روبوتات تحت الأرض… سلاح إسرائيل الجديد في حرب الأنفاق جنوب لبنان

تستخدم إسرائيل منظومة متكاملة من الاستخبارات والمسيرات والكاميرات الحرارية والمجسات الزلزالية وروبوتات الاستطلاع لرسم الممرات ومراقبة التهوية والإمدادات في التعامل مع أنفاق “حزب الله” في جنوب لبنان، قبل تدخل وحدات الهندسة لتفجير الشبكة أو عزلها.
لا تشبه المعركة الدائرة في تلة علي الطاهر جنوب لبنان المواجهات التقليدية التي تقاس بمساحة الأرض التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، فالمشهد الحقيقي يجري في طبقتين: الأولى فوق الأرض، حيث الغارات والمسيرات والتحركات الهندسية، وتحتها حيث شبكة أنفاق وغرف محصنة تحولت إلى مركز الصراع الفعلي. لذلك قد يبدو الهدوء على السطح مضللاً، لأن السيطرة على المرتفع لا تعني السيطرة على جوفه، وتدمير مدخل لا يعني إنهاء شبكة متفرعة ذات مخارج سرية وأبواب عازلة.
ووفق معلومات متداولة لدى جهات متابعة للعمليات، أحصى الإسرائيليون 12 مدخلاً معروفاً لشبكة تلة علي الطاهر وأحكموا الطوق حولها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اكتشاف جميع الفتحات الممكنة، فيما تفيد المعطيات نفسها بأن المجمع الرئيس يقع على مستوى يبعد نحو 40 متراً من قاعدة الجبل. لذا لا تبدو المنشأة، وفق هذه الرواية، بنية منفصلة، بل عقدة متصلة بمنشآت أخرى في جبل الريحان ضمن شبكة أوسع يعتقد الإسرائيليون أنها الأكبر والأكثر تعقيداً، وأنها قد تضم مخازن لصواريخ بعيدة المدى، بما فيها صواريخ باليستية.
من هنا لا تختصر أهمية علي الطاهر في الإشراف البصري على النبطية ومحيطها أو حتى على شمال إسرائيل، فهذه الأخيرة تمتلك الطائرات والمسيرات والأقمار الاصطناعية القادرة على مراقبة السطح، إنما القيمة الاستراتيجية الأهم تكمن تحت الأرض، في مراقبة المسارات الخفية وقطع شريان الإمداد بين البقاع والجنوب.
منظومة الاكتشاف
ومع استمرار الحديث ومتابعة معركة علي الطاهر، تحدثت تقارير عن استعمال إسرائيل روبوتات عسكرية للتعامل مع فتحات أنفاق هذه المنشأة، إنما بقيت هذه التقارير من دون أي تأكيد أو نفي رسمي.
ولفهم دور الروبوتات العسكرية في هذه المعركة، لا بد من تبديد الاعتقاد بأن هناك آلة واحدة تستطيع اكتشاف نفق عميق من سطح الأرض، ثم دخوله وتفجيره بصورة مستقلة. إنما ما تستخدمه إسرائي، وفق تقارير صحافية نشرت من داخل إسرائيل، عبارة عن سلسلة تقنية تبدأ بالاستخبارات والصور الجوية ومراقبة حركة الأشخاص والآليات والتهوية والطاقة، ثم تنتقل إلى المجسات الصوتية والزلزالية ورادارات اختراق الأرض والحفر الاستكشافي ووسائل قياس الفراغات.
وكانت إسرائيل قد أقامت عند الحدود اللبنانية بنية رصد تحت الأرض قالت إنها ملائمة للبيئة الصخرية في الشمال، وهذه الطبيعة الجيولوجية تمنحها قدرة أفضل نسبياً على التقاط بعض الاهتزازات مقارنة بالرمال، لكنها تجعل الأنفاق الصخرية أكثر صلابة في مواجهة القصف والانهيار، لذلك لا ينتج الاستشعار خريطة نهائية، بل مناطق اشتباه تحتاج إلى التحقق الميداني.
