجربة بوصفها وسيلة لجمع شبان من مناطق وطوائف وطبقات مختلفة داخل إطار واحد، وتعليمهم الانضباط والعمل الجماعي. وفي تقييم نشرته مجلة الجيش بعد 10 سنوات على إعادة التطبيق، ربط قادة معسكرات التدريب بين الإعداد العسكري والتنشئة الوطنية وتجاوز الانتماءات الضيقة.

قرار الإلغاء

تكشف العودة للنقاش السياسي والصحافي في مطلع عام 2005 أن إلغاء خدمة العلم جاء في ظل اعتراضات إثر الخدمة في مستقبل الشباب، وعلى علاقتها بالهجرة وفرص العمل، فضلاً عن خلاف أعمق حول الجيش الذي يحتاج إليه لبنان، بين جيش يعتمد على التجنيد الدوري أو مؤسسة محترفة قوامها المتطوعون.

وصدر قانون الإلغاء رقم 665 في الرابع في فبراير (شباط) عام 2005، لكنه نص على إنهاء خدمة العلم نهائياً بعد مرور سنتين على نشره في الصحيفة الرسمية، وخلال المرحلة الانتقالية، خفضت مدة الخدمة من سنة إلى ستة أشهر، حيث ربط معظم النواب الذين شاركوا في تلك الجلسة النيابية قرار الإلغاء بالحد من الهجرة وتخفيف الأعباء عن الشباب. ووسع القانون حينها حالات الإعفاء لتشمل، ضمن شروطه، المعيل لعائلته، والمتزوج، والمقيم خارج لبنان بما في ذلك البلدان العربية، والموظف، والطلاب بمن فيهم طلاب الدراسات العليا، وبعض حالات الأشقاء، وأوقف الملاحقات وأسقط التعقبات والأحكام المتعلقة بالتخلف عن خدمة العلم، وأعاد الاعتبار إلى المعنيين حكماً. وأتاح، تبعاً لحاجة القوى المسلحة، تمديد خدمة الراغبين من المجندين الرتباء والأفراد لفترة لا تتجاوز خمس سنوات.

محاولات متكررة للعودة

لم يغب الملف طوال السنوات التالية، ففي يوليو (تموز) عام 2020، تحدثت وزيرة الدفاع السابقة زينة عكر عن تحضيرات لخدمة مختلفة، بفترات تراوح ما بين ثلاثة أشهر وستة وتسعة أشهر وسنة، تتضمن أعمالاً اجتماعية وإدارية وتعليمية وتحريجاً. وأظهر النقاش يومها استمرار الانقسام نفسه، بين تأييد لتعزيز الانتماء الوطني والتواصل بين الشباب، مقابل اعتراضات على تعطيل مستقبلهم المهني، وعلى الكلفة، وأسئلة عن دور الجيش في ظل وجود سلاح خارج الدولة.

وفي التاسع من مايو (أيار) عام 2024، تقدم النائب حيدر ناصر باقتراح قانون معجل مكرر لإعادة التدريب العسكري وخدمة العلم، تضمن إلغاء قانون 665 وإعادة العمل بالتدريب العسكري في معاهد التعليم، وتخفيض الخدمة إلى ستة أشهر لمن يخضعون لدورات التدريب المحددة فيه.

مسار مختلف

إلى جانب الدعوات لإحياء التجنيد الإلزامي، ظهر اقتراح النائب أديب عبدالمسيح بعنوان “خدمة الوطن”، يهدف لفتح باب التطوع الاختياري، ويشمل خدمة مؤسسات الدولة في مجالات عسكرية ومدنية واجتماعية.

ويقترح مدة تبدأ من 180 يوماً، وقد تصل إلى سنة، مع إمكان تأديتها بصورة متقطعة تراعي الدراسة والعمل، وإتاحة مشاركة المغتربين والمتقاعدين وفئات أخرى. من ثم، لا يجوز مساواته تلقائياً بإعادة التجنيد الإجباري بصيغته السابقة، إلا أن اقتراح القانون سقط في جلسة الـ26 من يونيو (حزيران) عام 2026. وأوضح عبدالمسيح أن مقاربته تتيح للمواطنين التطوع في المؤسسات العسكرية والمدنية، مع مراعاة التزاماتهم الدراسية والمهنية، ويهدف اقتراح القانون الذي تقدم به إلى تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الوحدة والانضباط، وإشراك مختلف فئات المجتمع، بما فيها المغتربون، في خدمة الدولة، واقترح إنشاء مجلس أعلى لخدمة الوطن بإشراف وزير الدفاع لتنظيمها وضمان حسن تطبيقها.

