ماذا يحصل إذا تعطّلت المفاوضات؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
11 آب 2026

لطالما صرخ «حزب الله»: «أوقفوا هذه المفاوضات المذلّة مع إسرائيل». حتى أيام خلت، كان منطق الدولة: حربكم هي التي فرضت علينا الذل، وأما المفاوضات فخيارنا الوحيد الممكن لاستعادة الأمن والكرامة. ولكن، أخيراً، سرّب لبنان الرسمي معلومات مفادها أنّه سيقاطع الجولة الثامنة في روما، إذا لم توقف إسرائيل عملياتها العسكرية وتبدأ الانسحاب من لبنان. وهذا يوحي بأنّ لبنان الرسمي بات يتقاطع مع «الحزب» على تعطيل المفاوضات. ومن هنا، يصبح بديهياً طرح سؤالين: ماذا بعد التعطيل؟ ومن المستفيد منه؟

لم يعلن «حزب الله» أبداً ما هو طرحه البديل إذا تعطلت المفاوضات. هو فقط يطالب الدولة بوقف التفاوض ويسكت عن التتمة. وفي الواقع، هو يدرك أنّ المأزق الحقيقي لا يكمن في المفاوضات، بل في الحرب غير المتكافئة التي يخوضها هو مع إسرائيل، والتي سمحت لها بإعادة احتلال الجنوب، وباتت تنذر بالتوسع أكثر في المرحلة المقبلة. فهذه الحرب هي التي فرضت على لبنان أن يجلس ضعيفاً مهزوماً إلى الطاولة مع الإسرائيليين والأميركيين، حيث لا أوراق قوة يدافع بها عن نفسه. وعندما يُسأل «حزب الله»: ما هو طرحُكم؟ يفضّل تغطية الجواب بالهجوم على الدولة، وانتقاد ضعفها و«تخاذلها» في وجه إسرائيل.

ولكن، الدولة نفسها لا تملك أي خيار إذا تخلّت عن المفاوضات. وواشنطن في هذه الحال ستحمّلها المسؤولية عن قطع التواصل واعتماد السلبية. وبناء على ذلك، ستمنح إسرائيل تغطيتها الكاملة لمواصلة الحرب والتوسع. ولا يمكن للبنان أن ينسى أن وقف النار الحالي- وهو نسبي طبعاً- لم يكن ليتحقق لولا التغطية الأميركية، وكذلك وقف التوغل الإسرائيلي في مناطق جنوبية إضافية. ولذلك، لا يجرؤ لبنان الرسمي على تعطيل المفاوضات، تماماً كما لا يجرؤ على مواجهة «حزب الله» وتفكيك سلاحه.

في الواقع، تحاول الحكومة أن تلعب ورقة المناورة في وجه إسرائيل، عندما تهدّد بتعطيل الجولة الثامنة. لكنها عملياً تستخدم الورقة ضدّ «حزب الله». فـ«الحزب» لا يتحمّل اليوم عودة الحرب. وهو يفضّل كسب الوقت بالمفاوضات، ريثما تتبلور معطيات أفضل له ولإيران. ولو كان خيار الحرب يناسب «الحزب»، لما انتظر أحداً، ولأشعل الحرب مجدداً ببضعة صواريخ ومسيرات على شمال إسرائيل، كما فعل في الجولة الأخيرة، عندما ردّ على اغتيال المرشد علي خامنئي، ما أدّى إلى اندلاع الحرب مجدداً وتوسع السيطرة الإسرائيلية. كما أنّ إيران نفسها تفضّل اليوم عدم إغراق «الحزب» في حرب جديدة، لأنّها ستكون أشبه بتصفية لما بقي منه ومن سلاحه وبيئته في ما بقي من الجنوب، والبقاع والضاحية الجنوبية ربما.

لذلك، عندما يهدّد لبنان الرسمي بتعطيل التفاوض، إنما يضع «حزب الله» أمام استحقاق واقعي: سنستجيب لطلبكم ونوقف المفاوضات. ولكن، أنتم ستندمون على ذلك، لأنّ أي خيار لن يبقى لكم سوى حرب كارثية جديدة مع إسرائيل، أنتم تبذلون كل جهد للتهرّب منها.

