نواب ووزراء وفاعليات بيروتية ضحايا شبكات سرقة الواتساب

الكاتب: فتات عيّاد | المصدر: نداء الوطن
15 آب 2026

ربما تكون ممن خُرقت حساباتهم على واتساب في العام الأخير، أو أقلّه، أُرسلت لك رسالة من جهة اتصال لديك تطلب منك إرسال أموال عبر شركات تحويل الأموال، تبيّن لاحقًا أن رقمها على واتساب مُهكّر. وفي حال حالفك الحظ بعدم تهكير حسابك، أو بعدم استجابتك لإرسال المال إلى الجهات المهكِّرة لحسابات جهات اتصال لديك، فإن الآلاف في لبنان وقعوا ضحية تهكير حساباتهم، أو إرسال أموال إلى شبكات تهكير منظّمة، تبدأ بسرقة الواتساب ولا تنتهي بسرقة أموال مستخدميه.

في السياق، يكشف مستشار شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عامر الطبش، لـ”نداء الوطن”، أن نوابًا ووزراء من مختلف المناطق في لبنان لم يسلموا من شبكات التهكير المنظّمة، وكذلك فاعليات اجتماعية تعمل في مجال المساعدات الاجتماعية، كانوا ضحايا تهكير حساباتهم عبر واتساب، لا سيما أن جهات اتصالهم معتادة على إرسال الأموال لهم، فكانت جهات الاتصال تلك طعمًا “نموذجيًا” للمهكرين!

أما جديد عمليات التهكير، فرسالة تبدأ من ماسنجر ثم الاستحواذ على الواتساب! فكيف تحصل هذه الجرائم الإلكترونية “المنظّمة”، وكيف تطورت فنونها مع تطور وسائل الاتصال الاجتماعي؟ وأين تبرز نقاط الضعف لدى المستخدمين؟ وكيف نحمي حساباتنا؟ وماذا يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، العميد جوزاف مسلم، عن الحملة التوعوية لقوى الأمن الداخلي؟

بين وزارة الاتصالات وقوى الأمن والمواطن: مسؤولية من؟

عزّة، مواطنة، تعمل في مجال المساعدات الاجتماعية، ويقتضي عملها طلب أموال من جهات اتصال لديها عبر تطبيق واتساب. وأكثر ما سبّب لها إحراجًا بعد سرقته، كان وقوع بعضهم ضحية فخّ طلب إرسال الأموال عبر تطبيق شركات تحويل الأموال، بسبب طبيعة عملها التي سهّلت على المخترق المهكر عملية إقناعهم.

مصادر في “وزارة الاتصالات”، توضح لـ”نداء الوطن” أن الوزارة لا تتخذ أي إجراء يتعلق بوقف أي تطبيق إلا بناء على قرار قضائي. أما عمليات اختراق حسابات المستخدمين، فلا تدخل ضمن صلاحياتها، إذ إن هذه التطبيقات لا تخضع لسلطة الوزارة، كما أن خوادمها موجودة خارج لبنان.

القوى الأمنية، وخصوصًا مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية وشعبة المعلومات، يقع على عاتقهما تفكيك شبكات التهكير وتوقيفها، إلا أن المهمة الاستباقية الأولى تقع على المستخدم، أي المواطن اللبناني، الذي يشبّهه الأمنيون والتقنيون بصاحب المنزل، المفترض به حمايته من قرع اللصوص باب منزله وإدخالهم فورًا.

فكيف يقرع المهكر باب المستخدم؟ وكيف يسرقه أونلاين؟

فنون الخرق والسّرقة تطورت عبر الزمن…

مستشار شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عامر الطبش، ينوّه إلى أن عمر عمليات السرقة عن طريق تطبيقات التواصل الاجتماعي من عمر هذه التطبيقات. ومع تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت فنون عمليات السرقة عبرها، بدورها، تتطوّر.

فسابقًا كانت تحصل السرقات عبر سرقة شريحة تشريج الخط الخليوي، كوسيلة دفع إلكتروني electronic wallet، يطلبها بعض المستخدمين ممن يريدون منهم مبالغ محدودة، لتتطور بعدها العملية إلى الابتزاز حول صور شخصية يصل إليها المخترق، وطلب أموال مقابل عدم النشر.