وتشمل المجالات المقترحة الدفاع المدني والإدارات العامة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب المؤسسة العسكرية، بما يسمح بالاستفادة من اختصاصات المشاركين وقدراتهم.

تعديلات جذرية

يرى العميد المتقاعد ميشال المير أن إعادة خدمة العلم تشكل ضرورة وطنية، بشرط إخضاعها لتعديلات جذرية تراعي واقع الشباب والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وتابع انطلاقاً من تجربته، “أن الخدمة أسهمت في صقل شخصيات المجندين وتعريفهم بالمؤسسة العسكرية والقوانين، وجمعت شباناً من مناطق وطوائف مختلفة، فتولدت بينهم علاقات تعاون تجاوزت الفوارق والانتماءات”، وشرح أن “الانصهار كان يبنى بالممارسة اليومية، حين يساعد الأكثر علماً زميله في استيعاب الدروس، ويساند الأقوى بدنياً رفيقه خلال التدريب، فتتحول الحياة المشتركة إلى تجربة في المسؤولية والانضباط واحترام الوقت”، وشدد المير “على أن استعادة الخدمة لا تعني تكرار نموذج التسعينيات”، مقترحاً دراسة اختصار مدتها أو توزيعها على فترات متباعدة، بما يخفف تعارضها مع الدراسة والعمل وإعالة العائلات، واعتبر أن تحديد الصيغة المناسبة يحتاج إلى لجنة تضم عسكريين وأكاديميين ومتخصصين في علم النفس، بالتنسيق مع الحكومة وقيادة الجيش، لتقييم الحاجات والكلفة اللوجستية للتدريب والتجهيز والإقامة.

ووضع المير “الاستفادة من اختصاصات المجندين في صلب أي تعديل، بحيث يعمل الطبيب في المجال الصحي والمهني في اختصاصه، ويمكن توظيف قدرات أخرى في الإدارات العامة”، وخلص إلى أن نجاح التجربة يتطلب إعداداً مسبقاً وشرحاً واضحاً لأهدافها، ليقتنع الشباب بأنهم شركاء في خدمة الوطن، وأن الفترة التي يقدمونها تمنحهم خبرة تفيد مستقبلهم.

عدالة التجنيد

من ناحيته، يقول العميد المتقاعد جورج نادر إن إعادة خدمة العلم يمكن أن تعزز التماسك الوطني، عبر جمع شبان فرقت بينهم الخطابات الطائفية والمخاوف المتبادلة، “فالعيش والتدريب معاً يتيحان للشباب اكتشاف بعضهم بعيداً من الصور المشوهة التي ترسم عن أبناء المناطق والطوائف الأخرى، والتعامل بوصفهم رفاقاً وشركاء في الوطن”، ووضع نادر العدالة في مقدم شروط نجاح التجربة، مشدداً على ضرورة إبعاد التدخلات السياسية والمحسوبيات عن توزيع المجندين ومهامهم، “فلا يقبل أن يخدم ابن عكار (شمال) في أقصى الجنوب، في وقت يحصل صاحب الواسطة على مركز قريب من منزله”، وأكد أن المساواة في الواجبات وظروف الخدمة أساس لبناء الثقة بالتجنيد وأهدافه الوطنية.

في الجانب المالي، اعتبر أن كلفة المجند أقل من كلفة العسكري المتطوع، نظراً إلى محدودية مخصصاته وقصر مدة خدمته، وعدم ترتب الالتزامات المالية الطويلة الأمد نفسها بعد تسريحه، ولفت إلى أن النفقات تتركز أساساً في التدريب ومستلزماته، مشيراً إلى إمكان الاستفادة من معسكرات قائمة وكوادر عسكرية تتولى التدريب والإدارة، بما يخفف الحاجة إلى إنشاء بنية جديدة بالكامل، وخلص نادر إلى تأييد إعادة الخدمة، شرط تنفيذها وفق قواعد موحدة تمنع تحويلها إلى واجب يتحمله بعض الشباب، بينما تسهل التدخلات السياسية ظروف الآخرين.

