إنذار المستشفيات في أيلول: القطاع الاستشفائي يقترب من “الخط الأحمر”.. والمريض يدفع الثمن

لم يعد القطاع الاستشفائي في لبنان يواجه أزمة مالية عابرة، بل بات، وفق تحذيرات نقابة المستشفيات، أمام اختبار يطال قدرته على الاستمرار في تقديم الخدمات الطبية الأساسية. فقد رفعت نقابة المستشفيات أمس الصوت مجدداً، محذرة من أن الظروف التي يعمل فيها القطاع “تزداد سوءاً”، وأن تداعيات الأزمة بدأت تلامس سلامة المرضى واستمرارية الأقسام الاستشفائية ومصير العاملين فيها.
وجاء تحذير النقابة بعد اجتماع لمجلسها برئاسة النقيب البروفسور بيار يارد، خُصّص لتقييم نتائج الاتصالات مع الجهات الضامنة الرسمية والخاصة.
وبحسب النقابة، وصلت خدمات القطاع إلى “الخطوط الحمراء” نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، في مقدمتها نقص السيولة، وارتفاع كلفة التشغيل، وعدم تناسب التعرفات المعتمدة مع الكلفة الفعلية للخدمات الطبية والاستشفائية.
فجوة بين الكلفة والتعرفة
المشكلة الأساسية التي تطرحها المستشفيات تتمثل في الفجوة المتزايدة بين ما تتقاضاه مقابل الخدمات وبين ما تدفعه فعلياً لتشغيل المستشفى. ففي تصريحات أدلى بها يارد في نهاية آب الماضي، قال إن كلفة التشغيل ارتفعت بنحو 30 في المئة، فيما تبلغ تعرفة سرير المستشفى حالياً نحو 55 دولاراً، في حين أن الكلفة التي يعتبرها القطاع عادلة تقارب 100 دولار، أي أن التعرفة الحالية، وفق هذه الأرقام، لا تغطي سوى نحو 55 في المئة من الكلفة المطلوبة.
ويُضيف يارد أن الدولة يفترض أن تدفع للمستشفيات ما بين 70 و80 مليون دولار شهرياً، في مؤشر إلى حجم التدفقات المالية التي يحتاجها القطاع للحفاظ على قدرته التشغيلية.
وتقول النقابة إن ارتفاع أسعار المحروقات والمستلزمات الطبية والأدوية والخدمات الفندقية وأعمال الصيانة، إلى جانب الرواتب والأجور، رفع الكلفة اليومية لتشغيل المستشفيات. وفي المقابل، فإن المُستحقات المُتراكمة لدى الهيئات الضامنة فقدت جزءاً من قيمتها نتيجة ارتفاع الأسعار، فيما بات الموردون يمنحون المستشفيات مهلاً قصيرة لتسديد الفواتير، مهددين بوقف تسليم بعض المستلزمات والأدوية عند التأخر في الدفع.
أزمة تمويل تُهدد استمرارية الخدمة
لا تأتي هذه التحذيرات من فراغ، فالقطاع الصحي في لبنان يدخل هذه المرحلة بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والمالي والهجرة البشرية والأزمات الأمنية، ما تركه أكثر هشاشة وقدرة أقل على امتصاص الصدمات.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد وصفت النظام الصحي في لبنان بأنه يواجه ضغوطاً هائلة نتيجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاستقرار الإقليمي. وفي تقييمها الصادر في تموز 2025، أشارت المنظمة إلى أن معظم المستشفيات كانت تعمل بنحو نصف طاقتها بسبب القيود المالية، وأن حاجات القطاع كانت تتزايد في وقت كانت فيه الخزينة العامة تعاني من نقص حاد في الموارد. كما قدرت كلفة التعافي وإعادة الإعمار في قطاعي الصحة والمياه بأكثر من 600 مليون دولار.
وتُشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأزمة لم تعد مالية فقط، إذ تعرضت المنشآت الصحية أيضاً لأضرار مباشرة خلال موجات التصعيد العسكري. ووفق تقرير للمنظمة في 2026، أُغلقت 4 مستشفيات بشكل كامل، فيما تعرّضت 10 مستشفيات لأضرار جزئية، إضافة إلى إغلاق 49 مركزاً للرعاية الصحية الأولية. كما وصلت نسب الإشغال في بعض المستشفيات العامة إلى 95 في المئة نتيجة ارتفاع أعداد المرضى والنازحين.
المريض في قلب المعادلة
الأخطر في الأزمة أن انعكاساتها لا تتوقف عند ميزانيات المستشفيات، فعندما تتراجع قدرة المستشفى على شراء الأدوية والمستلزمات أو تأمين السيولة اللازمة لدفع الرواتب والصيانة والخدمات، يُصبح المريض الطرف الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة.