وحين يحدد مدخل أو تجويف محتمل، تتولى فرق الهندسة تفحصه وتأمينه من العبوات قبل إدخال الروبوت العسكري، لأن المدخل نفسه قد يكون مفخخاً أو خاضعاً للمراقبة والنيران.
ماذا نعرف عن الروبوتات العسكرية؟
لم تعد الروبوتات العسكرية جزءاً من خيال أفلام الحروب المستقبلية، بل أصبحت عنصراً متزايد الحضور في ساحات القتال الحديثة. والمقصود بها بصورة عامة أنظمة آلية غير مأهولة، تعمل بالتحكم عن بعد أو بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، وتستخدم لتنفيذ مهمات كان يقوم بها الجنود مباشرة، بما يقلل تعرضهم للخطر. وهي تعمل اليوم في البر والجو والبحر وتحت سطحه، فيما تتسارع الجهود العسكرية لدمج الذكاء الاصطناعي في قدراتها.
ويمكن تقسيمها عملياً إلى أنواع رئيسة، منها الروبوتات البرية غير المأهولة التي تتحرك على عجلات أو سلاسل وتستخدم للاستطلاع ونقل الذخائر والمؤن وإزالة الألغام والعبوات وإجلاء الجرحى، وبعضها قادر على حمل أسلحة وتنفيذ مهمات قتالية. ويشير حلف شمال الأطلسي إلى تطوير جيل من هذه المركبات للقيام بالاستطلاع والخدمات اللوجيستية والإخلاء الطبي وغيرها من المهمات، فيما أظهرت الحرب في أوكرانيا توسع استخدامها وصولاً إلى الهجوم وزرع الألغام.
أما النوع الأكثر انتشاراً فهو الأنظمة الجوية غير المأهولة، أو المسيرات، من طائرات الاستطلاع الصغيرة إلى المسيرات الهجومية والذخائر الجوالة التي تبحث عن أهداف قبل الانقضاض عليها. ويضاف إليها الروبوت البحري، سواء كان سفينة سطحية غير مأهولة أم مركبة تعمل تحت الماء، ويمكن استخدامه للاستطلاع والمراقبة ومكافحة الألغام أو في مهمات هجومية.
لكن ليس كل روبوت عسكري سلاحاً ذاتي التشغيل، فالمسيرة التي يختار مشغلها البشري الهدف ويصدر أمر إطلاق النار تبقى سلاحاً يتم التحكم فيه عن بعد. أما السلاح الذاتي، وفق تعريف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فهو النظام الذي يستطيع بعد تشغيله اختيار الهدف واستخدام القوة ضده من دون تدخل بشري إضافي، اعتماداً على أجهزة الاستشعار والبرمجيات ومواصفات محددة مسبقاً للهدف.
منظومة متقدمة من الروبوتات والمركبات غير المأهولة
يرى العميد المتقاعد منير شحادة أن إسرائيل طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة متقدمة من الروبوتات والمركبات غير المأهولة المخصصة لحرب الأنفاق، مع ضرورة التمييز بين الروبوت الذي يدخل بهدف الاستطلاع، والوسائل الهندسية التي تستخدم لاحقاً لإغلاق النفق أو تدميره.
ويشرح أن خطورة هذه البيئة تكمن في المساحات الضيقة والظلام والعبوات والأفخاخ المحتملة ونقص الأوكسجين، فضلاً عن احتمال وجود مقاتلين في نقاط مخفية، لذلك تقوم العقيدة الإسرائيلية، وفق شحادة، على مبدأ إرسال الآلة قبل الجندي، بحيث تعمل وحدات الهندسة الخاصة، وفي مقدمها وحدة “يهلوم”، بالتعاون مع الاستخبارات والهندسة على الكشف عن الأنفاق وتحديد بنيتها، ثم تعطيلها أو تدميرها.
ويؤكد شحادة أن اكتشاف النفق لا يعتمد على الروبوت وحده، بل على شبكة واسعة تشمل المعلومات الاستخبارية وصور الأقمار الاصطناعية والتحليل الجوي وأجهزة الاستشعار الزلزالية ورادارات اختراق الأرض والمؤشرات الحرارية والهندسية، وبعد تحديد موقع محتمل، تبدأ مرحلة إدخال وسائل الاستطلاع لرسم خريطة النفق وتقييم الأخطار قبل اتخاذ قرار التعامل معه.
