إستنزاف إقليمي وتآكل داخلي

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
23 نيسان 2026

من المفترض أن يحضر لبنان اليوم الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بينه وبين إسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، للبحث في مسألتي تمديد الهدنة القائمة لفترة جديدة ولوقت أطول، إضافة الى مناقشة الإجتماع الثالث، والذي من المفترض أن يشكّل الإنطلاقة الفعلية للمسار التفاوضي من خلال مشاركة لبنان من خلال وفد يرئسه السفير سيمون كرم، ولو أنّه لن يكون مكتملاً مع رفض «الثنائي الشيعي» وتضامن وليد جنبلاط معه. وهو ما يعني أنّ الظروف لم تنضج بعد للدفع بهذا المسار، خصوصاً أنّ الأمور لا تزال معلّقة على الجبهة مع إيران، حيث المناورات تغلب على المفاوضات الجدّية والواقعية.

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة القائمة مع إيران لا يعني حتمية الذهاب إلى التسوية السلمية لاحقاً، بل يعكس دخول مرحلة إدارة الأزمة أكثر منه الذهاب إلى حلها، خصوصاً مع تمسّك كل فريق بالرهان على عامل الوقت لإخضاع خصمه. وربما لهذا السبب لم يعمد ترامب الى وضع حدّ زمني للهدنة الجديدة. فهو يعتقد أنّه نجح في الإستحواذ على ورقة جديدة وثمينة جداً تغنيه عن التصعيد العسكري، وهي ورقة «الحصار البحري»، وهو يريد استخدامها إلى الحدّ الأقصى إلى جانب التهديد والتلويح بشن حرب ضارية، ستطاول هذه المرّة الطاقة ومجالات حيوية وحياتية أخرى، فيما إيران تميل إلى سياسة كسب الوقت مع تجنّب الإنزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، في انتظار سقوط ترامب من الداخل أو تصاعد النقمة الدولية عليه.

 

عند بداية هذه الحرب، كانت الحسابات الأميركية تتركز على حملات جوية وبحرية صاعقة ومكثفة تطاول رأس النظام القائم والتركيبة القيادية، إضافة الى إضعاف البنية التحتية العسكرية بنحو منهجي، لدفع طهران إلى تسوية سياسية شاملة، لم تحقق النتيجة المطلوبة أقله حتى الآن، على رغم من الإغتيالات الواسعة والدمار الهائل. لكن البيت الأبيض لا يزال يراهن على أنّ سياسة النَفَس الطويل الذي تمتاز به إيران من الممكن ترويضها، حيث بات الوقت يلعب ضدّ مصلحتها. ففي الواقع بدا واضحاً، أنّ واشنطن تريد احتواء إيران وتطويعها وليس تدميرها أو تفتيتها، بدليل أنّها لم تعمد إلى رعاية معارضة جدّية لتكون البديل، ولا أيضاً إلى دعم المجموعات الإنفصالية من الأكراد شمالاً إلى البلوش جنوباً.

 

لكن هذا «الغموض» في الأهداف الحقيقية لترامب لا بدّ أنّه رفع من منسوب الحذر لا بل الشكوك لدى طرفين أساسيين وهما دول الخليج وإسرائيل. فثمة همسٌ في بعض الأوساط حول وجود مخاوف لدى بعض الأوساط الخليجية، من أن تفضي المفاوضات بين واشنطن وطهران في نهاية المطاف إلى تسوية تضمن الممرات المائية للطاقة عبر مضيق هرمز مقابل تجاهل الهواجس الأمنية الإقليمية، وفي طليعتها البرنامج الصاروخي الإيراني إضافة إلى ما بات يُعرف بأذرع إيران الإقليمية. وما رفع من منسوب هذه الهواجس، انّ جولة المفاوضات الثانية والتي تمّ تأجيلها وسط تمسك طهران ببعض مطالبها، لم تلحظ ملفي البرنامج الصاروخي والأذرع، بل فقط النقاط المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وآليات التعامل مع نفوذ إيران في مضيق هرمز. ويبدي فريق ترامب قبولاً مبدئياً ومشروطاً بنفوذ أيراني في هرمز. وتعتبر أوساط إعلامية خليجية، أنّ مضيق هرمز أصبح الخط الأحمر الجديد، بعد أن تغيرت قواعد الإشتباك التي كانت سائدة.

