جغرافيا الوصاية: من تتريك الأسماء إلى ولاية الخرائط

من يريد أن يملك أرضًا يبدأ بامتلاك ذاكرتها، فيغيّر اسم الشارع قبل حدوده، واسم الجبل قبل أن يرفع عليه رايته. فالاسم، في أي مشروع توسّعي، ليس تفصيلا عابرًا، بل معركة سيادة مؤجَّلة.
هكذا فعلت السلطنة العثمانية في عقودها الأخيرة: منذ 1913 وحتى اليوم، بدّلت آلاف الأسماء الأرمنية واليونانية والكردية بأسماء تركية – يقدّر باحثون عدد الأسماء اليونانية وحدها بنحو 4200 اسم – بحجة أنها أسماء “أجنبية” أو “مثيرة للفتنة”.
والمفارقة أن إيران، خصم تركيا الإقليمي، تلميذتها الأبرع في هذا المجال: ففي الميادين ودير الزور شرقي سوريا، حوّلت ميليشياتها “شارع الجيش” التاريخي إلى “شارع الإمام العباس”، و”أنس بن مالك” إلى “شارع الخميني”، و”أبو غريب” إلى “شارع قاسم سليماني”. التتريك نفسه، لكن بلغة فارسية هذه المرة.
وفي لبنان، النسخة نفسها: في الضاحية الجنوبية، حيث لا سلطة فعلية إلا لسلاح الميليشيا الإيرانية، شارعٌ في الغبيري يتوسّطه تمثال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري؛ وشارعٌ في حارة حريك باسم الخميني، صاحب مرجعية “ولاية الفقيه” – الاسم نفسه الذي رفعه اتحاد بلديات الضاحية على لافتة رسمية عند مخرج مطار بيروت منذ 2019، وثالثٌ باسم مصطفى شمران، وزير الدفاع الإيراني الأسبق. وإلى جانبها أسماء طلعت من رحم “الحزب نفسه” – “الشورى”، “القائم”، “سيد الشهداء” – ونجت من زوال المقارّ التي سُمّيت باسمها، لتصير، بحكم الأمر الواقع، الاسم “الحقيقي” للمكان في وعي جيلٍ كامل.
أليست هذه بالضبط وظيفة الدولة الموازية حين تستغني عن السلاح؟ لا حاجة لاحتلال شارع إن كنت قادرًا على تسميته. لا حاجة لجيش يحرس الحدود إن كانت لافتة الشارع تحرس الولاء. لا حاجة لسفارة تمثّل طهران إن كان التمثال يمثّلها في كل ميدان. فحين يكون لكيانٍ جيشه الخاص، ومصرفه الموازي من “القرض الحسن” إلى فروعه، وخريطته بأسمائه هو، فأي معنى بقي لكلمة “دولة” في العنوان الرسمي؟
هذا ليس زخرفًا حضريًا، بل ضمّ ناعم، حرفًا حرفًا، وزاويةً وزاوية.
صحيح أن الدولة استعادت، في آب الماضي، “جادة حافظ الأسد” المؤدية إلى مطار بيروت، التي كانت باسم الرئيس كميل شمعون قبل أن تُصادَر باسم الأسد في التسعينيات، في زمن الاحتلال السوري وسمّتها هذه المرة باسم زياد الرحباني. القرار مرّ في نفس الجلسة الحكومية التي كلّفت الجيش بخطة لحصر السلاح، وهو البند الذي دفع وزراء “حزب الله” و”أمل” للانسحاب احتجاجًا. أما تسمية الجادة تحديدًا، فعبرت عنها أبواق “الحزب” بوصفها بـ”كيدية سياسية”. فالميليشيا الإيرانية تفرض حين تملك القدرة، وتحتجّ حين يُطلَب منها التنازل، وفي الحالتين تتصرّف كدولةٍ صاحبة قرار. أما تمثال سليماني في الغبيري، فما زال، حتى عاشوراء الأخيرة، نقطة تجمّع يحفّ بها مجسّمٌ لخامنئي، دليلا على أن استعادة شارع واحد لا تعني استعادة الخريطة.
يكفي أن يُسمَح لسلاح غير شرعي أن يوقّع خرائط الدولة نيابة عنها. ثكنة الشيخ عبد الله في بعلبك حيث وُلد المشروع سنة 1985، وشوارع الضاحية حيث ترعرع، وأسماء تلال وقرى بلاد بشارة التي استبدلها بجبل عامل، كلّها عناوين لحكاية واحدة: جغرافيا تُستعمَر بالاسم قبل أن تُستباح بالسلاح.