أما في لبنان، فيرى أن التحدي يختلف عن غزة بسبب احتمال وجود أنفاق أعمق وأكثر ارتباطاً بتضاريس جبلية وصخرية وبيئة ريفية معقدة، مما يفرض دمج الروبوتات مع الاستطلاع الجوي والاستخبارات الجغرافية وأجهزة الاستشعار المختلفة.
العين الآلية
في الحروب الحديثة لم تعد الأنفاق مجرد ممرات مخفية تحت الأرض، بل تحولت إلى ساحة مواجهة تبحث فيها الجيوش عن أدوات قادرة على دخول الأماكن التي يصعب على الإنسان الوصول إليها.
وفي هذا السياق ظهرت الروبوتات الإسرائيلية بوصفها إحدى أبرز التقنيات المستخدمة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، إذ تجمع بين الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ مهمات ميدانية دقيقة بعيداً من الأخطار البشرية المباشرة.
ويرى الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم أن مفهوم الروبوت العسكري لم يعد محصوراً في شكل واحد، فقد يأتي على هيئة إنسان آلي أو طائرة مسيرة أو آلية هندسية شبيهة بالجرافات والمدرعات، بحسب المهمة والبيئة التي يعمل فيها.
الروبوت هنا هو العين التي تدخل قبل الجندي، يقول أبي نجم، وأبرز المنظومات المعروفة “المجنزر الصغير”، المزود بكاميرات نهارية وليلية وذراع لفحص الأجسام المشبوهة.
وكانت تقارير إسرائيلية تحدثت عن استخدامه في أنفاق غزة لكشف المداخل والأسلاك والعبوات، لكن لا إعلان رسمياً يحدد الطراز المستخدم في علي الطاهر.
وهناك روبوت “إيريس” الخفيف الذي يمكن إلقاؤه داخل فتحة ضيقة، كما توجد روبوتات “ألون” للممرات الضيقة ومنصات رباعية الأرجل للبيئات الوعرة، إلى جانب “أغاميت”، وهي حمولة كاميرات وليزر تثبت على روبوت لبناء خريطة للنفق.
وظيفة استطلاعية
ويشير شحادة إلى أن الروبوتات الصغيرة، ومنها أنظمة طورتها شركات إسرائيلية مثل “روبوتيم”، تستخدم للاستطلاع داخل الأماكن الضيقة عبر كاميرات وحساسات تنقل الصور والمعلومات إلى القوات، ووظيفتها الأساسية ليست تفجير النفق، بل الكشف عن الممرات ورصد الأشخاص والعوائق ورسم صورة أولية للبيئة الداخلية، أي إنها تمثل عين الجندي قبل دخوله.
وتكمن قيمة هذه الآلات في العمل من دون نظام تحديد المواقع وفي بيئة يضعف فيها الاتصال سريعاً، فهي تجمع الصور وقياسات الليزر وحساسات الحركة لبناء خريطة ثلاثية الأبعاد، وترصد الأبواب والتفرعات والتهوية والأسلاك والأجسام المشبوهة، وقد تقيس الحرارة والغازات.
بدوره يشرح أبي نجم أن طبيعة الأنفاق المظلمة والمتشعبة، وما قد تحتويه من غرف ومساحات غير معروفة، تجعل المسح الليزري وإنشاء الخرائط الثلاثية الأبعاد من أهم وظائف الروبوت، لأنها تسمح للقوات بفهم الموقع قبل اتخاذ أية خطوة ميدانية، وهذه المنظومات لا تعمل بالضرورة بصورة مستقلة بالكامل، فعدد كبير منها يخضع لتحكم خارجي يشبه تشغيل الطائرات المسيرة، إذ يتولى العنصر البشري إدارة الحركة واتخاذ القرار، فيما تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتسهيل تنفيذ المهمة.
