فرنسا بين “الثورات الصغيرة” والثورة المضادة

جاء إطلاق وتضخيم هذه “الثورة الصغيرة” المشاغبة بصخبها وعنفها لمحو صور الحشود الشبابية المنضبطة والمبتهجة التي أحاطت بالبابا
لم تعد الأحداث التي تشهدها فرنسا مجرد أزمات عابرة أو احتجاجات مطلبية اعتاد عليها الشارع هناك، بل أصبحت تشكل تعبيراً عن تحولات بنيويّة عميقة تُنبئ بأزمة “النموذج الجمهوري” الفرنسي. من هذا المنطلق تقف فرنسا اليوم على أعتاب مرحلة سياسية وتاريخية دقيقة ومعقّدة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، تجاوزت النقاشات السياسية حدود البرامج الاقتصادية والوعود الانتخابية التقليدية، لتنفتح على نقاشات فكرية وإعلامية تتداول بجرأة مصطلحات كـ”الثورة”. وهو مناخ أيديولوجي لم تشهد فرنسا مثيلًا له على امتداد القرن العشرين، لأن الصخب الحالي وإن كان يشبه في بعض مظاهره حراك الشباب نهاية الستينات، غير أنه في العمق يذكّر باضطرابات القرن التاسع عشر.
قراءة المشهد الفرنسي الراهن يجب أن توضع في الإطار الزمني والتاريخي الأوسع، وهذا يكشف عن صراع تاريخي ممتد بدا أنه انكفأ في القرن العشرين، ولكنه في الواقع لم ينطفئ منذ الثورة الفرنسية عام 1789. لقد شكّلت تلك الثورة انقلاباً جذرياً ودموياً على الملكية والكنيسة لصالح نظام الجمهورية بقيادة النخب التي أحلّت العلمنة ديناً بديلاً مع مجموعة شعاراتها المعروفة التي حكمت فرنسا وتمّ تصديرها الى بقاع العالم. والجمهورية لم تنعم باستقرار مديد في عقودها الأولى بل ظلّت عرضة لارتدادات “الثورات المضادة” ومحاولات استعادة النظام القديم أو إحياء قيمه على الأقل، بما فيها الإرث الروحي طوال القرن التاسع عشر، حتى صدور قانون العلمنة للعام 1905.
في هذا السياق، تبدو حراكات الشارع العنيفة حالياً، التي تحطّم الممتلكات وتثير الفوضى، بنظر المراقبين ذوي المعرفة التاريخية، قشرةً خارجية أو “أعراضا جانبية” لزلزال سياسي وأيديولوجي أكثر عمقاً يلوح في الأفق.
التحول العميق الحقيقي الذي تعرفه فرنسا ليس في هذه الأحداث، بل تجلّى في المشاهد المليونية في جادة الشانزلزيه وساحات باريس ولورد وميتز خلال زيارة البابا لاوون الرابع عشر. فقد فجّرت الزيارة موجة جارفة من الحنين، ورغبة عارمة لم تعد مكبوتة بالعودة إلى الجذور التاريخية والروحية للبلاد، تمثلت في الانخراط الكثيف والمفاجئ لمئات آلاف الشباب في تلك الأجواء الروحية، مجددين صلتهم بهوية كلاسيكية ظن النظام الحاكم أنه نجح في طمسها إلى الأبد.
هذا التحول الشبابي شكّل صدمة للنخب “العلمانية” الحاكمة وأرسل إشارة إنذار مبكر من “ثورة مضادة حقيقية” تنمو في وجدان جيل جديد يبحث عن أصالة الهوية في مواجهة تفكك النموذج المعولم والعلمانية المضادة للإرث الفرنسي. وكانت الحاجة بالتالي ماسّةً إلى تعطيل مفاعيل الزيارة.
في هذا السياق، لم يكن غريباً أن ينفجر الحراك العنيف في الشارع فجأة وبالتزامن مع انتهاء الزيارة البابوية. فجاء إطلاق وتضخيم هذه “الثورة الصغيرة” المشاغبة بصخبها وعنفها لمحو صور الحشود الشبابية المنضبطة والمبتهجة التي أحاطت بالبابا، واستبدالها سريعاً في شاشات الإعلام بصور الحرائق وتحطيم الواجهات والصدامات الأمنية، وإلهاء المجتمع الفرنسي بملفات الشغب والأزمات المعيشية والدراسية اليومية، بما يقطع الطريق على أي نقاش فكري أو سياسي منظم يمكن أن يبني على “زلزال الهوية” الذي أحدثته الزيارة.
أما الرئيس ماكرون الذي استهلك رصيده ورصيد فرنسا وأدخلها زمن الانحدار، فقد أصبح خارج الحسابات المستقبلية. ومن الطبيعي أن تقوم النخبة “العلمانية” الحاكمة بالتضحية به، لكي تحاول القول بأن الأزمة هي أزمة إدارة وحكم وليست أزمة هوية. يبقى ذلك أقل كلفة عندها من المخاطرة بالسماح للثورة المضادة الحقيقية بالولادة والوصول إلى سدة الحكم عبر الصناديق، لتعيد صياغة العقد الاجتماعي الفرنسي وتعيد بناء الجمهورية على أسس مستمدة من إرث النظام القديم.