ومن المفارقات المثيرة، أنّ «حزب الله» لم يعجبه هذه المرّة تهديد الحكومة بتعطيل التفاوض، على رغم من أنّه في كل لحظة يسارع إلى المطالبة بوقفها. ويعني هذا أنّ المطالبة ليست سوى مناورة سياسية يمارسها «الحزب» في لحظة ضعفه. ويدرك لبنان الرسمي هذه المعادلة، ولذلك جاء تهديده بالتعطيل بمثابة دعوة إلى «الحزب» لاعتماد خيار واقعي، سواء في الميدان لجهة الموافقة على تسليم السلاح، أو في السياسة لجهة تسليم الدولة قرار الحرب والسلم. وفي معنى آخر، الدولة تعرف أنّ عواقب التعطيل حرب إسرائيلية تكمل السيطرة على ما تبقّى من الجنوب. فبعد خط الليطاني، وخط الزهراني، قد يصبح الهدف خط الأولي. وهذا الاحتمال ليس خرافياً كما يظن البعض. فكثيرون لم يكونوا يصدّقون أنّ إسرائيل ستتوغل براً وتسيطر على مساحات هائلة من الجنوب. والآن، بات الأمر واقعاً، مدّعماً بعمليات النسف والجرف وتصحير المناطق، بحيث سيكون صعباً جداً تغييره.

المثير هو أنّ إسرائيل نفسها تعرف أنّ لبنان الرسمي يناور بالتلويح بورقة تعطيل المفاوضات، وأنّ «حزب الله» أيضاً يناور بالدعوة إلى تعطيلها. وهي تدرك أنّ الطرفين لا يريدان أو لا يستطيعان التملّص من التفاوض. ولذلك، هي تمضي في التصلّب، على الأرض في الجنوب وعلى الطاولة في روما، وفي اقتناعها أنّ لبنان الرسمي سيرضخ للشروط على الطاولة، وأنّ «الحزب» سيرضخ ميدانياً بعد أن يخسر ترسانته الجبارة وأنفاقه الهائلة، وأبرزها الشقيف وعلي الطاهر.

سمات المرحلة المقبلة، بدأت تتشكّل جنوباً: لبنان الرسمي لن يجرؤ على خوض غمار الحسم مع «حزب الله» وهيكليته وأنفاقه وترسانته، وسيترك للزمن أن يعالج الأمر، أي سيترك المواجهة تدور بين إسرائيل و«الحزب»، ما دام هذا «الحزب» مصرّاً على منطق المواجهة ورافضاً للتسوية. وهذا الأمر سيدفع بنيامين نتنياهو إلى لعب أوراق القوة في الجنوب إلى الحدّ الأقصى، ما يعني مضاعفة الخسائر المتوقعة، بحيث يصبح الجنوب كله تقريباً تحت السيطرة المباشرة وغير المباشرة.

ماذا يحصل إذا تعطّلت المفاوضات؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
11 آب 2026

لطالما صرخ «حزب الله»: «أوقفوا هذه المفاوضات المذلّة مع إسرائيل». حتى أيام خلت، كان منطق الدولة: حربكم هي التي فرضت علينا الذل، وأما المفاوضات فخيارنا الوحيد الممكن لاستعادة الأمن والكرامة. ولكن، أخيراً، سرّب لبنان الرسمي معلومات مفادها أنّه سيقاطع الجولة الثامنة في روما، إذا لم توقف إسرائيل عملياتها العسكرية وتبدأ الانسحاب من لبنان. وهذا يوحي بأنّ لبنان الرسمي بات يتقاطع مع «الحزب» على تعطيل المفاوضات. ومن هنا، يصبح بديهياً طرح سؤالين: ماذا بعد التعطيل؟ ومن المستفيد منه؟

لم يعلن «حزب الله» أبداً ما هو طرحه البديل إذا تعطلت المفاوضات. هو فقط يطالب الدولة بوقف التفاوض ويسكت عن التتمة. وفي الواقع، هو يدرك أنّ المأزق الحقيقي لا يكمن في المفاوضات، بل في الحرب غير المتكافئة التي يخوضها هو مع إسرائيل، والتي سمحت لها بإعادة احتلال الجنوب، وباتت تنذر بالتوسع أكثر في المرحلة المقبلة. فهذه الحرب هي التي فرضت على لبنان أن يجلس ضعيفاً مهزوماً إلى الطاولة مع الإسرائيليين والأميركيين، حيث لا أوراق قوة يدافع بها عن نفسه. وعندما يُسأل «حزب الله»: ما هو طرحُكم؟ يفضّل تغطية الجواب بالهجوم على الدولة، وانتقاد ضعفها و«تخاذلها» في وجه إسرائيل.

ولكن، الدولة نفسها لا تملك أي خيار إذا تخلّت عن المفاوضات. وواشنطن في هذه الحال ستحمّلها المسؤولية عن قطع التواصل واعتماد السلبية. وبناء على ذلك، ستمنح إسرائيل تغطيتها الكاملة لمواصلة الحرب والتوسع. ولا يمكن للبنان أن ينسى أن وقف النار الحالي- وهو نسبي طبعاً- لم يكن ليتحقق لولا التغطية الأميركية، وكذلك وقف التوغل الإسرائيلي في مناطق جنوبية إضافية. ولذلك، لا يجرؤ لبنان الرسمي على تعطيل المفاوضات، تماماً كما لا يجرؤ على مواجهة «حزب الله» وتفكيك سلاحه.