الأمن أولاً

بدوره اعتبر المحلل العسكري العميد سعيد القزح أن إلغاء خدمة العلم كان خطأً، نظراً إلى دورها في تعزيز عديد الجيش وقدراته، وإتاحة تجربة للشباب تنمي خبراتهم وتبعدهم عن الآفات الاجتماعية، ورأى “أن الصعوبات المعيشية، على أهميتها، تستدعي النظر أيضاً إلى العلاقة بين الأمن والاقتصاد، باعتبار أن استعادة الاستقرار وسلطة الدولة شرط للنهوض الاقتصادي”، وحمل القزح سيطرة الميليشيات والسلاح خارج المؤسسات مسؤولية أساس عن الانهيار، معتبراً أن إخضاع موارد الدولة وقرارها لتنظيم مسلح أضعف الاقتصاد، وذهب إلى أن إبقاء الشباب في الفقر والحاجة يسهل استقطابهم واستخدامهم مقاتلين في صراعات يدفع لبنان ثمنها.

في مسألة الانصهار الوطني، تحفظ القزح عن المبالغة في قدرة التجنيد على تغيير قناعات ترسخت منذ الطفولة، موضحاً أن سنة من الخدمة قد لا تبدل عقيدة نشأ عليها الشاب، لكنها تستطيع تخفيف الانغلاق وفتح آفاق التعارف مع الآخرين، “فالشباب يعيشون داخل بيئات متباعدة، ويحتاجون إلى مساحة مشتركة يكتشفون فيها بعضهم بعيداً من الأحكام المسبقة”، واستند إلى شهادات إيجابية لمجندين وضباط خاضوا التجربة السابقة، مشيراً إلى أن الخدمة يمكن أن تمنح أصحاب الاختصاصات فرصة لاكتساب خبرة عملية قبل دخول الحياة المهنية، إلى جانب مساهمتها في دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز التواصل بين اللبنانيين.

خدمة العلم في لبنان… هل يعود الشبان إلى الثكنات بعد 20 عاما؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
20 تشرين الأول 2026

أعاد تصريح قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في شأن احتمال استعادة خدمة العلم فتح النقاش حول جدوى التجنيد الإلزامي وشروط تطبيقه. وتعود جذور التجربة إلى عام 1953، في وقت استؤنفت بصيغتها المعروفة عام 1993، قبل صدور قانون إلغائها عام 2005 ودخول الإلغاء النهائي حيز التنفيذ في فبراير عام 2007. وجاء القرار وسط اعتراضات على تأثير الخدمة في الدراسة والعمل والهجرة، ونقاش حول بناء جيش محترف.

بعد نحو 20 عاماً على إلغاء التجنيد الإلزامي، عادت خدمة العلم إلى واجهة النقاش في لبنان من باب تصريح لقائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام، مما استحضر تجربة عاشها مئات آلاف اللبنانيين، وفتح أسئلة حول الجدوى منها على البعدين العسكري والوطني لناحية الانفتاح بين الطوائف، إضافة إلى قدرة المؤسسة العسكرية على استيعاب مجندين جدد، ومدى تحول الواجب الوطني إلى عبء إضافي على الدراسة والعمل.

في التفاصيل، قال قائد الجيش على هامش سباق ماراثون الجيش تحت شعار “سوا مكملين” إننا سنعيد خدمة العلم على رغم أن هناك من لا يحب عودتها، رابطاً الخطوة بتعزيز اللحمة والوحدة بين اللبنانيين، وهو كلام أعاد فتح الملف، لكنه لم يتضمن برنامجاً تنفيذياً يحدد موعد العودة أو أعمار المشمولين أو مدة خدمتهم.

عقبات أمام العودة

قد يكون اقتراح هيكل مبنياً على آمال مرتبطة بواقع المؤسسة العسكرية، إلا أن إعادة التجنيد إلى لبنان تواجه باعتراضات من جيل الشباب الذين يحاولون استكمال دراستهم أو تأمين دخلهم، إضافة إلى أن تمويل التجنيد وقدرة الدولة على تحمل نفقاته ليسا سهلين، وحضرت مسألة حصر السلاح بيد الدولة في مقابل آراء مؤيدة لخدمة تجمع التدريب العسكري بالتأهيل المهني والعمل المدني.

عملياً، إن إعادة فرض الخدمة تستدعي معالجة قانون الإلغاء، وتحديد الفئات المشمولة والمدة والإعفاءات والتمويل وضمانات الدراسة والعمل. وتوضح التجربة السابقة أهمية الجانب المعيشي: فقد نص القانون على تعويض شهري رمزي للمجند، وعلى انقطاع راتب الموظف أو الأجير أثناء الخدمة، مع ضمان عودته لعمله بعد التسريح وحقوق عند امتناع صاحب العمل عن إعادته.

