الداخل تحت القبضة الأمنية، الأمن لا ينتظر نهاية الحرب

بعد وقف إطلاق النار الموقت بين لبنان وإسرائيل، لم تمرّ أحداث إطلاق النار في البقاع كتفصيل عابر. إذ برزت في الداخل اللبناني مؤشرات أمنية توحي بأن الدولة تحاول إعادة تثبيت حضورها في بيئة طالما حكمتها الاستثناءات أكثر من القواعد. لكن السؤال الأهم يبقى: هل بدأت الدولة فعلًا بإعادة رسم حدود سلطتها داخل الداخل اللبناني، أم أننا أمام موجة ظرفية مرتبطة بتوقيت سياسي وأمني دقيق؟
شكّلت ظاهرة إطلاق النار في مختلف المناطق اللبنانية عقب إعلان الهدنة الموقتة مدخلًا للدولة لإعادة تفعيل حضورها الأمني في الداخل، ونقطة انطلاق لتحرّك أمني أكثر حزمًا، فخلال يومين فقط نفّذ الجيش اللبناني مداهمات في بلدات بوداي وطاريا واليمونة، إضافةً إلى بيروت وغيرها، أسفرت عن توقيف 8 أشخاص ومصادرة أسلحة وذخائر. سرعة التدخل لم تكن تفصيلًا إجرائيًا، بل مؤشرًا على مقاربة مختلفة في التعاطي مع مظاهر الفوضى، تقوم على الانتقال السريع من الرصد إلى التنفيذ، ووضع قواعد أساسية عنوانها إطلاق النار ممنوع لأي سببٍ كان، واستتبع أيضًا بانتشار للجيش اللبناني في محيط مخيم الجليل في بعلبك بعد إطلاق النار أيضًا خلال استقبال أحد أبناء المخيّم الذي سقط في الجنوب.
ما يلفت في هذا التطوّر أن إطلاق النار لم يعد يُتعامل معه كسلوك اجتماعي متفلّت أو حالة محلية قابلة للمعالجة التقليدية، بل كجزء من خلل أمني مباشر يمسّ بمعادلة الاستقرار الداخلي. بهذا المعنى تتحوّل هذه الممارسات من ظواهر متكرّرة إلى ملف أمني مفتوح يخضع لسلطة الدولة دون استثناءات جغرافية أو اجتماعية.
وعليه، يُبرِز هذا الإجراء اتجاهًا عامًّا نحو تثبيت مفهوم “حصرية السلاح” بيد الدولة الذي أُعيد تأكيده في أكثر من محطة حكومية، بما في ذلك قرارات 5 و 7 آب وتنظيم مرجعية استخدام القوة، ورغم حساسية هذا المسار والجدل السياسي المحيط به، إلّا أن ما يظهر على الأرض يشير إلى مقاربة تنفيذية أكثر اتساعًا، لا تميّز في المبدأ بين منطقة وأخرى أو بين جهة وأخرى، في محاولة لتكريس مرجعية أمنية واحدة، وتوسيع نطاق الملاحقة الأمنية دون اعتبارات انتقائية.
يضاف إلى هذا المشهد ملف أكثر تعقيدًا يرتبط بالاقتصاد غير الشرعيّ في البقاع، وتحديدًا شبكات المخدّرات والكبتاغون، حيث يواصل الجيش والقوى الأمنية هدم حصون المخدّرات وعصاباتها، ففي شباط الماضي، وقبل اندلاع الحرب بأيام، نفّذ الجيش عمليات نوعية استهدفت معامل تصنيع وتجار مخدّرات، وأفضت إلى توقيفات وضبط كميات كبيرة من المواد الأولية. هذه العمليات لم تكن معزولة، بل شكّلت جزءًا من نمط متصاعد من الضغط الأمني على هذا القطاع.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في الضربات الأمنية، بل في البعد الاقتصادي المحلي والإقليمي لهذا الملف. فشبكات التهريب التي تنشط بين البقاع والحدود اللبنانية السورية لطالما استفادت من لحظات الاضطراب الإقليمي لتوسيع نشاطها، سواء باتجاه الداخل السوري أو عبره إلى الأسواق العربية. غير أن المؤشرات الأخيرة تُظهر تراجعًا في حركة التهريب إلى حدّ الانعدام، نتيجة تشديد الرقابة على المعابر غير الشرعية وتكثيف العمل الاستخباراتي داخل العمق اللبناني.
هذا التراجع حتى لو كان غير مكتمل، ينعكس مباشرة على صورة لبنان في محيطه العربي، حيث لطالما ارتبط اسمه في السنوات الماضية بكونه معبرًا غير منضبط لبعض شبكات التهريب. اليوم، ومع تشديد الإجراءات الأمنية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، وأقرب إلى محاولة إعادة ترميم هذا الانطباع تدريجيًا، ولو من دون إعلان سياسي مباشر.
في المحصّلة، ما يجري لا يبدو مجرّد سلسلة عمليات متفرقة، بل هو مسار متدرّج يعيد طرح سؤال في لحظة دقيقة: هل نحن أمام إعادة تثبيت فعلية لسلطة القانون، أم أمام موجة أمنية مرتبطة بتوازنات ظرفية؟ وبين السؤال والواقع، يبقى المؤكد أن الداخل لم يعد خارج المعادلة، بل في قلب اختبارها.