هندسة التدمير
أما التفجير، فهو مرحلة هندسية منفصلة.
فبعد جمع المعلومات عبر الروبوتات الاستطلاعية، يحدد المهندسون العقد والغرف والمقاطع الأهم، ثم يستخدمون شحنات مضبوطة، وقد يلجأون إلى التجريف أو إغلاق المسارات بالخرسانة، فيما يستخدم ضخ المياه في حالات محدودة.
وبعد انتهاء الاستطلاع تدخل القدرات الهندسية ضمن العملية، ويوضح شحادة أن وحدات “يهلوم” والوسائل غير المأهولة تساعد في تحديد طبيعة الشبكة قبل اللجوء إلى التفجير الهندسي أو المعدات الثقيلة. ومن أبرز هذه الوسائل الجرافة المدرعة “دي 9″، التي توجد منها نماذج يمكن التحكم بها عن بعد، وهي مركبة هندسية مخصصة للعمل في المناطق العالية الخطورة وليست روبوت استطلاع صغيراً.
لذلك فإن اختزال العملية بفكرة روبوت يفجر النفق ليس دقيقاً، لأن تدمير الأنفاق يعتمد على منظومة متكاملة تجمع الاستطلاع وجمع المعلومات والقرار العسكري والتنفيذ الهندسي.
ويتقاطع ذلك مع ما يقوله أبي نجم عن تعدد استخدامات الروبوتات داخل الأنفاق بين التصوير والاستطلاع وجمع المعلومات، وقد يجهز بعضها بمواد متفجرة لتنفيذ مهمة محددة، لكن الهدف الأساس يبقى تكوين صورة دقيقة عن المكان وتقليص الحاجة إلى إرسال الجنود إلى مناطق مجهولة. والتكنولوجيا هنا تؤدي دور البديل الميداني الذي يخفف حجم الأخطار البشرية، من دون أن يلغي القرار البشري أو الحاجة إلى الوحدات الهندسية.
رهانات التلة
ويختم شحادة قراءته بالتأكيد أن التطور الحقيقي لا يكمن في الروبوت وحده، بل في بناء شبكة متكاملة تجمع الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الأرضية والوسائل الهندسية غير المأهولة. ومن ثم تتجه المعادلة المستقبلية لحرب الأنفاق نحو اكتشاف النفق ورسمه والتعامل معه عن بعد، مع بقاء نقاط ضعف التكنولوجيا أمام العمق والصخور وانقطاع الاتصالات وتشعب الممرات الداخلية.
وتضيف المعطيات المتداولة بعداً آخر يفسر بطء العملية الإسرائيلية في علي الطاهر، إذ تعتقد إسرائيل، وفق هذه المعلومات، أن داخل المنشأة شخصيات عسكرية رفيعة من “حزب الله” على مستوى القيادة المركزية، إلى جانب ضباط كبار من الحرس الثوري الإيراني. ولا يبدو أن الهدف الإسرائيلي، بحسب هذه القراءة، تصفية هؤلاء داخل الأنفاق، بل إجبارهم على الخروج أحياء وأسرهم. ويستدل أصحاب هذه الرواية بأن الجيش الإسرائيلي، لو كان يريد قتل جميع الموجودين فحسب، لكان لجأ إلى تدمير شامل أو إلى وسائل قاتلة عبر المداخل، بما فيها الغازات والمواد السامة عند الفتحات.
تكمن قيمة الأسر المحتمل، في الحسابات الإسرائيلية، في ما يتجاوز الإنجاز العسكري المباشر. فالحصول على قيادات أحياء قد يتيح انتزاع معلومات عن هيكل القيادة وشبكات التمويل والتسليح ومسارات الأنفاق والعلاقة العملياتية مع طهران، ويمكن أن يتحولوا إلى مادة دعائية واستخبارية عبر تسجيل اعترافات أو إفادات مصورة وبثها في الإعلام الإسرائيلي، على غرار مواد عرضت لأسرى وموقوفين في مواجهات سابقة، والهدف السياسي سيكون تثبيت الرواية الإسرائيلية.