قبل التسعينيات

وترتبط خدمة العلم في ذاكرة كثيرين بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية، لكن جذورها أقدم، حيث صدر أول قانون لها في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 1953، وأدخل التدريب العسكري بموجبه في مناهج طلاب المرحلة الثانوية، واستمر هذا المسار حتى عام 1975.

أما التجربة الواسعة التي عرفها جيل التسعينيات، فأعيد تطبيقها عام 1993 استناداً إلى المرسوم الاشتراعي رقم 102 الصادر في الـ16 من سبتمبر (أيلول) عام 1983، والمتعلق بالدفاع الوطني، إذ شكل معسكرا الوروار (جبل لبنان) وعرمان (شمال) محطتين أساسيتين لاستقبال المجندين وتدريبهم.

وتقدر مجلة الجيش اللبناني عدد الذين أدوا الخدمة بين عامي 1993 و2007 بنحو 250 ألف مجند، بينهم نحو خمسة آلاف ملازم مجند و12 ألف رتيب، في وقت تطوع نحو 12 ألفاً في الجيش بعد انتهاء خدمتهم الإلزامية، وهي أرقام تجعل التجربة جزءاً من التاريخ الاجتماعي اللبناني، إلى جانب موقعها في تاريخ المؤسسة العسكرية.

خدمة عسكرية ومدنية

لم يكن مفهوم خدمة العلم، في النص التشريعي، محصوراً بالتدريب على السلاح، فالباب الخامس من قانون الدفاع الوطني ميز بين ثلاث صور، الخدمة العسكرية لإعداد المواطن للقيام بمهام الدفاع، والخدمة المدنية لمساندة القوى المسلحة، لا سيما في الدفاع المدني والقطاعات المرتبطة بمهامها، والخدمة الإنمائية للمساهمة في المجهود الاجتماعي والقطاعات ذات المنفعة العامة. وكان الإلزام يشمل اللبنانيين بعد إتمام الـ18، في وقت نص القانون على إمكان إخضاع اللبنانيات عند الاقتضاء، بمرسوم يحدد شروط استخدامهن ومجالاته، وعليه، فإن الحديث اليوم عن إدخال أبعاد مدنية وإنمائية إلى الخدمة يستند إلى فكرة كانت موجودة أصلاً في التشريع، وإن طغى الوجه العسكري على صورتها العامة.

من الناحية الاجتماعية، قدمت المؤسسة العسكرية التجربة بوصفها وسيلة لجمع شبان من مناطق وطوائف وطبقات مختلفة داخل إطار واحد، وتعليمهم الانضباط والعمل الجماعي. وفي تقييم نشرته مجلة الجيش بعد 10 سنوات على إعادة التطبيق، ربط قادة معسكرات التدريب بين الإعداد العسكري والتنشئة الوطنية وتجاوز الانتماءات الضيقة.

قرار الإلغاء

تكشف العودة للنقاش السياسي والصحافي في مطلع عام 2005 أن إلغاء خدمة العلم جاء في ظل اعتراضات إثر الخدمة في مستقبل الشباب، وعلى علاقتها بالهجرة وفرص العمل، فضلاً عن خلاف أعمق حول الجيش الذي يحتاج إليه لبنان، بين جيش يعتمد على التجنيد الدوري أو مؤسسة محترفة قوامها المتطوعون.

وصدر قانون الإلغاء رقم 665 في الرابع في فبراير (شباط) عام 2005، لكنه نص على إنهاء خدمة العلم نهائياً بعد مرور سنتين على نشره في الصحيفة الرسمية، وخلال المرحلة الانتقالية، خفضت مدة الخدمة من سنة إلى ستة أشهر، حيث ربط معظم النواب الذين شاركوا في تلك الجلسة النيابية قرار الإلغاء بالحد من الهجرة وتخفيف الأعباء عن الشباب. ووسع القانون حينها حالات الإعفاء لتشمل، ضمن شروطه، المعيل لعائلته، والمتزوج، والمقيم خارج لبنان بما في ذلك البلدان العربية، والموظف، والطلاب بمن فيهم طلاب الدراسات العليا، وبعض حالات الأشقاء، وأوقف الملاحقات وأسقط التعقبات والأحكام المتعلقة بالتخلف عن خدمة العلم، وأعاد الاعتبار إلى المعنيين حكماً. وأتاح، تبعاً لحاجة القوى المسلحة، تمديد خدمة الراغبين من المجندين الرتباء والأفراد لفترة لا تتجاوز خمس سنوات.