وهكذا، تتحوّل مُعادلة تمويل المستشفيات تدريجياً إلى قضية اجتماعية أيضاً: فرفع التعرفات قد يكون ضرورياً بالنسبة إلى المؤسسات الصحية التي تواجه ارتفاعاً في الكلفة، لكنه في المقابل قد يزيد الفروقات التي يدفعها المرضى، ولا سيما غير القادرين على تحمل تكاليف الاستشفاء من جيوبهم.
ماذا تطلب نقابة المستشفيات؟
في بيانها الأخير، حددت النقابة مجموعة مطالب، أبرزها الإسراع في دفع المستحقات المتراكمة للهيئات الضامنة الرسمية، وإعادة النظر في التعرفات الاستشفائية بما يتناسب مع الواقع الحالي، وتأمين الاعتمادات اللازمة في موازنة عام 2027.كما طالبت بالإسراع في استرداد المبالغ التي دفعتها المستشفيات كضريبة على القيمة المضافة، مشيرة إلى أن هذه المبالغ لم تُسترد منذ عام 2021، وأن قيمتها تصل، بحسب النقابة، إلى “آلاف المليارات” بالليرة اللبنانية.
وهذه المطالب تعكس جوهر الأزمة: المستشفيات تريد سيولة نقدية فورية، وليس فقط أرقاماً محاسبية أو وعوداً مستقبلية، لأن الموردين والعاملين لا ينتظرون بالضرورة حتى تسوية المستحقات المتراكمة بين المؤسسات والدولة.
إنذار أيلول… وتهديد بتقييد استقبال المرضى
الأكثر خطورة في بيان النقابة هو المُهلة التي حددتها للجهات الضامنة الرسمية. فقد أعلنت أنها، في حال عدم التجاوب مع مطالبها قبل نهاية أيلول الحالي، قد تضطر اعتباراً من تشرين الأول إلى وقف استقبال الحالات “الباردة” وحصر العمل بالحالات الطارئة، مع تحميل المريض الفروقات اللازمة.
وإذا دخل هذا القرار حيّز التنفيذ، فسيكون ذلك مؤشراً بالغ الخطورة على قدرة النظام الصحي اللبناني على تقديم الرعاية بصورة منتظمة، إذ إن الفرق بين “الحالات الطارئة” و”الحالات الباردة” لا يعني أن الأخيرة غير ضرورية، بل يشمل عمليات وفحوصاً وعلاجات يمكن تأجيلها من الناحية الطبية، لكنها قد تتحوّل مع مرور الوقت إلى مشكلات صحية أكثر تعقيداً وكلفة.
وبينما تدخل البلاد أسابيع حاسمة قبل انتهاء المهلة التي حددتها النقابة، يبقى السؤال: هل تنجح الدولة والجهات الضامنة والمستشفيات في التوصل إلى صيغة تمويل جديدة تمنع انتقال الأزمة من دفاتر المؤسسات إلى أبواب المستشفيات؟
إنذار المستشفيات في أيلول: القطاع الاستشفائي يقترب من “الخط الأحمر”.. والمريض يدفع الثمن

لم يعد القطاع الاستشفائي في لبنان يواجه أزمة مالية عابرة، بل بات، وفق تحذيرات نقابة المستشفيات، أمام اختبار يطال قدرته على الاستمرار في تقديم الخدمات الطبية الأساسية. فقد رفعت نقابة المستشفيات أمس الصوت مجدداً، محذرة من أن الظروف التي يعمل فيها القطاع “تزداد سوءاً”، وأن تداعيات الأزمة بدأت تلامس سلامة المرضى واستمرارية الأقسام الاستشفائية ومصير العاملين فيها.
وجاء تحذير النقابة بعد اجتماع لمجلسها برئاسة النقيب البروفسور بيار يارد، خُصّص لتقييم نتائج الاتصالات مع الجهات الضامنة الرسمية والخاصة.
وبحسب النقابة، وصلت خدمات القطاع إلى “الخطوط الحمراء” نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، في مقدمتها نقص السيولة، وارتفاع كلفة التشغيل، وعدم تناسب التعرفات المعتمدة مع الكلفة الفعلية للخدمات الطبية والاستشفائية.
فجوة بين الكلفة والتعرفة
المشكلة الأساسية التي تطرحها المستشفيات تتمثل في الفجوة المتزايدة بين ما تتقاضاه مقابل الخدمات وبين ما تدفعه فعلياً لتشغيل المستشفى. ففي تصريحات أدلى بها يارد في نهاية آب الماضي، قال إن كلفة التشغيل ارتفعت بنحو 30 في المئة، فيما تبلغ تعرفة سرير المستشفى حالياً نحو 55 دولاراً، في حين أن الكلفة التي يعتبرها القطاع عادلة تقارب 100 دولار، أي أن التعرفة الحالية، وفق هذه الأرقام، لا تغطي سوى نحو 55 في المئة من الكلفة المطلوبة.