 

ولعبة عضّ الأصابع التي يلجأ إليها كلا الطرفين تبدو مكلفة وخطرة. فتراجع نسبة التأييد في الشارع الأميركي للحرب الجارية تنعكس بقوة على مرشحي الحزب الجمهوري، قبل أشهر معدودة على فتح صناديق الإقتراع. فالحزب الديموقراطي بات يراهن ليس فقط على الفوز بمجلسي الكونغرس بل على موجة زرقاء تسمح له لاحقاً بتضييق الخناق على إدارة ترامب وربما السعي إلى عزله. أضف إلى ذلك، تصاعد الأصوات المنتقدة، خصوصاً في صفوف المستقلين، حول السلوك الإعلامي الذي يعتمده ترامب ويشكّل خروجاً عن السلوك المتبع للرؤساء السابقين. فعلى سبيل المثال، حرص الفريق الذي تولّى تخطيط وتنفيذ عملية إنقاذ الطيار الأميركي الذي سقط في إيران بعد إصابة طائرته، على إبعاد ترامب عن تفاصيل العملية تداركاً لإمكانية تأثير تعليقاته العفوية سلباً على نجاح العملية. وخلال الأيام الماضية اضطرت دوائر البيت الأبيض في مناسبتين منفصلتين، إلى تصحيح مواقف متناقضة أدلى بها ترامب حول المفاوضات مع إيران. وقبل يومين تناقض الرئيس الأميركي حين قال وبنحو حاسم، إنّه لن يمدّد قرار وقف إطلاق النار، وهو ما لم يحصل، وإنّ الإتفاق انتهى، وإنّه لم تعد هنالك نقاط خلاف، وسيولد بعد ساعات معدودة، وطبعاً هذا لم يحصل أيضاً. وغرّد عبر منصته، أنّ الفريق المفاوض في طريقه إلى إسلام آباد، في حين لم يكن أحد منهم قد غادر البلاد. فخلافاً للقواعد الصارمة التي كانت متبعة في البيت الأبيض، فإنّ ترامب يعمد إلى التواصل فوراً عبر هاتفه المحمول مع الصحافيين، وتأتي إجاباته سريعة وغير مدروسة بنحو كافٍ.

وأما على الضفة الإيرانية، فالمشكلات لا تبدو أقل صعوبة، خصوصاً مع بدء حالات تسريح جماعية للعمال بسبب الواقع الإقتصادي المأزوم نتيجة الحرب القائمة. فوزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني غلام حسين محمدي، قال إنّ نحو مليوني شخص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب. وربما قد لا يدفع ذلك بالضرورة إلى حصول ردات فعل غاضبة الآن، لكنه يؤسس لواقع مقلق وخطر عند طي صفحة الحرب.

 

ووفق ما تقدّم، فإنّ الخضوع لسياسة «عضّ الأصابع» واستهلاك الوقت في سياق هدنة مفتوحة وغير محددة، ووفق توتر قائم ومستمر ولو بوتيرة منخفضة، سينعكس استمراراً للتوتر في الخليج ولبنان والعراق، ولو وفق سقف مضبوط. صحيح أنّ الإنزلاق في اتجاه الحرب وانهيار الهدنة هو احتمال قائم في حال حصول خطأ ميداني غير محسوب، لكن الطرفين يتجنّبان الذهاب إلى مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية، أقله في الوقت الراهن.

 

لكن لإسرائيل، وبنحو أدق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، حسابات مختلفة. ففي وقت تبدو الحكومة الإسرائيلية متمسكة بالسيطرة العسكرية النهائية على المناطق الواسعة التي احتلتها، مع سعيها لتثبيت ركائز الواقع الميداني الجديد الذي نشأ بعد قرار وقف النار السابق في تشرين 2024، يسعى لبنان الرسمي لإيجاد مسارات خروج تبدو صعبة جداً، من خلال المفاوضات المباشرة. لكن الحكومة الإسرائيلية تريد اقتناص أهدافها من التفاوض المباشر مع لبنان، والتي تختلف جذرياً عن مسعى الحكومة اللبنانية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان استمرار العمل العسكري في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية. ولا بدّ من الإقرار بأنّ العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والتي طرأ عليها تبدّل جذري عقب عملية السابع من أوكتوبر 2023، تسعى لفرض معادلة جديدة تحت وطأة «هواجس» المستوطنات الشمالية، خصوصاً أنّ الإنتخابات ستحصل نهاية تشرين الأول المقبل.