روبوتات تحت الأرض… سلاح إسرائيل الجديد في حرب الأنفاق جنوب لبنان

تستخدم إسرائيل منظومة متكاملة من الاستخبارات والمسيرات والكاميرات الحرارية والمجسات الزلزالية وروبوتات الاستطلاع لرسم الممرات ومراقبة التهوية والإمدادات في التعامل مع أنفاق “حزب الله” في جنوب لبنان، قبل تدخل وحدات الهندسة لتفجير الشبكة أو عزلها.
لا تشبه المعركة الدائرة في تلة علي الطاهر جنوب لبنان المواجهات التقليدية التي تقاس بمساحة الأرض التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، فالمشهد الحقيقي يجري في طبقتين: الأولى فوق الأرض، حيث الغارات والمسيرات والتحركات الهندسية، وتحتها حيث شبكة أنفاق وغرف محصنة تحولت إلى مركز الصراع الفعلي. لذلك قد يبدو الهدوء على السطح مضللاً، لأن السيطرة على المرتفع لا تعني السيطرة على جوفه، وتدمير مدخل لا يعني إنهاء شبكة متفرعة ذات مخارج سرية وأبواب عازلة.
ووفق معلومات متداولة لدى جهات متابعة للعمليات، أحصى الإسرائيليون 12 مدخلاً معروفاً لشبكة تلة علي الطاهر وأحكموا الطوق حولها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اكتشاف جميع الفتحات الممكنة، فيما تفيد المعطيات نفسها بأن المجمع الرئيس يقع على مستوى يبعد نحو 40 متراً من قاعدة الجبل. لذا لا تبدو المنشأة، وفق هذه الرواية، بنية منفصلة، بل عقدة متصلة بمنشآت أخرى في جبل الريحان ضمن شبكة أوسع يعتقد الإسرائيليون أنها الأكبر والأكثر تعقيداً، وأنها قد تضم مخازن لصواريخ بعيدة المدى، بما فيها صواريخ باليستية.
من هنا لا تختصر أهمية علي الطاهر في الإشراف البصري على النبطية ومحيطها أو حتى على شمال إسرائيل، فهذه الأخيرة تمتلك الطائرات والمسيرات والأقمار الاصطناعية القادرة على مراقبة السطح، إنما القيمة الاستراتيجية الأهم تكمن تحت الأرض، في مراقبة المسارات الخفية وقطع شريان الإمداد بين البقاع والجنوب.
منظومة الاكتشاف
ومع استمرار الحديث ومتابعة معركة علي الطاهر، تحدثت تقارير عن استعمال إسرائيل روبوتات عسكرية للتعامل مع فتحات أنفاق هذه المنشأة، إنما بقيت هذه التقارير من دون أي تأكيد أو نفي رسمي.
ولفهم دور الروبوتات العسكرية في هذه المعركة، لا بد من تبديد الاعتقاد بأن هناك آلة واحدة تستطيع اكتشاف نفق عميق من سطح الأرض، ثم دخوله وتفجيره بصورة مستقلة. إنما ما تستخدمه إسرائي، وفق تقارير صحافية نشرت من داخل إسرائيل، عبارة عن سلسلة تقنية تبدأ بالاستخبارات والصور الجوية ومراقبة حركة الأشخاص والآليات والتهوية والطاقة، ثم تنتقل إلى المجسات الصوتية والزلزالية ورادارات اختراق الأرض والحفر الاستكشافي ووسائل قياس الفراغات.
وكانت إسرائيل قد أقامت عند الحدود اللبنانية بنية رصد تحت الأرض قالت إنها ملائمة للبيئة الصخرية في الشمال، وهذه الطبيعة الجيولوجية تمنحها قدرة أفضل نسبياً على التقاط بعض الاهتزازات مقارنة بالرمال، لكنها تجعل الأنفاق الصخرية أكثر صلابة في مواجهة القصف والانهيار، لذلك لا ينتج الاستشعار خريطة نهائية، بل مناطق اشتباه تحتاج إلى التحقق الميداني.