ومع اعتماد اللبنانيين في الأعوام الأخيرة عمليات الدفع الإلكتروني على نطاق واسع، ووجودها كتطبيقات على هواتفهم، ما سرّع عمليات نقل الأموال وتحويلها بكبسة زرّ، انتقلنا هنا إلى عملية السرقة المنظّمة الثنائية، التي تبدأ بتطبيق واتساب وتنتهي بتطبيق شركات تحويل الأموال.

في السياق، يعزو الطبش سهولة خرق الواتساب، ثم استدراج جهات اتصال المستخدم المسروق حسابه وخداعها لإرسال أموال عبر شركات تحويل الأموال للمهكرين، وأحيانًا عبر وسائل تحويل أموال أخرى أو فيزا كارد مصرفية، إلى عدم إلمام كافة المستخدمين بكامل طريقة عمل تطبيقي واتساب وشركات تحويل الأموال.

خيارات الحماية ليست ثانوية

وهنا نعود للمسؤولية الاستباقية الأولى، والتي تقع على المستخدم.

فخداع المستخدم في المرحلة الأولى يحصل جراء وثوقه بالروابط التي يرسلها المهكرون أو طلباتهم منه لإرسال كود OTP يختص بهاتفه. لكن عملية الاستيلاء على تطبيق الواتساب تصبح أكثر سهولة عندما لا يكون المستخدم قد استخدم كامل وسائل الحماية في تطبيق واتساب، مثل البصمة Finger Print وعملية التحقق الثنائي 2 factor authentication، المتاحة في إعدادات الأمان في التطبيق.

فسرقة تطبيق واتساب الضعيف أمنيًا، أو من خلال إرسال لينك رابط يحمل حمولة خبيثة، وبمجرد الاستيلاء على الرقم، يدخل الهاكر المخترق إلى شبكة أرقام كبيرة للمستخدم، هي جهات اتصاله، ويبدأ بالعمل عليها هي الأخرى بهدف اختراق أكبر عدد منها.

والسرقة تحصل عبر طرق عدة، أكثرها انتشارًا:

إرسال دعوة للانضمام إلى غروب، تحت مسمى WhatsApp Join Group، فيما يكون الرابط خبيثًا، وهنا لا ينتبه كثيرون إلى خلوه من علامة واتساب على عنوان الرابط الإلكتروني المرسل (URL).

وقد يرسل الهاكر صورًا ويطلب تنزيلها على الهاتف، كأن يرسل عبارة Download this picture مع الصورة.

وأحيانًا قد يرسل تطبيقًا خبيثًا، يستولي على الواتساب وربما معلومات أخرى في الهاتف.

طريقة أخرى يحذر منها التقنيون والأمنيون بشدة، وبمجرد طلبه، وجب على أي مستخدم معرفة أنه يتعرض للتهكير، وهي طلب إرسال code OTP يصل إلى هاتف المستخدم المنوي تهكيره، عبر رسالة عادية SMS تصل للمستخدم. والكود متعلق برقمه الخاص على حساب واتساب، لا برقم الهاكر الذي يطلب منه مشاركة كود الـOTP.

ويحذر الطبش: “هذا الكود هو حصرًا للمستخدم طالما أنه أُرسل إلى رقمه، ولا توجد أي طريقة حول العالم تمكّن من إرسال رسالة للـSIM card الخاص بشخص، على رقم شخص آخر”.

لذلك، وبمجرد مشاركة الكود الخاص بصاحب الرقم مع الهاكر، يستولي الأخير على الواتساب الخاص بالمستخدم، فيقفل الواتساب على هاتف المستخدم عبر تقنية الـlogout.

فور دخوله إلى حساب الواتساب، يبدأ بتغيير إعدادات الحساب، مثل البريد الإلكتروني، لكنه لا يستطيع تغيير البصمة ولا ميزة التحقق بخطوتين، اللتين، في حال عدم تفعيلهما، سيستولي الهاكر ببساطة على الواتساب.

النّصب على جهات الاتصال

1200 دولار في 3 ساعات فقط!

ينتقل الهاكر في هذه المرحلة، بعد السيطرة على أكبر عدد من حسابات الواتساب، ووصوله إلى طريق مسدود مع حسابات محمية، فُعّلت فيها البصمة أو ميزة التحقق بخطوتين، إلى مرحلة النصب المالي لجهات اتصال حسابات الواتساب المسروقة.