فرنسا بين “الثورات الصغيرة” والثورة المضادة

جاء إطلاق وتضخيم هذه “الثورة الصغيرة” المشاغبة بصخبها وعنفها لمحو صور الحشود الشبابية المنضبطة والمبتهجة التي أحاطت بالبابا
لم تعد الأحداث التي تشهدها فرنسا مجرد أزمات عابرة أو احتجاجات مطلبية اعتاد عليها الشارع هناك، بل أصبحت تشكل تعبيراً عن تحولات بنيويّة عميقة تُنبئ بأزمة “النموذج الجمهوري” الفرنسي. من هذا المنطلق تقف فرنسا اليوم على أعتاب مرحلة سياسية وتاريخية دقيقة ومعقّدة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، تجاوزت النقاشات السياسية حدود البرامج الاقتصادية والوعود الانتخابية التقليدية، لتنفتح على نقاشات فكرية وإعلامية تتداول بجرأة مصطلحات كـ”الثورة”. وهو مناخ أيديولوجي لم تشهد فرنسا مثيلًا له على امتداد القرن العشرين، لأن الصخب الحالي وإن كان يشبه في بعض مظاهره حراك الشباب نهاية الستينات، غير أنه في العمق يذكّر باضطرابات القرن التاسع عشر.
قراءة المشهد الفرنسي الراهن يجب أن توضع في الإطار الزمني والتاريخي الأوسع، وهذا يكشف عن صراع تاريخي ممتد بدا أنه انكفأ في القرن العشرين، ولكنه في الواقع لم ينطفئ منذ الثورة الفرنسية عام 1789. لقد شكّلت تلك الثورة انقلاباً جذرياً ودموياً على الملكية والكنيسة لصالح نظام الجمهورية بقيادة النخب التي أحلّت العلمنة ديناً بديلاً مع مجموعة شعاراتها المعروفة التي حكمت فرنسا وتمّ تصديرها الى بقاع العالم. والجمهورية لم تنعم باستقرار مديد في عقودها الأولى بل ظلّت عرضة لارتدادات “الثورات المضادة” ومحاولات استعادة النظام القديم أو إحياء قيمه على الأقل، بما فيها الإرث الروحي طوال القرن التاسع عشر، حتى صدور قانون العلمنة للعام 1905.
في هذا السياق، تبدو حراكات الشارع العنيفة حالياً، التي تحطّم الممتلكات وتثير الفوضى، بنظر المراقبين ذوي المعرفة التاريخية، قشرةً خارجية أو “أعراضا جانبية” لزلزال سياسي وأيديولوجي أكثر عمقاً يلوح في الأفق.
التحول العميق الحقيقي الذي تعرفه فرنسا ليس في هذه الأحداث، بل تجلّى في المشاهد المليونية في جادة الشانزلزيه وساحات باريس ولورد وميتز خلال زيارة البابا لاوون الرابع عشر. فقد فجّرت الزيارة موجة جارفة من الحنين، ورغبة عارمة لم تعد مكبوتة بالعودة إلى الجذور التاريخية والروحية للبلاد، تمثلت في الانخراط الكثيف والمفاجئ لمئات آلاف الشباب في تلك الأجواء الروحية، مجددين صلتهم بهوية كلاسيكية ظن النظام الحاكم أنه نجح في طمسها إلى الأبد.
هذا التحول الشبابي شكّل صدمة للنخب “العلمانية” الحاكمة وأرسل إشارة إنذار مبكر من “ثورة مضادة حقيقية” تنمو في وجدان جيل جديد يبحث عن أصالة الهوية في مواجهة تفكك النموذج المعولم والعلمانية المضادة للإرث الفرنسي. وكانت الحاجة بالتالي ماسّةً إلى تعطيل مفاعيل الزيارة.
في هذا السياق، لم يكن غريباً أن ينفجر الحراك العنيف في الشارع فجأة وبالتزامن مع انتهاء الزيارة البابوية. فجاء إطلاق وتضخيم هذه “الثورة الصغيرة” المشاغبة بصخبها وعنفها لمحو صور الحشود الشبابية المنضبطة والمبتهجة التي أحاطت بالبابا، واستبدالها سريعاً في شاشات الإعلام بصور الحرائق وتحطيم الواجهات والصدامات الأمنية، وإلهاء المجتمع الفرنسي بملفات الشغب والأزمات المعيشية والدراسية اليومية، بما يقطع الطريق على أي نقاش فكري أو سياسي منظم يمكن أن يبني على “زلزال الهوية” الذي أحدثته الزيارة.
أما الرئيس ماكرون الذي استهلك رصيده ورصيد فرنسا وأدخلها زمن الانحدار، فقد أصبح خارج الحسابات المستقبلية. ومن الطبيعي أن تقوم النخبة “العلمانية” الحاكمة بالتضحية به، لكي تحاول القول بأن الأزمة هي أزمة إدارة وحكم وليست أزمة هوية. يبقى ذلك أقل كلفة عندها من المخاطرة بالسماح للثورة المضادة الحقيقية بالولادة والوصول إلى سدة الحكم عبر الصناديق، لتعيد صياغة العقد الاجتماعي الفرنسي وتعيد بناء الجمهورية على أسس مستمدة من إرث النظام القديم.