جغرافيا الوصاية: من تتريك الأسماء إلى ولاية الخرائط

من يريد أن يملك أرضًا يبدأ بامتلاك ذاكرتها، فيغيّر اسم الشارع قبل حدوده، واسم الجبل قبل أن يرفع عليه رايته. فالاسم، في أي مشروع توسّعي، ليس تفصيلا عابرًا، بل معركة سيادة مؤجَّلة.
هكذا فعلت السلطنة العثمانية في عقودها الأخيرة: منذ 1913 وحتى اليوم، بدّلت آلاف الأسماء الأرمنية واليونانية والكردية بأسماء تركية – يقدّر باحثون عدد الأسماء اليونانية وحدها بنحو 4200 اسم – بحجة أنها أسماء “أجنبية” أو “مثيرة للفتنة”.
والمفارقة أن إيران، خصم تركيا الإقليمي، تلميذتها الأبرع في هذا المجال: ففي الميادين ودير الزور شرقي سوريا، حوّلت ميليشياتها “شارع الجيش” التاريخي إلى “شارع الإمام العباس”، و”أنس بن مالك” إلى “شارع الخميني”، و”أبو غريب” إلى “شارع قاسم سليماني”. التتريك نفسه، لكن بلغة فارسية هذه المرة.
وفي لبنان، النسخة نفسها: في الضاحية الجنوبية، حيث لا سلطة فعلية إلا لسلاح الميليشيا الإيرانية، شارعٌ في الغبيري يتوسّطه تمثال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري؛ وشارعٌ في حارة حريك باسم الخميني، صاحب مرجعية “ولاية الفقيه” – الاسم نفسه الذي رفعه اتحاد بلديات الضاحية على لافتة رسمية عند مخرج مطار بيروت منذ 2019، وثالثٌ باسم مصطفى شمران، وزير الدفاع الإيراني الأسبق. وإلى جانبها أسماء طلعت من رحم “الحزب نفسه” – “الشورى”، “القائم”، “سيد الشهداء” – ونجت من زوال المقارّ التي سُمّيت باسمها، لتصير، بحكم الأمر الواقع، الاسم “الحقيقي” للمكان في وعي جيلٍ كامل.
أليست هذه بالضبط وظيفة الدولة الموازية حين تستغني عن السلاح؟ لا حاجة لاحتلال شارع إن كنت قادرًا على تسميته. لا حاجة لجيش يحرس الحدود إن كانت لافتة الشارع تحرس الولاء. لا حاجة لسفارة تمثّل طهران إن كان التمثال يمثّلها في كل ميدان. فحين يكون لكيانٍ جيشه الخاص، ومصرفه الموازي من “القرض الحسن” إلى فروعه، وخريطته بأسمائه هو، فأي معنى بقي لكلمة “دولة” في العنوان الرسمي؟
هذا ليس زخرفًا حضريًا، بل ضمّ ناعم، حرفًا حرفًا، وزاويةً وزاوية.
صحيح أن الدولة استعادت، في آب الماضي، “جادة حافظ الأسد” المؤدية إلى مطار بيروت، التي كانت باسم الرئيس كميل شمعون قبل أن تُصادَر باسم الأسد في التسعينيات، في زمن الاحتلال السوري وسمّتها هذه المرة باسم زياد الرحباني. القرار مرّ في نفس الجلسة الحكومية التي كلّفت الجيش بخطة لحصر السلاح، وهو البند الذي دفع وزراء “حزب الله” و”أمل” للانسحاب احتجاجًا. أما تسمية الجادة تحديدًا، فعبرت عنها أبواق “الحزب” بوصفها بـ”كيدية سياسية”. فالميليشيا الإيرانية تفرض حين تملك القدرة، وتحتجّ حين يُطلَب منها التنازل، وفي الحالتين تتصرّف كدولةٍ صاحبة قرار. أما تمثال سليماني في الغبيري، فما زال، حتى عاشوراء الأخيرة، نقطة تجمّع يحفّ بها مجسّمٌ لخامنئي، دليلا على أن استعادة شارع واحد لا تعني استعادة الخريطة.
يكفي أن يُسمَح لسلاح غير شرعي أن يوقّع خرائط الدولة نيابة عنها. ثكنة الشيخ عبد الله في بعلبك حيث وُلد المشروع سنة 1985، وشوارع الضاحية حيث ترعرع، وأسماء تلال وقرى بلاد بشارة التي استبدلها بجبل عامل، كلّها عناوين لحكاية واحدة: جغرافيا تُستعمَر بالاسم قبل أن تُستباح بالسلاح.









