خاص- مِن ما بعد بعد حيفا.. إلى ما قَبل قبل الليطاني

غريب أمر هذا المحور، “محور الممانعة”، في أي كتاب يقرأ، وكيف يتعاطى مع الأمور، وكيف يحوّل الهزائم المدوّية الى “انتصارات إلهية”، منعًا لأي نقاش حولها أو انتقاد لأسبابها ودوافعها. والأغرب في هذا المحور هو رأسه، أي الجمهورية الإسلامية في إيران التي نجحت في إشعال الحروب في معظم دول المنطقة بهدف السيطرة عليها، مكتفية باستخدام المال والسلاح لخوض حروبها بدماء شبّان ليسوا أبناءها، ومن دون أن تطلق صاروخًا واحدًا من أراضيها حتى لا تستدعي ردّا مباشرًا عليها لن يكون من السهل عليها تجاوزه.
من غرائب مفردات معاجم “الممانعين” ان يطلقوا على حرب تموز 2006 اسم “العدوان الإسرائيلي على لبنان”، في تزوير علني ومفضوح للتاريخ المعاصر الذي عايشه اللبنانيون بأدق تفاصيله. فللتذكير فقط، ولعل الذكرى تنفع المؤمنين، فقد شنت مجموعة من “حزب الله” في 12 تموز 2006 عملية “الوعد الصادق” عبر الحدود الجنوبية فقتلت ثلاثة جنود إسرائيليين وخطفت اثنين عادت بهما الى لبنان قبل أن يموتا في وقت لاحق متاثرين بجراح لأصيبا بها في أثناء العملية. وحسب ما أعلن “حزب الله” كان الهدف من العملية إجراء عملية تبادل لأسرى لبنانيين وفلسطينيين لدي إسرائيل في مقابل الجنديين الأسيرين لديه. وللتذكير أيضًا كانت الحدود اللبنانية- الإسرائيلية تنعم بفترة هدوء غير مسبوق منذ انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان في 25 ايار عام 2000 حتى 12 تموز 2006. فإذا وضعنا رد الفعل الإسرائيلي الذي أتى لاحقًا بالتأكيد جانبًا، من يكون المعتدي ومن يكون المعتدى عليه؟
والأغرب من ذلك قول الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله في إحدى إطلالاته التلفزيونية خلال حرب تموز: “لو كنت أعلم أن ردة فعل إسرائيل ستكون بهذا العنف لما كنت خطفت الجنود”. فهل من إثبات أوضح من ذلك على تحميل “حزب الله” مسؤولية الحرب؟ إنه اعتراف مباشر وموثق سمعه الملايين حول العالم. وحتى 12 آب 2006 تاريخ إقرار مجلس الأمن الدولي القرار 1701 بعد 33 يومًا من الحرب، كان قد تم إحصاء 1149 شهيدًا، و3600 جريح، وأكثر من مليون نازح من قرى الجنوب والضاحية الجنوبية، وتدمير 17353 وحدة سكنية، فضلًا عن خسائر في الاقتصاد اللبناني والمالية العامة تقدر بمليار و600 مليون دولار أميركي.
والأشد غرابة بعد، أنه بعد وقف إطلاق النار وفقًا للقرار 1701 وافق “حزب الله” على توسيع مهام قوات “اليونيفيل”، ومنع أي وجود مسلح غير شرعي في منطقة جنوب الليطاني، وهو ما لم يكن قائمًا بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وبعد كل ذلك أطل الممانعون، وما زالوا، ليخبروا اللبنانيين والعالم ب”النصر الإلهي” الذي حققه “حزب الله” على إسرائيل بحجة أنها فشلت في تحقيق أهدافها. فإذا كان النصر كذلك، ألّلهم نجّنا من الهزائم.
في نسخة منقّحة، أو ربما مكبّرة، عن حرب تموز، يشهد قطاع غزة منذ أكثر من شهرين هجومًا إسرائيليًا بربريًا غير مسبوق بوحشيته منذ الحرب العالمية الثانية، ردًا على عملية “طوفان الأقصى” الناجحة جدًا بكل المقاييس الأمنية والعسكرية، والتي نفذتها حركة “حماس” في 7 تشرين الأول الماضي ضد المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة. هذه العملية كانت ناجحة بالتأكيد وشكلت انتصارًا حاسمًا ل”حماس” دام حتى يوم 8 تشرين الأول. ولكن ماذا بعد؟ استجلبت اسرائيل تعاطفًا ودعمًا اميركيًا وغربيًا غير مسبوق لتنقض بكل وحشية ممكنة على قطاع غزة بحجة القضاء على “حماس”، موقعة نحو 20 الف قتيل وعشرات آلاف الجرحى من المدنيين حتى الآن، فضلًا عن خسائر مادية لا يمكن إحصاؤها بفعل الكميات الهائلة من المتفجرات التي تلقيها يوميا على مدن وقرى ومخيمات القطاع. ولا شيء يضاهي هذه الأرقام خطورة إلا المشروع الإسرائيلي المبيّت، والذي أصبح معلنًا، بتحقيق “ترانسفير” فلسطيني لسكان القطاع الى مصر او الى أي مكان آخر، محققة نكبة فلسطينية ثانية أشدّ كارثية من الأولى في الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة الأولى.