العملية مربحة. يعطي الطبش مثالا: “ففي ظرف 3 ساعات فقط، تم فيها استرداد حساب واتساب مخروق، كانت شبكة التهكير قد سرقت 1200 دولار من جهات اتصاله”. فكيف يتم استدراج جهات الاتصال؟

افتراضًا، جمّع الهاكر 7 حسابات واتساب، يرسل “هاي” لكل منها، فترد عليه جهة الاتصال وتبدأ دردشة يعمل على اختصارها لضمان عدم انكشافه، سواء بأسلوبه أو بطريقة الكتابة، أو حتى تفاصيل علاقة المستخدم المسروق حسابه بجهة الاتصال لديه…

ويطلب الهاكر المال كأن يقول: “أنا بمحل تلفونات وبدي 100$ ضروري… بعتولي عبر شركة تحويل الأموال، عامل حادث، بس خلّص من المستشفى بردلكن ياها…”.

وعلى افتراض أن كل حساب واتساب من الحسابات السبعة المستولى عليها لديه 100 جهة اتصال، فيصبح لدى الهاكر 700 شات محتمل، لـ700 ضحية محتملة، وهنا تبدأ الأموال تتدفق إليه.

أما سرعة عملية التحويل الإلكتروني، لا سيما أن تطبيق واتساب وتطبيقات شركات تحويل الأموال موجودة على هواتف غالبية المستخدمين في لبنان، فهي عامل مسهّل ومسرّع لعملية السرقة.

إذ إن 90 إلى 95% من عمليات التحويل لا تستطيع شركات تحويل الأموال إيقافها لأنها تُرسل بشكل فوري، ثم يحوّلها الهاكر من حساب إلى حساب آخر، ثم تُحوّل إلى الخارج أو يتم استلامها نقدًا، وريثما تنتهي التحقيقات، تصبح عملية استرداد الأموال في غالبية الأوقات شبه مستحيلة، لا سيما أن الأرقام التي يُطلب الإرسال إليها تكون أرقامًا من دون هوية، أي تم شراؤها في السوق السوداء.

شبكات التهكير تكشفها القوى الأمنية تباعًا، لكن الحماية الاستباقية تفرض علينا الاتكال على أنفسنا أولا، يقول الطبش، وذلك “عبر استعمال أقصى درجات الحماية في واتساب، والوعي بعدم الوقوع ضحية مشاركة كود هاتفنا أو تحويل الأموال”. فعندما يصلك كود OTP على هاتفك فهو 100% ملكك وحدك، ومشاركته مع أي شخص آخر تعني تسليم “رقبتك”. لذلك، فإن وسائل الحماية على هواتفنا وجب أن نستخدمها لأقصى الحدود ونعتادها.

أما في موضوع تحويل الأموال، فوجب أن نكون متيقظين ونهاتف الشخص قبل إرسال أي مبلغ، للتأكد من أن حسابه على واتساب غير مخروق، فنعمل على تطويق عملية السرقة بأقل ضرر ممكن.

من فيسبوك… إلى واتساب

وأطلقت ميتا META ما يُعرف بالـaccount center، الذي ربط حساب فيسبوك بماسنجر وإنستغرام وواتساب للمستخدم، بهدف تسهيل عملية إدارة هذه الحسابات.

لكن مؤخرًا، بدأت سرقة واتساب عبر إرسال لينك من ماسنجر. ويشرح الطبش: “بمجرد القدرة على سرقة حساب فيسبوك وماسنجر، تصبح الحسابات الموجودة ضمن الـaccount center، ومنها الواتساب، عرضة أيضًا للسرقة، إذ يستغل الهاكر الضعف في عملية ربط الحسابات ببعضها للسيطرة عليها”. من هنا، يناشد الطبش المستخدمين بضرورة أن نكون واعين بكل تطبيقات الهاتف، وليس واتساب فقط.

أما إلى أي مدى قد تصل السرقة، فهي تختلف بحسب نوعية الـbackup للواتساب، سواء كان على Google Drive، وهنا يكون الخطر محدودًا، أو كان محليًا على الهاتف، وهنا يكون الخطر كبيرًا، فقد يستطيع الهاكر الوصول إلى جميع الملفات المرفوعة على الـbackup: صور، ملفات، دردشات صوتية…

وأخطر ما في الاستحواذ على داتا ومواد غنية هو الانتقال إلى مرحلة الابتزاز الإلكتروني لاسترجاع مواد، صور أو فيديو… لقاء آلاف الدولارات.

نواب ووزراء وفاعليات اجتماعية… ضحايا!