في الواقع، تحاول الحكومة أن تلعب ورقة المناورة في وجه إسرائيل، عندما تهدّد بتعطيل الجولة الثامنة. لكنها عملياً تستخدم الورقة ضدّ «حزب الله». فـ«الحزب» لا يتحمّل اليوم عودة الحرب. وهو يفضّل كسب الوقت بالمفاوضات، ريثما تتبلور معطيات أفضل له ولإيران. ولو كان خيار الحرب يناسب «الحزب»، لما انتظر أحداً، ولأشعل الحرب مجدداً ببضعة صواريخ ومسيرات على شمال إسرائيل، كما فعل في الجولة الأخيرة، عندما ردّ على اغتيال المرشد علي خامنئي، ما أدّى إلى اندلاع الحرب مجدداً وتوسع السيطرة الإسرائيلية. كما أنّ إيران نفسها تفضّل اليوم عدم إغراق «الحزب» في حرب جديدة، لأنّها ستكون أشبه بتصفية لما بقي منه ومن سلاحه وبيئته في ما بقي من الجنوب، والبقاع والضاحية الجنوبية ربما.

لذلك، عندما يهدّد لبنان الرسمي بتعطيل التفاوض، إنما يضع «حزب الله» أمام استحقاق واقعي: سنستجيب لطلبكم ونوقف المفاوضات. ولكن، أنتم ستندمون على ذلك، لأنّ أي خيار لن يبقى لكم سوى حرب كارثية جديدة مع إسرائيل، أنتم تبذلون كل جهد للتهرّب منها.

ومن المفارقات المثيرة، أنّ «حزب الله» لم يعجبه هذه المرّة تهديد الحكومة بتعطيل التفاوض، على رغم من أنّه في كل لحظة يسارع إلى المطالبة بوقفها. ويعني هذا أنّ المطالبة ليست سوى مناورة سياسية يمارسها «الحزب» في لحظة ضعفه. ويدرك لبنان الرسمي هذه المعادلة، ولذلك جاء تهديده بالتعطيل بمثابة دعوة إلى «الحزب» لاعتماد خيار واقعي، سواء في الميدان لجهة الموافقة على تسليم السلاح، أو في السياسة لجهة تسليم الدولة قرار الحرب والسلم. وفي معنى آخر، الدولة تعرف أنّ عواقب التعطيل حرب إسرائيلية تكمل السيطرة على ما تبقّى من الجنوب. فبعد خط الليطاني، وخط الزهراني، قد يصبح الهدف خط الأولي. وهذا الاحتمال ليس خرافياً كما يظن البعض. فكثيرون لم يكونوا يصدّقون أنّ إسرائيل ستتوغل براً وتسيطر على مساحات هائلة من الجنوب. والآن، بات الأمر واقعاً، مدّعماً بعمليات النسف والجرف وتصحير المناطق، بحيث سيكون صعباً جداً تغييره.

المثير هو أنّ إسرائيل نفسها تعرف أنّ لبنان الرسمي يناور بالتلويح بورقة تعطيل المفاوضات، وأنّ «حزب الله» أيضاً يناور بالدعوة إلى تعطيلها. وهي تدرك أنّ الطرفين لا يريدان أو لا يستطيعان التملّص من التفاوض. ولذلك، هي تمضي في التصلّب، على الأرض في الجنوب وعلى الطاولة في روما، وفي اقتناعها أنّ لبنان الرسمي سيرضخ للشروط على الطاولة، وأنّ «الحزب» سيرضخ ميدانياً بعد أن يخسر ترسانته الجبارة وأنفاقه الهائلة، وأبرزها الشقيف وعلي الطاهر.

سمات المرحلة المقبلة، بدأت تتشكّل جنوباً: لبنان الرسمي لن يجرؤ على خوض غمار الحسم مع «حزب الله» وهيكليته وأنفاقه وترسانته، وسيترك للزمن أن يعالج الأمر، أي سيترك المواجهة تدور بين إسرائيل و«الحزب»، ما دام هذا «الحزب» مصرّاً على منطق المواجهة ورافضاً للتسوية. وهذا الأمر سيدفع بنيامين نتنياهو إلى لعب أوراق القوة في الجنوب إلى الحدّ الأقصى، ما يعني مضاعفة الخسائر المتوقعة، بحيث يصبح الجنوب كله تقريباً تحت السيطرة المباشرة وغير المباشرة.

مزيد من الأخبار