في الحرب الحالية على الحدود الجنوبية، الم يُبلغ السيد نصرالله اللبنانيين علنًا وفي أكثر من مناسبة أنه من بادر الى فتحتها في الثامن من تشرين الأول الماضي دعمًا لغزة وانطلاقًا من المشروع الإيراني لوحدة الساحات، مورّطًا لبنان بشعبه وجيشه و”مقاومته” في حرب ليس معنيًا بها أكثر من أي شعب عربي شقيق؟ وفي السياق، ألم يعلنها رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي صراحة في مقابلة تلفزيونية أن قرار الحرب والسلم ليس بيد الحكومة؟ بعد كل ذلك يتباكون على الضحايا والخسائر ويبرّرون المأساة بالقول إن العدو الاسرائيلي يعتدي على لبنان وإن سلاحهم ضروري لمقاومته وردع اعتداءاته.
ماذا بعد؟
في الغد القريب، إذا بقي نصف سكان غزة يعيشون في البرد والصقيع فوق ركام منازلهم المدمّرة، يطل علينا “الممانعون” أنفسهم الذين يأتون بمالهم ومأكلهم ومشربهم وسلاحهم وصواريخهم من إيران، ليتحفوننا بنظرياتهم المعهودة عن “انتصار إلهي” جديد، انطلاقًا من المعزوفة نفسها، وهي ان إسرائيل لم تحقق أهدافها في الحرب. عملية “طوفان الأقصى” تحوّلت طوفان نزوح بشري فلسطيني باتجاه سيناء، وصواريخ “حزب الله” التي كانت ستصل الى ما بعد بعد حيفا لم تتجاوز مزارع شبعا، وستتسبب بإبعاد “الحزب” بالتأكيد الى ما قبل قبل الليطاني، بعد انقشاع الحرب في غزة، و”الممانعون” ما زالوا لا يقرأون إلا في كتابهم ويردّدون مصطلحات أكل الدهر عليها وشرب.
خاص- مِن ما بعد بعد حيفا.. إلى ما قَبل قبل الليطاني

غريب أمر هذا المحور، “محور الممانعة”، في أي كتاب يقرأ، وكيف يتعاطى مع الأمور، وكيف يحوّل الهزائم المدوّية الى “انتصارات إلهية”، منعًا لأي نقاش حولها أو انتقاد لأسبابها ودوافعها. والأغرب في هذا المحور هو رأسه، أي الجمهورية الإسلامية في إيران التي نجحت في إشعال الحروب في معظم دول المنطقة بهدف السيطرة عليها، مكتفية باستخدام المال والسلاح لخوض حروبها بدماء شبّان ليسوا أبناءها، ومن دون أن تطلق صاروخًا واحدًا من أراضيها حتى لا تستدعي ردّا مباشرًا عليها لن يكون من السهل عليها تجاوزه.
من غرائب مفردات معاجم “الممانعين” ان يطلقوا على حرب تموز 2006 اسم “العدوان الإسرائيلي على لبنان”، في تزوير علني ومفضوح للتاريخ المعاصر الذي عايشه اللبنانيون بأدق تفاصيله. فللتذكير فقط، ولعل الذكرى تنفع المؤمنين، فقد شنت مجموعة من “حزب الله” في 12 تموز 2006 عملية “الوعد الصادق” عبر الحدود الجنوبية فقتلت ثلاثة جنود إسرائيليين وخطفت اثنين عادت بهما الى لبنان قبل أن يموتا في وقت لاحق متاثرين بجراح لأصيبا بها في أثناء العملية. وحسب ما أعلن “حزب الله” كان الهدف من العملية إجراء عملية تبادل لأسرى لبنانيين وفلسطينيين لدي إسرائيل في مقابل الجنديين الأسيرين لديه. وللتذكير أيضًا كانت الحدود اللبنانية- الإسرائيلية تنعم بفترة هدوء غير مسبوق منذ انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان في 25 ايار عام 2000 حتى 12 تموز 2006. فإذا وضعنا رد الفعل الإسرائيلي الذي أتى لاحقًا بالتأكيد جانبًا، من يكون المعتدي ومن يكون المعتدى عليه؟
والأغرب من ذلك قول الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله في إحدى إطلالاته التلفزيونية خلال حرب تموز: “لو كنت أعلم أن ردة فعل إسرائيل ستكون بهذا العنف لما كنت خطفت الجنود”. فهل من إثبات أوضح من ذلك على تحميل “حزب الله” مسؤولية الحرب؟ إنه اعتراف مباشر وموثق سمعه الملايين حول العالم. وحتى 12 آب 2006 تاريخ إقرار مجلس الأمن الدولي القرار 1701 بعد 33 يومًا من الحرب، كان قد تم إحصاء 1149 شهيدًا، و3600 جريح، وأكثر من مليون نازح من قرى الجنوب والضاحية الجنوبية، وتدمير 17353 وحدة سكنية، فضلًا عن خسائر في الاقتصاد اللبناني والمالية العامة تقدر بمليار و600 مليون دولار أميركي.