سرقات الحسابات وصلت إلى نواب ووزراء وحتى محامين وفاعليات اجتماعية من مختلف المناطق اللبنانية… هذا ما يكشفه لنا الطبش، الذي يحذر من أن عمل صاحب حساب مخروق في المجال الاجتماعي وجمع المساعدات، الذي انتشر بعد الأزمة الاقتصادية، لتأمين أموال عمليات لمرضى وأدوية… يجعل وقوع جهات اتصاله ضحايا سهلة للهاكر.

من هنا، يشدّد الطبش على دور التوعية. فالكل معنيّ بالموضوع، والضحية هي أمننا السيبراني.

حملة توعوية لقوى الأمن الداخلي

وأطلقت شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي حملة توعوية عبر صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي حول الجرائم الإلكترونية. وتحت عنوان “لكل مستخدمي الواتساب انتبهوا”، يشرح فيديو قوى الأمن بالتفاصيل كيفية خرق حسابات الواتساب، ويحذر من إرسال أموال لجهات الاتصال قبل التأكد من أنها غير مخروقة، حتى ولو وصل الأمر بالمستخدم إلى إجراء اتصال عادي وسماع صوت صاحب حساب الواتساب والتأكد من صحة طلبه.

في السياق، يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، العميد جوزيف مسلّم، لـ”نداء الوطن”، إن عددًا لا يستهان به من اللبنانيين وقعوا ضحية سرقة حسابات واتساب لديهم، وذلك بسبب التسرّع بالاستجابة للدخول إلى رابط دعوة خبيث، أو الاستجابة لطلب الهاكر منهم رقم الـOTP الخاص برقمهم، فيما هذا الرقم “حول العالم ما حدا بيطلبه، وهو خاص بصاحب الرقم وحده”.

ويستفيد الهاكر من علاقة المستخدم الذي تم تهكير حسابه بالمستخدم الجاري العمل على سرقة أمواله، عندما تكون الضحية المحتملة تربطها علاقة موثوقة بالضحية الأولى: رفيق طفولة، صاحب عمل، صديق أو قريب… ما يسهّل الاستجابة لطلبات الهاكر، حيث لا يشكك المستخدم بطلب المال منه.

من هنا، يشدد مسلّم على ضرورة أن نكون مسؤولين لدى حملنا للهاتف “ونعدّ للعشرة قبل الاستجابة لهذا النوع من الطلبات، سواء الانضمام إلى روابط أو إرسال أموال”. فالضحية هي خصوصياتنا ومعلوماتنا الخاصة، أو المتعلّقة بأعمالنا التجارية، فكل معلوماتنا على واتساب قد تكون عرضة للخرق.

الاحتيال عبر الذكاء الاصطناعي

وبالعودة إلى الواتساب، يحذر مسلّم من تقنيات احتيالية، كإرسال رسالة صوتية فعلية من المستخدم المهكّر حسابه، عبر تقنية الـforward، يقول فيها: “كيفك صديقي” أو ما شابه، ثم يكتب المهكرون النص الذي يطلبون فيه إرسال الأموال”.

من هنا، يحث مسلّم على ضرورة مراقبة العبارات واللهجة وتلقف كل إشارة، والاتصال بالشخص على رقمه العادي، للتأكد من أنه هو الذي يطلب المال فعليًا، لا سيما في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن توليد رسائل صوتية عبر الـAI.

أما السرقة التي تبدأ من فيسبوك، فيلفت إلى أنه ليس بالضرورة أن يُسرق حساب الفيسبوك، بل يمكن انتحال صفة الشخص، عبر إنشاء حساب وهمي، ثم يتم التواصل مع أصدقائه على فيسبوك أو إنستغرام.

ويختم مسلّم حديثه مشبّهًا تطبيقات هواتفنا التي تحمل خصوصياتنا بـ”منزلنا”، سائلا: “هل كل من يدق الباب نفتح له الباب فورًا”؟، مشجعًا المواطنين على متابعة حملات التوعية، لا سيما أن السرقة لا تقتصر على واتساب اليوم، فالاحتيال المالي تمدد إلى منصات تدّعي التداول في البورصة.

أولى خطوات التحصين هي الوعي…

وأكثر من عام مضى على نهج سرقة واختراق حسابات واتساب تعرّض له اللبنانيون. ويبقى تعميم المعرفة والتوعية واجبًا، لتحصين المواطنين من المزيد من عمليات التهكير وسرقة أموالهم، لأن أولى خطوات التحصين هي الوعي وتطبيق تقنيات الحماية التي وضعتها تطبيقات الهاتف لهذا الهدف!