وحين يحدد مدخل أو تجويف محتمل، تتولى فرق الهندسة تفحصه وتأمينه من العبوات قبل إدخال الروبوت العسكري، لأن المدخل نفسه قد يكون مفخخاً أو خاضعاً للمراقبة والنيران.
ماذا نعرف عن الروبوتات العسكرية؟
لم تعد الروبوتات العسكرية جزءاً من خيال أفلام الحروب المستقبلية، بل أصبحت عنصراً متزايد الحضور في ساحات القتال الحديثة. والمقصود بها بصورة عامة أنظمة آلية غير مأهولة، تعمل بالتحكم عن بعد أو بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، وتستخدم لتنفيذ مهمات كان يقوم بها الجنود مباشرة، بما يقلل تعرضهم للخطر. وهي تعمل اليوم في البر والجو والبحر وتحت سطحه، فيما تتسارع الجهود العسكرية لدمج الذكاء الاصطناعي في قدراتها.
ويمكن تقسيمها عملياً إلى أنواع رئيسة، منها الروبوتات البرية غير المأهولة التي تتحرك على عجلات أو سلاسل وتستخدم للاستطلاع ونقل الذخائر والمؤن وإزالة الألغام والعبوات وإجلاء الجرحى، وبعضها قادر على حمل أسلحة وتنفيذ مهمات قتالية. ويشير حلف شمال الأطلسي إلى تطوير جيل من هذه المركبات للقيام بالاستطلاع والخدمات اللوجيستية والإخلاء الطبي وغيرها من المهمات، فيما أظهرت الحرب في أوكرانيا توسع استخدامها وصولاً إلى الهجوم وزرع الألغام.
أما النوع الأكثر انتشاراً فهو الأنظمة الجوية غير المأهولة، أو المسيرات، من طائرات الاستطلاع الصغيرة إلى المسيرات الهجومية والذخائر الجوالة التي تبحث عن أهداف قبل الانقضاض عليها. ويضاف إليها الروبوت البحري، سواء كان سفينة سطحية غير مأهولة أم مركبة تعمل تحت الماء، ويمكن استخدامه للاستطلاع والمراقبة ومكافحة الألغام أو في مهمات هجومية.
لكن ليس كل روبوت عسكري سلاحاً ذاتي التشغيل، فالمسيرة التي يختار مشغلها البشري الهدف ويصدر أمر إطلاق النار تبقى سلاحاً يتم التحكم فيه عن بعد. أما السلاح الذاتي، وفق تعريف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فهو النظام الذي يستطيع بعد تشغيله اختيار الهدف واستخدام القوة ضده من دون تدخل بشري إضافي، اعتماداً على أجهزة الاستشعار والبرمجيات ومواصفات محددة مسبقاً للهدف.
منظومة متقدمة من الروبوتات والمركبات غير المأهولة
يرى العميد المتقاعد منير شحادة أن إسرائيل طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة متقدمة من الروبوتات والمركبات غير المأهولة المخصصة لحرب الأنفاق، مع ضرورة التمييز بين الروبوت الذي يدخل بهدف الاستطلاع، والوسائل الهندسية التي تستخدم لاحقاً لإغلاق النفق أو تدميره.
ويشرح أن خطورة هذه البيئة تكمن في المساحات الضيقة والظلام والعبوات والأفخاخ المحتملة ونقص الأوكسجين، فضلاً عن احتمال وجود مقاتلين في نقاط مخفية، لذلك تقوم العقيدة الإسرائيلية، وفق شحادة، على مبدأ إرسال الآلة قبل الجندي، بحيث تعمل وحدات الهندسة الخاصة، وفي مقدمها وحدة “يهلوم”، بالتعاون مع الاستخبارات والهندسة على الكشف عن الأنفاق وتحديد بنيتها، ثم تعطيلها أو تدميرها.
ويؤكد شحادة أن اكتشاف النفق لا يعتمد على الروبوت وحده، بل على شبكة واسعة تشمل المعلومات الاستخبارية وصور الأقمار الاصطناعية والتحليل الجوي وأجهزة الاستشعار الزلزالية ورادارات اختراق الأرض والمؤشرات الحرارية والهندسية، وبعد تحديد موقع محتمل، تبدأ مرحلة إدخال وسائل الاستطلاع لرسم خريطة النفق وتقييم الأخطار قبل اتخاذ قرار التعامل معه.