والأشد غرابة بعد، أنه بعد وقف إطلاق النار وفقًا للقرار 1701 وافق “حزب الله” على توسيع مهام قوات “اليونيفيل”، ومنع أي وجود مسلح غير شرعي في منطقة جنوب الليطاني، وهو ما لم يكن قائمًا بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وبعد كل ذلك أطل الممانعون، وما زالوا، ليخبروا اللبنانيين والعالم ب”النصر الإلهي” الذي حققه “حزب الله” على إسرائيل بحجة أنها فشلت في تحقيق أهدافها. فإذا كان النصر كذلك، ألّلهم نجّنا من الهزائم.
في نسخة منقّحة، أو ربما مكبّرة، عن حرب تموز، يشهد قطاع غزة منذ أكثر من شهرين هجومًا إسرائيليًا بربريًا غير مسبوق بوحشيته منذ الحرب العالمية الثانية، ردًا على عملية “طوفان الأقصى” الناجحة جدًا بكل المقاييس الأمنية والعسكرية، والتي نفذتها حركة “حماس” في 7 تشرين الأول الماضي ضد المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة. هذه العملية كانت ناجحة بالتأكيد وشكلت انتصارًا حاسمًا ل”حماس” دام حتى يوم 8 تشرين الأول. ولكن ماذا بعد؟ استجلبت اسرائيل تعاطفًا ودعمًا اميركيًا وغربيًا غير مسبوق لتنقض بكل وحشية ممكنة على قطاع غزة بحجة القضاء على “حماس”، موقعة نحو 20 الف قتيل وعشرات آلاف الجرحى من المدنيين حتى الآن، فضلًا عن خسائر مادية لا يمكن إحصاؤها بفعل الكميات الهائلة من المتفجرات التي تلقيها يوميا على مدن وقرى ومخيمات القطاع. ولا شيء يضاهي هذه الأرقام خطورة إلا المشروع الإسرائيلي المبيّت، والذي أصبح معلنًا، بتحقيق “ترانسفير” فلسطيني لسكان القطاع الى مصر او الى أي مكان آخر، محققة نكبة فلسطينية ثانية أشدّ كارثية من الأولى في الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة الأولى.
في الحرب الحالية على الحدود الجنوبية، الم يُبلغ السيد نصرالله اللبنانيين علنًا وفي أكثر من مناسبة أنه من بادر الى فتحتها في الثامن من تشرين الأول الماضي دعمًا لغزة وانطلاقًا من المشروع الإيراني لوحدة الساحات، مورّطًا لبنان بشعبه وجيشه و”مقاومته” في حرب ليس معنيًا بها أكثر من أي شعب عربي شقيق؟ وفي السياق، ألم يعلنها رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي صراحة في مقابلة تلفزيونية أن قرار الحرب والسلم ليس بيد الحكومة؟ بعد كل ذلك يتباكون على الضحايا والخسائر ويبرّرون المأساة بالقول إن العدو الاسرائيلي يعتدي على لبنان وإن سلاحهم ضروري لمقاومته وردع اعتداءاته.
ماذا بعد؟
في الغد القريب، إذا بقي نصف سكان غزة يعيشون في البرد والصقيع فوق ركام منازلهم المدمّرة، يطل علينا “الممانعون” أنفسهم الذين يأتون بمالهم ومأكلهم ومشربهم وسلاحهم وصواريخهم من إيران، ليتحفوننا بنظرياتهم المعهودة عن “انتصار إلهي” جديد، انطلاقًا من المعزوفة نفسها، وهي ان إسرائيل لم تحقق أهدافها في الحرب. عملية “طوفان الأقصى” تحوّلت طوفان نزوح بشري فلسطيني باتجاه سيناء، وصواريخ “حزب الله” التي كانت ستصل الى ما بعد بعد حيفا لم تتجاوز مزارع شبعا، وستتسبب بإبعاد “الحزب” بالتأكيد الى ما قبل قبل الليطاني، بعد انقشاع الحرب في غزة، و”الممانعون” ما زالوا لا يقرأون إلا في كتابهم ويردّدون مصطلحات أكل الدهر عليها وشرب.