نواب ووزراء وفاعليات بيروتية ضحايا شبكات سرقة الواتساب

الكاتب: فتات عيّاد | المصدر: نداء الوطن
15 آب 2026

ربما تكون ممن خُرقت حساباتهم على واتساب في العام الأخير، أو أقلّه، أُرسلت لك رسالة من جهة اتصال لديك تطلب منك إرسال أموال عبر شركات تحويل الأموال، تبيّن لاحقًا أن رقمها على واتساب مُهكّر. وفي حال حالفك الحظ بعدم تهكير حسابك، أو بعدم استجابتك لإرسال المال إلى الجهات المهكِّرة لحسابات جهات اتصال لديك، فإن الآلاف في لبنان وقعوا ضحية تهكير حساباتهم، أو إرسال أموال إلى شبكات تهكير منظّمة، تبدأ بسرقة الواتساب ولا تنتهي بسرقة أموال مستخدميه.

في السياق، يكشف مستشار شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عامر الطبش، لـ”نداء الوطن”، أن نوابًا ووزراء من مختلف المناطق في لبنان لم يسلموا من شبكات التهكير المنظّمة، وكذلك فاعليات اجتماعية تعمل في مجال المساعدات الاجتماعية، كانوا ضحايا تهكير حساباتهم عبر واتساب، لا سيما أن جهات اتصالهم معتادة على إرسال الأموال لهم، فكانت جهات الاتصال تلك طعمًا “نموذجيًا” للمهكرين!

أما جديد عمليات التهكير، فرسالة تبدأ من ماسنجر ثم الاستحواذ على الواتساب! فكيف تحصل هذه الجرائم الإلكترونية “المنظّمة”، وكيف تطورت فنونها مع تطور وسائل الاتصال الاجتماعي؟ وأين تبرز نقاط الضعف لدى المستخدمين؟ وكيف نحمي حساباتنا؟ وماذا يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، العميد جوزاف مسلم، عن الحملة التوعوية لقوى الأمن الداخلي؟

بين وزارة الاتصالات وقوى الأمن والمواطن: مسؤولية من؟

عزّة، مواطنة، تعمل في مجال المساعدات الاجتماعية، ويقتضي عملها طلب أموال من جهات اتصال لديها عبر تطبيق واتساب. وأكثر ما سبّب لها إحراجًا بعد سرقته، كان وقوع بعضهم ضحية فخّ طلب إرسال الأموال عبر تطبيق شركات تحويل الأموال، بسبب طبيعة عملها التي سهّلت على المخترق المهكر عملية إقناعهم.

مصادر في “وزارة الاتصالات”، توضح لـ”نداء الوطن” أن الوزارة لا تتخذ أي إجراء يتعلق بوقف أي تطبيق إلا بناء على قرار قضائي. أما عمليات اختراق حسابات المستخدمين، فلا تدخل ضمن صلاحياتها، إذ إن هذه التطبيقات لا تخضع لسلطة الوزارة، كما أن خوادمها موجودة خارج لبنان.

القوى الأمنية، وخصوصًا مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية وشعبة المعلومات، يقع على عاتقهما تفكيك شبكات التهكير وتوقيفها، إلا أن المهمة الاستباقية الأولى تقع على المستخدم، أي المواطن اللبناني، الذي يشبّهه الأمنيون والتقنيون بصاحب المنزل، المفترض به حمايته من قرع اللصوص باب منزله وإدخالهم فورًا.

فكيف يقرع المهكر باب المستخدم؟ وكيف يسرقه أونلاين؟

فنون الخرق والسّرقة تطورت عبر الزمن…

مستشار شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عامر الطبش، ينوّه إلى أن عمر عمليات السرقة عن طريق تطبيقات التواصل الاجتماعي من عمر هذه التطبيقات. ومع تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت فنون عمليات السرقة عبرها، بدورها، تتطوّر.

فسابقًا كانت تحصل السرقات عبر سرقة شريحة تشريج الخط الخليوي، كوسيلة دفع إلكتروني electronic wallet، يطلبها بعض المستخدمين ممن يريدون منهم مبالغ محدودة، لتتطور بعدها العملية إلى الابتزاز حول صور شخصية يصل إليها المخترق، وطلب أموال مقابل عدم النشر.