 

وهنا تبدو الحسابات صعبة ومعقّدة وخطيرة على الداخل اللبناني. فـ«حزب الله» أظهر أنّه يريد إسقاط التوازنات داخل السلطة، والتي قامت منذ مطلع 2025، من خلال إسقاط الحكومة. صحيح أنّ «البروفا» التي أجراها لم تؤد إلى إسقاط الحكومة من خلال الشارع بعد تدخّل سعودي حازم وحاسم، لكن في المقابل لا تبدو الحكومة قوية بما فيه الكفاية لفرض إرادتها وقراراتها على «حزب الله»، على رغم من أنّها ما زالت بعيدة من الإنهيار. فقدرتها على الصمود مرهونة بمدى نجاحها في تثبيت وقف النار والحصول على الدعم الخارجي الحاسم، كما إدارة الإنقسامات الداخلية من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الحزب. رغم أنّ «حزب الله» يريد حكماً إعادة عقارب الساعة إلى التوازن الذي كان قائماً داخل السلطة قبل انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية ووصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة. أي العودة إلى وزراء حزبيين يمثلونه، إضافة إلى الثلث المعطل.

 

وفي المحصلة، فإنّ التوازن السلبي القائم مرشح للإستمرار، ما يؤدي إلى تعايش هش ومضطرب. فلا الحزب قادر على إسقاط الحكومة لتحقيق أهدافه، ولا الحكومة قادرة على نزع سلاحه وإخضاعه لقراراتها. والأهم أنّ الضغوط الخارجية ستتزايد في موازاة النزاع الإقليمي المتأزم، إلّا إذا حصلت مفاجأة غير محسوبة، والشرق الأوسط مشهور بمفاجآته.

إستنزاف إقليمي وتآكل داخلي

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
23 نيسان 2026

من المفترض أن يحضر لبنان اليوم الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بينه وبين إسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، للبحث في مسألتي تمديد الهدنة القائمة لفترة جديدة ولوقت أطول، إضافة الى مناقشة الإجتماع الثالث، والذي من المفترض أن يشكّل الإنطلاقة الفعلية للمسار التفاوضي من خلال مشاركة لبنان من خلال وفد يرئسه السفير سيمون كرم، ولو أنّه لن يكون مكتملاً مع رفض «الثنائي الشيعي» وتضامن وليد جنبلاط معه. وهو ما يعني أنّ الظروف لم تنضج بعد للدفع بهذا المسار، خصوصاً أنّ الأمور لا تزال معلّقة على الجبهة مع إيران، حيث المناورات تغلب على المفاوضات الجدّية والواقعية.

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة القائمة مع إيران لا يعني حتمية الذهاب إلى التسوية السلمية لاحقاً، بل يعكس دخول مرحلة إدارة الأزمة أكثر منه الذهاب إلى حلها، خصوصاً مع تمسّك كل فريق بالرهان على عامل الوقت لإخضاع خصمه. وربما لهذا السبب لم يعمد ترامب الى وضع حدّ زمني للهدنة الجديدة. فهو يعتقد أنّه نجح في الإستحواذ على ورقة جديدة وثمينة جداً تغنيه عن التصعيد العسكري، وهي ورقة «الحصار البحري»، وهو يريد استخدامها إلى الحدّ الأقصى إلى جانب التهديد والتلويح بشن حرب ضارية، ستطاول هذه المرّة الطاقة ومجالات حيوية وحياتية أخرى، فيما إيران تميل إلى سياسة كسب الوقت مع تجنّب الإنزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، في انتظار سقوط ترامب من الداخل أو تصاعد النقمة الدولية عليه.