أما في لبنان، فيرى أن التحدي يختلف عن غزة بسبب احتمال وجود أنفاق أعمق وأكثر ارتباطاً بتضاريس جبلية وصخرية وبيئة ريفية معقدة، مما يفرض دمج الروبوتات مع الاستطلاع الجوي والاستخبارات الجغرافية وأجهزة الاستشعار المختلفة.
العين الآلية
في الحروب الحديثة لم تعد الأنفاق مجرد ممرات مخفية تحت الأرض، بل تحولت إلى ساحة مواجهة تبحث فيها الجيوش عن أدوات قادرة على دخول الأماكن التي يصعب على الإنسان الوصول إليها.
وفي هذا السياق ظهرت الروبوتات الإسرائيلية بوصفها إحدى أبرز التقنيات المستخدمة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، إذ تجمع بين الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ مهمات ميدانية دقيقة بعيداً من الأخطار البشرية المباشرة.
ويرى الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم أن مفهوم الروبوت العسكري لم يعد محصوراً في شكل واحد، فقد يأتي على هيئة إنسان آلي أو طائرة مسيرة أو آلية هندسية شبيهة بالجرافات والمدرعات، بحسب المهمة والبيئة التي يعمل فيها.
الروبوت هنا هو العين التي تدخل قبل الجندي، يقول أبي نجم، وأبرز المنظومات المعروفة “المجنزر الصغير”، المزود بكاميرات نهارية وليلية وذراع لفحص الأجسام المشبوهة.
وكانت تقارير إسرائيلية تحدثت عن استخدامه في أنفاق غزة لكشف المداخل والأسلاك والعبوات، لكن لا إعلان رسمياً يحدد الطراز المستخدم في علي الطاهر.
وهناك روبوت “إيريس” الخفيف الذي يمكن إلقاؤه داخل فتحة ضيقة، كما توجد روبوتات “ألون” للممرات الضيقة ومنصات رباعية الأرجل للبيئات الوعرة، إلى جانب “أغاميت”، وهي حمولة كاميرات وليزر تثبت على روبوت لبناء خريطة للنفق.
وظيفة استطلاعية
ويشير شحادة إلى أن الروبوتات الصغيرة، ومنها أنظمة طورتها شركات إسرائيلية مثل “روبوتيم”، تستخدم للاستطلاع داخل الأماكن الضيقة عبر كاميرات وحساسات تنقل الصور والمعلومات إلى القوات، ووظيفتها الأساسية ليست تفجير النفق، بل الكشف عن الممرات ورصد الأشخاص والعوائق ورسم صورة أولية للبيئة الداخلية، أي إنها تمثل عين الجندي قبل دخوله.
وتكمن قيمة هذه الآلات في العمل من دون نظام تحديد المواقع وفي بيئة يضعف فيها الاتصال سريعاً، فهي تجمع الصور وقياسات الليزر وحساسات الحركة لبناء خريطة ثلاثية الأبعاد، وترصد الأبواب والتفرعات والتهوية والأسلاك والأجسام المشبوهة، وقد تقيس الحرارة والغازات.
بدوره يشرح أبي نجم أن طبيعة الأنفاق المظلمة والمتشعبة، وما قد تحتويه من غرف ومساحات غير معروفة، تجعل المسح الليزري وإنشاء الخرائط الثلاثية الأبعاد من أهم وظائف الروبوت، لأنها تسمح للقوات بفهم الموقع قبل اتخاذ أية خطوة ميدانية، وهذه المنظومات لا تعمل بالضرورة بصورة مستقلة بالكامل، فعدد كبير منها يخضع لتحكم خارجي يشبه تشغيل الطائرات المسيرة، إذ يتولى العنصر البشري إدارة الحركة واتخاذ القرار، فيما تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتسهيل تنفيذ المهمة.