ومع اعتماد اللبنانيين في الأعوام الأخيرة عمليات الدفع الإلكتروني على نطاق واسع، ووجودها كتطبيقات على هواتفهم، ما سرّع عمليات نقل الأموال وتحويلها بكبسة زرّ، انتقلنا هنا إلى عملية السرقة المنظّمة الثنائية، التي تبدأ بتطبيق واتساب وتنتهي بتطبيق شركات تحويل الأموال.

في السياق، يعزو الطبش سهولة خرق الواتساب، ثم استدراج جهات اتصال المستخدم المسروق حسابه وخداعها لإرسال أموال عبر شركات تحويل الأموال للمهكرين، وأحيانًا عبر وسائل تحويل أموال أخرى أو فيزا كارد مصرفية، إلى عدم إلمام كافة المستخدمين بكامل طريقة عمل تطبيقي واتساب وشركات تحويل الأموال.

خيارات الحماية ليست ثانوية

وهنا نعود للمسؤولية الاستباقية الأولى، والتي تقع على المستخدم.

فخداع المستخدم في المرحلة الأولى يحصل جراء وثوقه بالروابط التي يرسلها المهكرون أو طلباتهم منه لإرسال كود OTP يختص بهاتفه. لكن عملية الاستيلاء على تطبيق الواتساب تصبح أكثر سهولة عندما لا يكون المستخدم قد استخدم كامل وسائل الحماية في تطبيق واتساب، مثل البصمة Finger Print وعملية التحقق الثنائي 2 factor authentication، المتاحة في إعدادات الأمان في التطبيق.

فسرقة تطبيق واتساب الضعيف أمنيًا، أو من خلال إرسال لينك رابط يحمل حمولة خبيثة، وبمجرد الاستيلاء على الرقم، يدخل الهاكر المخترق إلى شبكة أرقام كبيرة للمستخدم، هي جهات اتصاله، ويبدأ بالعمل عليها هي الأخرى بهدف اختراق أكبر عدد منها.

والسرقة تحصل عبر طرق عدة، أكثرها انتشارًا:

إرسال دعوة للانضمام إلى غروب، تحت مسمى WhatsApp Join Group، فيما يكون الرابط خبيثًا، وهنا لا ينتبه كثيرون إلى خلوه من علامة واتساب على عنوان الرابط الإلكتروني المرسل (URL).

وقد يرسل الهاكر صورًا ويطلب تنزيلها على الهاتف، كأن يرسل عبارة Download this picture مع الصورة.

وأحيانًا قد يرسل تطبيقًا خبيثًا، يستولي على الواتساب وربما معلومات أخرى في الهاتف.

طريقة أخرى يحذر منها التقنيون والأمنيون بشدة، وبمجرد طلبه، وجب على أي مستخدم معرفة أنه يتعرض للتهكير، وهي طلب إرسال code OTP يصل إلى هاتف المستخدم المنوي تهكيره، عبر رسالة عادية SMS تصل للمستخدم. والكود متعلق برقمه الخاص على حساب واتساب، لا برقم الهاكر الذي يطلب منه مشاركة كود الـOTP.

ويحذر الطبش: “هذا الكود هو حصرًا للمستخدم طالما أنه أُرسل إلى رقمه، ولا توجد أي طريقة حول العالم تمكّن من إرسال رسالة للـSIM card الخاص بشخص، على رقم شخص آخر”.

لذلك، وبمجرد مشاركة الكود الخاص بصاحب الرقم مع الهاكر، يستولي الأخير على الواتساب الخاص بالمستخدم، فيقفل الواتساب على هاتف المستخدم عبر تقنية الـlogout.

فور دخوله إلى حساب الواتساب، يبدأ بتغيير إعدادات الحساب، مثل البريد الإلكتروني، لكنه لا يستطيع تغيير البصمة ولا ميزة التحقق بخطوتين، اللتين، في حال عدم تفعيلهما، سيستولي الهاكر ببساطة على الواتساب.

النّصب على جهات الاتصال

1200 دولار في 3 ساعات فقط!

ينتقل الهاكر في هذه المرحلة، بعد السيطرة على أكبر عدد من حسابات الواتساب، ووصوله إلى طريق مسدود مع حسابات محمية، فُعّلت فيها البصمة أو ميزة التحقق بخطوتين، إلى مرحلة النصب المالي لجهات اتصال حسابات الواتساب المسروقة.