 

عند بداية هذه الحرب، كانت الحسابات الأميركية تتركز على حملات جوية وبحرية صاعقة ومكثفة تطاول رأس النظام القائم والتركيبة القيادية، إضافة الى إضعاف البنية التحتية العسكرية بنحو منهجي، لدفع طهران إلى تسوية سياسية شاملة، لم تحقق النتيجة المطلوبة أقله حتى الآن، على رغم من الإغتيالات الواسعة والدمار الهائل. لكن البيت الأبيض لا يزال يراهن على أنّ سياسة النَفَس الطويل الذي تمتاز به إيران من الممكن ترويضها، حيث بات الوقت يلعب ضدّ مصلحتها. ففي الواقع بدا واضحاً، أنّ واشنطن تريد احتواء إيران وتطويعها وليس تدميرها أو تفتيتها، بدليل أنّها لم تعمد إلى رعاية معارضة جدّية لتكون البديل، ولا أيضاً إلى دعم المجموعات الإنفصالية من الأكراد شمالاً إلى البلوش جنوباً.

 

لكن هذا «الغموض» في الأهداف الحقيقية لترامب لا بدّ أنّه رفع من منسوب الحذر لا بل الشكوك لدى طرفين أساسيين وهما دول الخليج وإسرائيل. فثمة همسٌ في بعض الأوساط حول وجود مخاوف لدى بعض الأوساط الخليجية، من أن تفضي المفاوضات بين واشنطن وطهران في نهاية المطاف إلى تسوية تضمن الممرات المائية للطاقة عبر مضيق هرمز مقابل تجاهل الهواجس الأمنية الإقليمية، وفي طليعتها البرنامج الصاروخي الإيراني إضافة إلى ما بات يُعرف بأذرع إيران الإقليمية. وما رفع من منسوب هذه الهواجس، انّ جولة المفاوضات الثانية والتي تمّ تأجيلها وسط تمسك طهران ببعض مطالبها، لم تلحظ ملفي البرنامج الصاروخي والأذرع، بل فقط النقاط المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وآليات التعامل مع نفوذ إيران في مضيق هرمز. ويبدي فريق ترامب قبولاً مبدئياً ومشروطاً بنفوذ أيراني في هرمز. وتعتبر أوساط إعلامية خليجية، أنّ مضيق هرمز أصبح الخط الأحمر الجديد، بعد أن تغيرت قواعد الإشتباك التي كانت سائدة.

 

ولعبة عضّ الأصابع التي يلجأ إليها كلا الطرفين تبدو مكلفة وخطرة. فتراجع نسبة التأييد في الشارع الأميركي للحرب الجارية تنعكس بقوة على مرشحي الحزب الجمهوري، قبل أشهر معدودة على فتح صناديق الإقتراع. فالحزب الديموقراطي بات يراهن ليس فقط على الفوز بمجلسي الكونغرس بل على موجة زرقاء تسمح له لاحقاً بتضييق الخناق على إدارة ترامب وربما السعي إلى عزله. أضف إلى ذلك، تصاعد الأصوات المنتقدة، خصوصاً في صفوف المستقلين، حول السلوك الإعلامي الذي يعتمده ترامب ويشكّل خروجاً عن السلوك المتبع للرؤساء السابقين. فعلى سبيل المثال، حرص الفريق الذي تولّى تخطيط وتنفيذ عملية إنقاذ الطيار الأميركي الذي سقط في إيران بعد إصابة طائرته، على إبعاد ترامب عن تفاصيل العملية تداركاً لإمكانية تأثير تعليقاته العفوية سلباً على نجاح العملية. وخلال الأيام الماضية اضطرت دوائر البيت الأبيض في مناسبتين منفصلتين، إلى تصحيح مواقف متناقضة أدلى بها ترامب حول المفاوضات مع إيران. وقبل يومين تناقض الرئيس الأميركي حين قال وبنحو حاسم، إنّه لن يمدّد قرار وقف إطلاق النار، وهو ما لم يحصل، وإنّ الإتفاق انتهى، وإنّه لم تعد هنالك نقاط خلاف، وسيولد بعد ساعات معدودة، وطبعاً هذا لم يحصل أيضاً. وغرّد عبر منصته، أنّ الفريق المفاوض في طريقه إلى إسلام آباد، في حين لم يكن أحد منهم قد غادر البلاد. فخلافاً للقواعد الصارمة التي كانت متبعة في البيت الأبيض، فإنّ ترامب يعمد إلى التواصل فوراً عبر هاتفه المحمول مع الصحافيين، وتأتي إجاباته سريعة وغير مدروسة بنحو كافٍ.