هندسة التدمير
أما التفجير، فهو مرحلة هندسية منفصلة.
فبعد جمع المعلومات عبر الروبوتات الاستطلاعية، يحدد المهندسون العقد والغرف والمقاطع الأهم، ثم يستخدمون شحنات مضبوطة، وقد يلجأون إلى التجريف أو إغلاق المسارات بالخرسانة، فيما يستخدم ضخ المياه في حالات محدودة.
وبعد انتهاء الاستطلاع تدخل القدرات الهندسية ضمن العملية، ويوضح شحادة أن وحدات “يهلوم” والوسائل غير المأهولة تساعد في تحديد طبيعة الشبكة قبل اللجوء إلى التفجير الهندسي أو المعدات الثقيلة. ومن أبرز هذه الوسائل الجرافة المدرعة “دي 9″، التي توجد منها نماذج يمكن التحكم بها عن بعد، وهي مركبة هندسية مخصصة للعمل في المناطق العالية الخطورة وليست روبوت استطلاع صغيراً.
لذلك فإن اختزال العملية بفكرة روبوت يفجر النفق ليس دقيقاً، لأن تدمير الأنفاق يعتمد على منظومة متكاملة تجمع الاستطلاع وجمع المعلومات والقرار العسكري والتنفيذ الهندسي.
ويتقاطع ذلك مع ما يقوله أبي نجم عن تعدد استخدامات الروبوتات داخل الأنفاق بين التصوير والاستطلاع وجمع المعلومات، وقد يجهز بعضها بمواد متفجرة لتنفيذ مهمة محددة، لكن الهدف الأساس يبقى تكوين صورة دقيقة عن المكان وتقليص الحاجة إلى إرسال الجنود إلى مناطق مجهولة. والتكنولوجيا هنا تؤدي دور البديل الميداني الذي يخفف حجم الأخطار البشرية، من دون أن يلغي القرار البشري أو الحاجة إلى الوحدات الهندسية.
رهانات التلة
ويختم شحادة قراءته بالتأكيد أن التطور الحقيقي لا يكمن في الروبوت وحده، بل في بناء شبكة متكاملة تجمع الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الأرضية والوسائل الهندسية غير المأهولة. ومن ثم تتجه المعادلة المستقبلية لحرب الأنفاق نحو اكتشاف النفق ورسمه والتعامل معه عن بعد، مع بقاء نقاط ضعف التكنولوجيا أمام العمق والصخور وانقطاع الاتصالات وتشعب الممرات الداخلية.
وتضيف المعطيات المتداولة بعداً آخر يفسر بطء العملية الإسرائيلية في علي الطاهر، إذ تعتقد إسرائيل، وفق هذه المعلومات، أن داخل المنشأة شخصيات عسكرية رفيعة من “حزب الله” على مستوى القيادة المركزية، إلى جانب ضباط كبار من الحرس الثوري الإيراني. ولا يبدو أن الهدف الإسرائيلي، بحسب هذه القراءة، تصفية هؤلاء داخل الأنفاق، بل إجبارهم على الخروج أحياء وأسرهم. ويستدل أصحاب هذه الرواية بأن الجيش الإسرائيلي، لو كان يريد قتل جميع الموجودين فحسب، لكان لجأ إلى تدمير شامل أو إلى وسائل قاتلة عبر المداخل، بما فيها الغازات والمواد السامة عند الفتحات.
تكمن قيمة الأسر المحتمل، في الحسابات الإسرائيلية، في ما يتجاوز الإنجاز العسكري المباشر. فالحصول على قيادات أحياء قد يتيح انتزاع معلومات عن هيكل القيادة وشبكات التمويل والتسليح ومسارات الأنفاق والعلاقة العملياتية مع طهران، ويمكن أن يتحولوا إلى مادة دعائية واستخبارية عبر تسجيل اعترافات أو إفادات مصورة وبثها في الإعلام الإسرائيلي، على غرار مواد عرضت لأسرى وموقوفين في مواجهات سابقة، والهدف السياسي سيكون تثبيت الرواية الإسرائيلية.