العملية مربحة. يعطي الطبش مثالا: “ففي ظرف 3 ساعات فقط، تم فيها استرداد حساب واتساب مخروق، كانت شبكة التهكير قد سرقت 1200 دولار من جهات اتصاله”. فكيف يتم استدراج جهات الاتصال؟

افتراضًا، جمّع الهاكر 7 حسابات واتساب، يرسل “هاي” لكل منها، فترد عليه جهة الاتصال وتبدأ دردشة يعمل على اختصارها لضمان عدم انكشافه، سواء بأسلوبه أو بطريقة الكتابة، أو حتى تفاصيل علاقة المستخدم المسروق حسابه بجهة الاتصال لديه…

ويطلب الهاكر المال كأن يقول: “أنا بمحل تلفونات وبدي 100$ ضروري… بعتولي عبر شركة تحويل الأموال، عامل حادث، بس خلّص من المستشفى بردلكن ياها…”.

وعلى افتراض أن كل حساب واتساب من الحسابات السبعة المستولى عليها لديه 100 جهة اتصال، فيصبح لدى الهاكر 700 شات محتمل، لـ700 ضحية محتملة، وهنا تبدأ الأموال تتدفق إليه.

أما سرعة عملية التحويل الإلكتروني، لا سيما أن تطبيق واتساب وتطبيقات شركات تحويل الأموال موجودة على هواتف غالبية المستخدمين في لبنان، فهي عامل مسهّل ومسرّع لعملية السرقة.

إذ إن 90 إلى 95% من عمليات التحويل لا تستطيع شركات تحويل الأموال إيقافها لأنها تُرسل بشكل فوري، ثم يحوّلها الهاكر من حساب إلى حساب آخر، ثم تُحوّل إلى الخارج أو يتم استلامها نقدًا، وريثما تنتهي التحقيقات، تصبح عملية استرداد الأموال في غالبية الأوقات شبه مستحيلة، لا سيما أن الأرقام التي يُطلب الإرسال إليها تكون أرقامًا من دون هوية، أي تم شراؤها في السوق السوداء.

شبكات التهكير تكشفها القوى الأمنية تباعًا، لكن الحماية الاستباقية تفرض علينا الاتكال على أنفسنا أولا، يقول الطبش، وذلك “عبر استعمال أقصى درجات الحماية في واتساب، والوعي بعدم الوقوع ضحية مشاركة كود هاتفنا أو تحويل الأموال”. فعندما يصلك كود OTP على هاتفك فهو 100% ملكك وحدك، ومشاركته مع أي شخص آخر تعني تسليم “رقبتك”. لذلك، فإن وسائل الحماية على هواتفنا وجب أن نستخدمها لأقصى الحدود ونعتادها.

أما في موضوع تحويل الأموال، فوجب أن نكون متيقظين ونهاتف الشخص قبل إرسال أي مبلغ، للتأكد من أن حسابه على واتساب غير مخروق، فنعمل على تطويق عملية السرقة بأقل ضرر ممكن.

من فيسبوك… إلى واتساب

وأطلقت ميتا META ما يُعرف بالـaccount center، الذي ربط حساب فيسبوك بماسنجر وإنستغرام وواتساب للمستخدم، بهدف تسهيل عملية إدارة هذه الحسابات.

لكن مؤخرًا، بدأت سرقة واتساب عبر إرسال لينك من ماسنجر. ويشرح الطبش: “بمجرد القدرة على سرقة حساب فيسبوك وماسنجر، تصبح الحسابات الموجودة ضمن الـaccount center، ومنها الواتساب، عرضة أيضًا للسرقة، إذ يستغل الهاكر الضعف في عملية ربط الحسابات ببعضها للسيطرة عليها”. من هنا، يناشد الطبش المستخدمين بضرورة أن نكون واعين بكل تطبيقات الهاتف، وليس واتساب فقط.

أما إلى أي مدى قد تصل السرقة، فهي تختلف بحسب نوعية الـbackup للواتساب، سواء كان على Google Drive، وهنا يكون الخطر محدودًا، أو كان محليًا على الهاتف، وهنا يكون الخطر كبيرًا، فقد يستطيع الهاكر الوصول إلى جميع الملفات المرفوعة على الـbackup: صور، ملفات، دردشات صوتية…

وأخطر ما في الاستحواذ على داتا ومواد غنية هو الانتقال إلى مرحلة الابتزاز الإلكتروني لاسترجاع مواد، صور أو فيديو… لقاء آلاف الدولارات.

نواب ووزراء وفاعليات اجتماعية… ضحايا!