وأما على الضفة الإيرانية، فالمشكلات لا تبدو أقل صعوبة، خصوصاً مع بدء حالات تسريح جماعية للعمال بسبب الواقع الإقتصادي المأزوم نتيجة الحرب القائمة. فوزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني غلام حسين محمدي، قال إنّ نحو مليوني شخص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب. وربما قد لا يدفع ذلك بالضرورة إلى حصول ردات فعل غاضبة الآن، لكنه يؤسس لواقع مقلق وخطر عند طي صفحة الحرب.

 

ووفق ما تقدّم، فإنّ الخضوع لسياسة «عضّ الأصابع» واستهلاك الوقت في سياق هدنة مفتوحة وغير محددة، ووفق توتر قائم ومستمر ولو بوتيرة منخفضة، سينعكس استمراراً للتوتر في الخليج ولبنان والعراق، ولو وفق سقف مضبوط. صحيح أنّ الإنزلاق في اتجاه الحرب وانهيار الهدنة هو احتمال قائم في حال حصول خطأ ميداني غير محسوب، لكن الطرفين يتجنّبان الذهاب إلى مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية، أقله في الوقت الراهن.

 

لكن لإسرائيل، وبنحو أدق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، حسابات مختلفة. ففي وقت تبدو الحكومة الإسرائيلية متمسكة بالسيطرة العسكرية النهائية على المناطق الواسعة التي احتلتها، مع سعيها لتثبيت ركائز الواقع الميداني الجديد الذي نشأ بعد قرار وقف النار السابق في تشرين 2024، يسعى لبنان الرسمي لإيجاد مسارات خروج تبدو صعبة جداً، من خلال المفاوضات المباشرة. لكن الحكومة الإسرائيلية تريد اقتناص أهدافها من التفاوض المباشر مع لبنان، والتي تختلف جذرياً عن مسعى الحكومة اللبنانية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان استمرار العمل العسكري في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية. ولا بدّ من الإقرار بأنّ العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والتي طرأ عليها تبدّل جذري عقب عملية السابع من أوكتوبر 2023، تسعى لفرض معادلة جديدة تحت وطأة «هواجس» المستوطنات الشمالية، خصوصاً أنّ الإنتخابات ستحصل نهاية تشرين الأول المقبل.

 

وهنا تبدو الحسابات صعبة ومعقّدة وخطيرة على الداخل اللبناني. فـ«حزب الله» أظهر أنّه يريد إسقاط التوازنات داخل السلطة، والتي قامت منذ مطلع 2025، من خلال إسقاط الحكومة. صحيح أنّ «البروفا» التي أجراها لم تؤد إلى إسقاط الحكومة من خلال الشارع بعد تدخّل سعودي حازم وحاسم، لكن في المقابل لا تبدو الحكومة قوية بما فيه الكفاية لفرض إرادتها وقراراتها على «حزب الله»، على رغم من أنّها ما زالت بعيدة من الإنهيار. فقدرتها على الصمود مرهونة بمدى نجاحها في تثبيت وقف النار والحصول على الدعم الخارجي الحاسم، كما إدارة الإنقسامات الداخلية من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الحزب. رغم أنّ «حزب الله» يريد حكماً إعادة عقارب الساعة إلى التوازن الذي كان قائماً داخل السلطة قبل انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية ووصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة. أي العودة إلى وزراء حزبيين يمثلونه، إضافة إلى الثلث المعطل.

 

وفي المحصلة، فإنّ التوازن السلبي القائم مرشح للإستمرار، ما يؤدي إلى تعايش هش ومضطرب. فلا الحزب قادر على إسقاط الحكومة لتحقيق أهدافه، ولا الحكومة قادرة على نزع سلاحه وإخضاعه لقراراتها. والأهم أنّ الضغوط الخارجية ستتزايد في موازاة النزاع الإقليمي المتأزم، إلّا إذا حصلت مفاجأة غير محسوبة، والشرق الأوسط مشهور بمفاجآته.

مزيد من الأخبار