محاولات متكررة للعودة

لم يغب الملف طوال السنوات التالية، ففي يوليو (تموز) عام 2020، تحدثت وزيرة الدفاع السابقة زينة عكر عن تحضيرات لخدمة مختلفة، بفترات تراوح ما بين ثلاثة أشهر وستة وتسعة أشهر وسنة، تتضمن أعمالاً اجتماعية وإدارية وتعليمية وتحريجاً. وأظهر النقاش يومها استمرار الانقسام نفسه، بين تأييد لتعزيز الانتماء الوطني والتواصل بين الشباب، مقابل اعتراضات على تعطيل مستقبلهم المهني، وعلى الكلفة، وأسئلة عن دور الجيش في ظل وجود سلاح خارج الدولة.

وفي التاسع من مايو (أيار) عام 2024، تقدم النائب حيدر ناصر باقتراح قانون معجل مكرر لإعادة التدريب العسكري وخدمة العلم، تضمن إلغاء قانون 665 وإعادة العمل بالتدريب العسكري في معاهد التعليم، وتخفيض الخدمة إلى ستة أشهر لمن يخضعون لدورات التدريب المحددة فيه.

مسار مختلف

إلى جانب الدعوات لإحياء التجنيد الإلزامي، ظهر اقتراح النائب أديب عبدالمسيح بعنوان “خدمة الوطن”، يهدف لفتح باب التطوع الاختياري، ويشمل خدمة مؤسسات الدولة في مجالات عسكرية ومدنية واجتماعية.

ويقترح مدة تبدأ من 180 يوماً، وقد تصل إلى سنة، مع إمكان تأديتها بصورة متقطعة تراعي الدراسة والعمل، وإتاحة مشاركة المغتربين والمتقاعدين وفئات أخرى. من ثم، لا يجوز مساواته تلقائياً بإعادة التجنيد الإجباري بصيغته السابقة، إلا أن اقتراح القانون سقط في جلسة الـ26 من يونيو (حزيران) عام 2026. وأوضح عبدالمسيح أن مقاربته تتيح للمواطنين التطوع في المؤسسات العسكرية والمدنية، مع مراعاة التزاماتهم الدراسية والمهنية، ويهدف اقتراح القانون الذي تقدم به إلى تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الوحدة والانضباط، وإشراك مختلف فئات المجتمع، بما فيها المغتربون، في خدمة الدولة، واقترح إنشاء مجلس أعلى لخدمة الوطن بإشراف وزير الدفاع لتنظيمها وضمان حسن تطبيقها.

وتشمل المجالات المقترحة الدفاع المدني والإدارات العامة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب المؤسسة العسكرية، بما يسمح بالاستفادة من اختصاصات المشاركين وقدراتهم.

تعديلات جذرية

يرى العميد المتقاعد ميشال المير أن إعادة خدمة العلم تشكل ضرورة وطنية، بشرط إخضاعها لتعديلات جذرية تراعي واقع الشباب والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وتابع انطلاقاً من تجربته، “أن الخدمة أسهمت في صقل شخصيات المجندين وتعريفهم بالمؤسسة العسكرية والقوانين، وجمعت شباناً من مناطق وطوائف مختلفة، فتولدت بينهم علاقات تعاون تجاوزت الفوارق والانتماءات”، وشرح أن “الانصهار كان يبنى بالممارسة اليومية، حين يساعد الأكثر علماً زميله في استيعاب الدروس، ويساند الأقوى بدنياً رفيقه خلال التدريب، فتتحول الحياة المشتركة إلى تجربة في المسؤولية والانضباط واحترام الوقت”، وشدد المير “على أن استعادة الخدمة لا تعني تكرار نموذج التسعينيات”، مقترحاً دراسة اختصار مدتها أو توزيعها على فترات متباعدة، بما يخفف تعارضها مع الدراسة والعمل وإعالة العائلات، واعتبر أن تحديد الصيغة المناسبة يحتاج إلى لجنة تضم عسكريين وأكاديميين ومتخصصين في علم النفس، بالتنسيق مع الحكومة وقيادة الجيش، لتقييم الحاجات والكلفة اللوجستية للتدريب والتجهيز والإقامة.