الداخل تحت القبضة الأمنية، الأمن لا ينتظر نهاية الحرب

بعد وقف إطلاق النار الموقت بين لبنان وإسرائيل، لم تمرّ أحداث إطلاق النار في البقاع كتفصيل عابر. إذ برزت في الداخل اللبناني مؤشرات أمنية توحي بأن الدولة تحاول إعادة تثبيت حضورها في بيئة طالما حكمتها الاستثناءات أكثر من القواعد. لكن السؤال الأهم يبقى: هل بدأت الدولة فعلًا بإعادة رسم حدود سلطتها داخل الداخل اللبناني، أم أننا أمام موجة ظرفية مرتبطة بتوقيت سياسي وأمني دقيق؟
شكّلت ظاهرة إطلاق النار في مختلف المناطق اللبنانية عقب إعلان الهدنة الموقتة مدخلًا للدولة لإعادة تفعيل حضورها الأمني في الداخل، ونقطة انطلاق لتحرّك أمني أكثر حزمًا، فخلال يومين فقط نفّذ الجيش اللبناني مداهمات في بلدات بوداي وطاريا واليمونة، إضافةً إلى بيروت وغيرها، أسفرت عن توقيف 8 أشخاص ومصادرة أسلحة وذخائر. سرعة التدخل لم تكن تفصيلًا إجرائيًا، بل مؤشرًا على مقاربة مختلفة في التعاطي مع مظاهر الفوضى، تقوم على الانتقال السريع من الرصد إلى التنفيذ، ووضع قواعد أساسية عنوانها إطلاق النار ممنوع لأي سببٍ كان، واستتبع أيضًا بانتشار للجيش اللبناني في محيط مخيم الجليل في بعلبك بعد إطلاق النار أيضًا خلال استقبال أحد أبناء المخيّم الذي سقط في الجنوب.
ما يلفت في هذا التطوّر أن إطلاق النار لم يعد يُتعامل معه كسلوك اجتماعي متفلّت أو حالة محلية قابلة للمعالجة التقليدية، بل كجزء من خلل أمني مباشر يمسّ بمعادلة الاستقرار الداخلي. بهذا المعنى تتحوّل هذه الممارسات من ظواهر متكرّرة إلى ملف أمني مفتوح يخضع لسلطة الدولة دون استثناءات جغرافية أو اجتماعية.
وعليه، يُبرِز هذا الإجراء اتجاهًا عامًّا نحو تثبيت مفهوم “حصرية السلاح” بيد الدولة الذي أُعيد تأكيده في أكثر من محطة حكومية، بما في ذلك قرارات 5 و 7 آب وتنظيم مرجعية استخدام القوة، ورغم حساسية هذا المسار والجدل السياسي المحيط به، إلّا أن ما يظهر على الأرض يشير إلى مقاربة تنفيذية أكثر اتساعًا، لا تميّز في المبدأ بين منطقة وأخرى أو بين جهة وأخرى، في محاولة لتكريس مرجعية أمنية واحدة، وتوسيع نطاق الملاحقة الأمنية دون اعتبارات انتقائية.
يضاف إلى هذا المشهد ملف أكثر تعقيدًا يرتبط بالاقتصاد غير الشرعيّ في البقاع، وتحديدًا شبكات المخدّرات والكبتاغون، حيث يواصل الجيش والقوى الأمنية هدم حصون المخدّرات وعصاباتها، ففي شباط الماضي، وقبل اندلاع الحرب بأيام، نفّذ الجيش عمليات نوعية استهدفت معامل تصنيع وتجار مخدّرات، وأفضت إلى توقيفات وضبط كميات كبيرة من المواد الأولية. هذه العمليات لم تكن معزولة، بل شكّلت جزءًا من نمط متصاعد من الضغط الأمني على هذا القطاع.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في الضربات الأمنية، بل في البعد الاقتصادي المحلي والإقليمي لهذا الملف. فشبكات التهريب التي تنشط بين البقاع والحدود اللبنانية السورية لطالما استفادت من لحظات الاضطراب الإقليمي لتوسيع نشاطها، سواء باتجاه الداخل السوري أو عبره إلى الأسواق العربية. غير أن المؤشرات الأخيرة تُظهر تراجعًا في حركة التهريب إلى حدّ الانعدام، نتيجة تشديد الرقابة على المعابر غير الشرعية وتكثيف العمل الاستخباراتي داخل العمق اللبناني.
هذا التراجع حتى لو كان غير مكتمل، ينعكس مباشرة على صورة لبنان في محيطه العربي، حيث لطالما ارتبط اسمه في السنوات الماضية بكونه معبرًا غير منضبط لبعض شبكات التهريب. اليوم، ومع تشديد الإجراءات الأمنية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، وأقرب إلى محاولة إعادة ترميم هذا الانطباع تدريجيًا، ولو من دون إعلان سياسي مباشر.
في المحصّلة، ما يجري لا يبدو مجرّد سلسلة عمليات متفرقة، بل هو مسار متدرّج يعيد طرح سؤال في لحظة دقيقة: هل نحن أمام إعادة تثبيت فعلية لسلطة القانون، أم أمام موجة أمنية مرتبطة بتوازنات ظرفية؟ وبين السؤال والواقع، يبقى المؤكد أن الداخل لم يعد خارج المعادلة، بل في قلب اختبارها.