سرقات الحسابات وصلت إلى نواب ووزراء وحتى محامين وفاعليات اجتماعية من مختلف المناطق اللبنانية… هذا ما يكشفه لنا الطبش، الذي يحذر من أن عمل صاحب حساب مخروق في المجال الاجتماعي وجمع المساعدات، الذي انتشر بعد الأزمة الاقتصادية، لتأمين أموال عمليات لمرضى وأدوية… يجعل وقوع جهات اتصاله ضحايا سهلة للهاكر.

من هنا، يشدّد الطبش على دور التوعية. فالكل معنيّ بالموضوع، والضحية هي أمننا السيبراني.

حملة توعوية لقوى الأمن الداخلي

وأطلقت شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي حملة توعوية عبر صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي حول الجرائم الإلكترونية. وتحت عنوان “لكل مستخدمي الواتساب انتبهوا”، يشرح فيديو قوى الأمن بالتفاصيل كيفية خرق حسابات الواتساب، ويحذر من إرسال أموال لجهات الاتصال قبل التأكد من أنها غير مخروقة، حتى ولو وصل الأمر بالمستخدم إلى إجراء اتصال عادي وسماع صوت صاحب حساب الواتساب والتأكد من صحة طلبه.

في السياق، يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، العميد جوزيف مسلّم، لـ”نداء الوطن”، إن عددًا لا يستهان به من اللبنانيين وقعوا ضحية سرقة حسابات واتساب لديهم، وذلك بسبب التسرّع بالاستجابة للدخول إلى رابط دعوة خبيث، أو الاستجابة لطلب الهاكر منهم رقم الـOTP الخاص برقمهم، فيما هذا الرقم “حول العالم ما حدا بيطلبه، وهو خاص بصاحب الرقم وحده”.

ويستفيد الهاكر من علاقة المستخدم الذي تم تهكير حسابه بالمستخدم الجاري العمل على سرقة أمواله، عندما تكون الضحية المحتملة تربطها علاقة موثوقة بالضحية الأولى: رفيق طفولة، صاحب عمل، صديق أو قريب… ما يسهّل الاستجابة لطلبات الهاكر، حيث لا يشكك المستخدم بطلب المال منه.

من هنا، يشدد مسلّم على ضرورة أن نكون مسؤولين لدى حملنا للهاتف “ونعدّ للعشرة قبل الاستجابة لهذا النوع من الطلبات، سواء الانضمام إلى روابط أو إرسال أموال”. فالضحية هي خصوصياتنا ومعلوماتنا الخاصة، أو المتعلّقة بأعمالنا التجارية، فكل معلوماتنا على واتساب قد تكون عرضة للخرق.

الاحتيال عبر الذكاء الاصطناعي

وبالعودة إلى الواتساب، يحذر مسلّم من تقنيات احتيالية، كإرسال رسالة صوتية فعلية من المستخدم المهكّر حسابه، عبر تقنية الـforward، يقول فيها: “كيفك صديقي” أو ما شابه، ثم يكتب المهكرون النص الذي يطلبون فيه إرسال الأموال”.

من هنا، يحث مسلّم على ضرورة مراقبة العبارات واللهجة وتلقف كل إشارة، والاتصال بالشخص على رقمه العادي، للتأكد من أنه هو الذي يطلب المال فعليًا، لا سيما في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن توليد رسائل صوتية عبر الـAI.

أما السرقة التي تبدأ من فيسبوك، فيلفت إلى أنه ليس بالضرورة أن يُسرق حساب الفيسبوك، بل يمكن انتحال صفة الشخص، عبر إنشاء حساب وهمي، ثم يتم التواصل مع أصدقائه على فيسبوك أو إنستغرام.

ويختم مسلّم حديثه مشبّهًا تطبيقات هواتفنا التي تحمل خصوصياتنا بـ”منزلنا”، سائلا: “هل كل من يدق الباب نفتح له الباب فورًا”؟، مشجعًا المواطنين على متابعة حملات التوعية، لا سيما أن السرقة لا تقتصر على واتساب اليوم، فالاحتيال المالي تمدد إلى منصات تدّعي التداول في البورصة.

أولى خطوات التحصين هي الوعي…

وأكثر من عام مضى على نهج سرقة واختراق حسابات واتساب تعرّض له اللبنانيون. ويبقى تعميم المعرفة والتوعية واجبًا، لتحصين المواطنين من المزيد من عمليات التهكير وسرقة أموالهم، لأن أولى خطوات التحصين هي الوعي وتطبيق تقنيات الحماية التي وضعتها تطبيقات الهاتف لهذا الهدف!

مزيد من الأخبار