ووضع المير “الاستفادة من اختصاصات المجندين في صلب أي تعديل، بحيث يعمل الطبيب في المجال الصحي والمهني في اختصاصه، ويمكن توظيف قدرات أخرى في الإدارات العامة”، وخلص إلى أن نجاح التجربة يتطلب إعداداً مسبقاً وشرحاً واضحاً لأهدافها، ليقتنع الشباب بأنهم شركاء في خدمة الوطن، وأن الفترة التي يقدمونها تمنحهم خبرة تفيد مستقبلهم.

عدالة التجنيد

من ناحيته، يقول العميد المتقاعد جورج نادر إن إعادة خدمة العلم يمكن أن تعزز التماسك الوطني، عبر جمع شبان فرقت بينهم الخطابات الطائفية والمخاوف المتبادلة، “فالعيش والتدريب معاً يتيحان للشباب اكتشاف بعضهم بعيداً من الصور المشوهة التي ترسم عن أبناء المناطق والطوائف الأخرى، والتعامل بوصفهم رفاقاً وشركاء في الوطن”، ووضع نادر العدالة في مقدم شروط نجاح التجربة، مشدداً على ضرورة إبعاد التدخلات السياسية والمحسوبيات عن توزيع المجندين ومهامهم، “فلا يقبل أن يخدم ابن عكار (شمال) في أقصى الجنوب، في وقت يحصل صاحب الواسطة على مركز قريب من منزله”، وأكد أن المساواة في الواجبات وظروف الخدمة أساس لبناء الثقة بالتجنيد وأهدافه الوطنية.

في الجانب المالي، اعتبر أن كلفة المجند أقل من كلفة العسكري المتطوع، نظراً إلى محدودية مخصصاته وقصر مدة خدمته، وعدم ترتب الالتزامات المالية الطويلة الأمد نفسها بعد تسريحه، ولفت إلى أن النفقات تتركز أساساً في التدريب ومستلزماته، مشيراً إلى إمكان الاستفادة من معسكرات قائمة وكوادر عسكرية تتولى التدريب والإدارة، بما يخفف الحاجة إلى إنشاء بنية جديدة بالكامل، وخلص نادر إلى تأييد إعادة الخدمة، شرط تنفيذها وفق قواعد موحدة تمنع تحويلها إلى واجب يتحمله بعض الشباب، بينما تسهل التدخلات السياسية ظروف الآخرين.

الأمن أولاً

بدوره اعتبر المحلل العسكري العميد سعيد القزح أن إلغاء خدمة العلم كان خطأً، نظراً إلى دورها في تعزيز عديد الجيش وقدراته، وإتاحة تجربة للشباب تنمي خبراتهم وتبعدهم عن الآفات الاجتماعية، ورأى “أن الصعوبات المعيشية، على أهميتها، تستدعي النظر أيضاً إلى العلاقة بين الأمن والاقتصاد، باعتبار أن استعادة الاستقرار وسلطة الدولة شرط للنهوض الاقتصادي”، وحمل القزح سيطرة الميليشيات والسلاح خارج المؤسسات مسؤولية أساس عن الانهيار، معتبراً أن إخضاع موارد الدولة وقرارها لتنظيم مسلح أضعف الاقتصاد، وذهب إلى أن إبقاء الشباب في الفقر والحاجة يسهل استقطابهم واستخدامهم مقاتلين في صراعات يدفع لبنان ثمنها.

في مسألة الانصهار الوطني، تحفظ القزح عن المبالغة في قدرة التجنيد على تغيير قناعات ترسخت منذ الطفولة، موضحاً أن سنة من الخدمة قد لا تبدل عقيدة نشأ عليها الشاب، لكنها تستطيع تخفيف الانغلاق وفتح آفاق التعارف مع الآخرين، “فالشباب يعيشون داخل بيئات متباعدة، ويحتاجون إلى مساحة مشتركة يكتشفون فيها بعضهم بعيداً من الأحكام المسبقة”، واستند إلى شهادات إيجابية لمجندين وضباط خاضوا التجربة السابقة، مشيراً إلى أن الخدمة يمكن أن تمنح أصحاب الاختصاصات فرصة لاكتساب خبرة عملية قبل دخول الحياة المهنية، إلى جانب مساهمتها في دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز التواصل بين اللبنانيين.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار