واشنطن وطهران… نزال بلا حسم

مع ارتفاع صدى طبول الحرب التي تُقرع في المنطقة إيذانًا باقتراب موعد جولة قتال جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: لماذا لم ينجح أيّ من الطرفين في تحقيق نصر حقيقي في جولات القتال السابقة؟ وهل يُترجَم انطلاق أيّ منازلة عسكرية جديدة، تكون ربّما أشدّ ضراوة من سابقاتها، إلى نصر شامل لأيّ من الطرفين هذه المرّة؟
أثبتت الحروب العسكرية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، وشهدت تطورات كبيرة في وسائلها وأساليبها، أن الحسم العسكري لأيّ طرف متفوّق على خصمه لا يقوده بالضرورة إلى تحقيق انتصار سياسي، كما أن الدول التي تنجو من الهزيمة المطلقة خلال الحروب لا يمكنها البتة اعتبار الأمر انتصارًا، إلّا وفق حساباتها العقائدية.
وبين هذين الحدّين، يمكن إدراك طبيعة الكباش الأميركي – الإيراني. فقد بيّنت أشهر طويلة من جولات القتال الضارية بين “العم سام” ونظام الملالي، والضغوط الاقتصادية المهولة التي أنهكت طهران، فضلًا عن تمدّد المواجهة إلى دول الإقليم، حقيقة دامغة مفادها أن أعتى قوّة عسكرية في العالم، أي الولايات المتحدة، بإمكانها إلحاق أضرار عسكرية تفوق الوصف بإيران، إلّا أنها لا تملك بالضرورة القدرة المطلقة على فرض الخاتمة السياسية السعيدة التي تشتهيها، في حين يمكن لمن تبقّى من صنّاع القرار في طهران إفشال حسابات واشنطن ورفع كلفة المواجهة وتكبيد دول المنطقة جزءًا من أكلافها، لكن من دون أن يتمتّعوا بالأدوات اللازمة لإلحاق هزيمة بالجبروت الأميركي يمكن وصفها بالاستراتيجية.
تكمن العقدة إذًا في النزال الأميركي – الإيراني في أنّ هناك طرفًا يتمتّع بتفوّق عسكري وتكنولوجي واقتصادي، لكنّه يُخفق حتى الآن في ترجمة تفوّقه إلى نتائج سياسية حاسمة لمصلحته، بينما يتلقّى الطرف الآخر ضربات قاصمة بسبب الاختلال الفاضح في موازين القوى العسكرية، إلّا أنّه يراهن على ما يعتبره صمودًا وعلى شراء الوقت وعلى استنزاف عدوه، بغية منعه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية بانتظار تبدّلات سياسية ما، غير آبه بالويلات التي تلحق بشعبه المحاصر من الخارج والداخل.
لا ريب في أن نظام الملالي نجح في حرف الأنظار عن الملف الأساسي الذي كان سبب اندلاع الحرب، وهو الملف النووي، وتحويل الاهتمام إلى أدوات اقتصادية موجعة يمكن أن تساعده في الصمود، وأن تعدّل قليلًا في اختلال الميزان العسكري. هنا وجدت طهران في ورقة مضيق هرمز الحيوي سلاحًا اقتصاديًا فتّاكًا يكاد يوازي بأهمّيته برنامجها النووي. فالممرّ الحيوي تحوّل من ممرّ بحري كان مشرّعًا للسفن في كل الاتجاهات قبل الحرب إلى إحدى أعقد أوراق الضغط التي تُمسك بها طهران. وقد نجحت إيران نسبيًّا في تعطيل الملاحة في المضيق أو، على الأقلّ، في إحداث اضطرابات في حركة المرور فيه، وهو أمر انعكس ارتفاعًا في أسعار النفط العالمية، وأربك سلاسل الإمداد حول العالم.
في المحصّلة، وبغضّ النظر عمّن سيُعلن انتصاره في جولة الحرب المقبلة، يكمن الاستنتاج الأخطر من الحروب الأخيرة في أنّها رسّخت واقعًا أمست فيه القوّة العسكرية المفرطة وسيلة مفضّلة لإدارة الخلافات بين الدول، وأمست الممرّات البحرية الطبيعية والاقتصاد العالمي وأمن الدول الآمنة وسائلَ ضغط وأوراقًا تفاوضية في صراع مرير لا يبدو أن أيّ طرف قادر على حسمه لمصلحته بشكل كامل في المدى المنظور.
واشنطن وطهران… نزال بلا حسم

مع ارتفاع صدى طبول الحرب التي تُقرع في المنطقة إيذانًا باقتراب موعد جولة قتال جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: لماذا لم ينجح أيّ من الطرفين في تحقيق نصر حقيقي في جولات القتال السابقة؟ وهل يُترجَم انطلاق أيّ منازلة عسكرية جديدة، تكون ربّما أشدّ ضراوة من سابقاتها، إلى نصر شامل لأيّ من الطرفين هذه المرّة؟
أثبتت الحروب العسكرية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، وشهدت تطورات كبيرة في وسائلها وأساليبها، أن الحسم العسكري لأيّ طرف متفوّق على خصمه لا يقوده بالضرورة إلى تحقيق انتصار سياسي، كما أن الدول التي تنجو من الهزيمة المطلقة خلال الحروب لا يمكنها البتة اعتبار الأمر انتصارًا، إلّا وفق حساباتها العقائدية.
وبين هذين الحدّين، يمكن إدراك طبيعة الكباش الأميركي – الإيراني. فقد بيّنت أشهر طويلة من جولات القتال الضارية بين “العم سام” ونظام الملالي، والضغوط الاقتصادية المهولة التي أنهكت طهران، فضلًا عن تمدّد المواجهة إلى دول الإقليم، حقيقة دامغة مفادها أن أعتى قوّة عسكرية في العالم، أي الولايات المتحدة، بإمكانها إلحاق أضرار عسكرية تفوق الوصف بإيران، إلّا أنها لا تملك بالضرورة القدرة المطلقة على فرض الخاتمة السياسية السعيدة التي تشتهيها، في حين يمكن لمن تبقّى من صنّاع القرار في طهران إفشال حسابات واشنطن ورفع كلفة المواجهة وتكبيد دول المنطقة جزءًا من أكلافها، لكن من دون أن يتمتّعوا بالأدوات اللازمة لإلحاق هزيمة بالجبروت الأميركي يمكن وصفها بالاستراتيجية.
تكمن العقدة إذًا في النزال الأميركي – الإيراني في أنّ هناك طرفًا يتمتّع بتفوّق عسكري وتكنولوجي واقتصادي، لكنّه يُخفق حتى الآن في ترجمة تفوّقه إلى نتائج سياسية حاسمة لمصلحته، بينما يتلقّى الطرف الآخر ضربات قاصمة بسبب الاختلال الفاضح في موازين القوى العسكرية، إلّا أنّه يراهن على ما يعتبره صمودًا وعلى شراء الوقت وعلى استنزاف عدوه، بغية منعه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية بانتظار تبدّلات سياسية ما، غير آبه بالويلات التي تلحق بشعبه المحاصر من الخارج والداخل.
لا ريب في أن نظام الملالي نجح في حرف الأنظار عن الملف الأساسي الذي كان سبب اندلاع الحرب، وهو الملف النووي، وتحويل الاهتمام إلى أدوات اقتصادية موجعة يمكن أن تساعده في الصمود، وأن تعدّل قليلًا في اختلال الميزان العسكري. هنا وجدت طهران في ورقة مضيق هرمز الحيوي سلاحًا اقتصاديًا فتّاكًا يكاد يوازي بأهمّيته برنامجها النووي. فالممرّ الحيوي تحوّل من ممرّ بحري كان مشرّعًا للسفن في كل الاتجاهات قبل الحرب إلى إحدى أعقد أوراق الضغط التي تُمسك بها طهران. وقد نجحت إيران نسبيًّا في تعطيل الملاحة في المضيق أو، على الأقلّ، في إحداث اضطرابات في حركة المرور فيه، وهو أمر انعكس ارتفاعًا في أسعار النفط العالمية، وأربك سلاسل الإمداد حول العالم.
في المحصّلة، وبغضّ النظر عمّن سيُعلن انتصاره في جولة الحرب المقبلة، يكمن الاستنتاج الأخطر من الحروب الأخيرة في أنّها رسّخت واقعًا أمست فيه القوّة العسكرية المفرطة وسيلة مفضّلة لإدارة الخلافات بين الدول، وأمست الممرّات البحرية الطبيعية والاقتصاد العالمي وأمن الدول الآمنة وسائلَ ضغط وأوراقًا تفاوضية في صراع مرير لا يبدو أن أيّ طرف قادر على حسمه لمصلحته بشكل كامل في المدى المنظور.