ويُضيف يارد أن الدولة يفترض أن تدفع للمستشفيات ما بين 70 و80 مليون دولار شهرياً، في مؤشر إلى حجم التدفقات المالية التي يحتاجها القطاع للحفاظ على قدرته التشغيلية.
وتقول النقابة إن ارتفاع أسعار المحروقات والمستلزمات الطبية والأدوية والخدمات الفندقية وأعمال الصيانة، إلى جانب الرواتب والأجور، رفع الكلفة اليومية لتشغيل المستشفيات. وفي المقابل، فإن المُستحقات المُتراكمة لدى الهيئات الضامنة فقدت جزءاً من قيمتها نتيجة ارتفاع الأسعار، فيما بات الموردون يمنحون المستشفيات مهلاً قصيرة لتسديد الفواتير، مهددين بوقف تسليم بعض المستلزمات والأدوية عند التأخر في الدفع.
أزمة تمويل تُهدد استمرارية الخدمة
لا تأتي هذه التحذيرات من فراغ، فالقطاع الصحي في لبنان يدخل هذه المرحلة بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والمالي والهجرة البشرية والأزمات الأمنية، ما تركه أكثر هشاشة وقدرة أقل على امتصاص الصدمات.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد وصفت النظام الصحي في لبنان بأنه يواجه ضغوطاً هائلة نتيجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاستقرار الإقليمي. وفي تقييمها الصادر في تموز 2025، أشارت المنظمة إلى أن معظم المستشفيات كانت تعمل بنحو نصف طاقتها بسبب القيود المالية، وأن حاجات القطاع كانت تتزايد في وقت كانت فيه الخزينة العامة تعاني من نقص حاد في الموارد. كما قدرت كلفة التعافي وإعادة الإعمار في قطاعي الصحة والمياه بأكثر من 600 مليون دولار.
وتُشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأزمة لم تعد مالية فقط، إذ تعرضت المنشآت الصحية أيضاً لأضرار مباشرة خلال موجات التصعيد العسكري. ووفق تقرير للمنظمة في 2026، أُغلقت 4 مستشفيات بشكل كامل، فيما تعرّضت 10 مستشفيات لأضرار جزئية، إضافة إلى إغلاق 49 مركزاً للرعاية الصحية الأولية. كما وصلت نسب الإشغال في بعض المستشفيات العامة إلى 95 في المئة نتيجة ارتفاع أعداد المرضى والنازحين.
المريض في قلب المعادلة
الأخطر في الأزمة أن انعكاساتها لا تتوقف عند ميزانيات المستشفيات، فعندما تتراجع قدرة المستشفى على شراء الأدوية والمستلزمات أو تأمين السيولة اللازمة لدفع الرواتب والصيانة والخدمات، يُصبح المريض الطرف الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة.
وهكذا، تتحوّل مُعادلة تمويل المستشفيات تدريجياً إلى قضية اجتماعية أيضاً: فرفع التعرفات قد يكون ضرورياً بالنسبة إلى المؤسسات الصحية التي تواجه ارتفاعاً في الكلفة، لكنه في المقابل قد يزيد الفروقات التي يدفعها المرضى، ولا سيما غير القادرين على تحمل تكاليف الاستشفاء من جيوبهم.
ماذا تطلب نقابة المستشفيات؟
في بيانها الأخير، حددت النقابة مجموعة مطالب، أبرزها الإسراع في دفع المستحقات المتراكمة للهيئات الضامنة الرسمية، وإعادة النظر في التعرفات الاستشفائية بما يتناسب مع الواقع الحالي، وتأمين الاعتمادات اللازمة في موازنة عام 2027.كما طالبت بالإسراع في استرداد المبالغ التي دفعتها المستشفيات كضريبة على القيمة المضافة، مشيرة إلى أن هذه المبالغ لم تُسترد منذ عام 2021، وأن قيمتها تصل، بحسب النقابة، إلى “آلاف المليارات” بالليرة اللبنانية.
وهذه المطالب تعكس جوهر الأزمة: المستشفيات تريد سيولة نقدية فورية، وليس فقط أرقاماً محاسبية أو وعوداً مستقبلية، لأن الموردين والعاملين لا ينتظرون بالضرورة حتى تسوية المستحقات المتراكمة بين المؤسسات والدولة.
إنذار أيلول… وتهديد بتقييد استقبال المرضى
الأكثر خطورة في بيان النقابة هو المُهلة التي حددتها للجهات الضامنة الرسمية. فقد أعلنت أنها، في حال عدم التجاوب مع مطالبها قبل نهاية أيلول الحالي، قد تضطر اعتباراً من تشرين الأول إلى وقف استقبال الحالات “الباردة” وحصر العمل بالحالات الطارئة، مع تحميل المريض الفروقات اللازمة.
وإذا دخل هذا القرار حيّز التنفيذ، فسيكون ذلك مؤشراً بالغ الخطورة على قدرة النظام الصحي اللبناني على تقديم الرعاية بصورة منتظمة، إذ إن الفرق بين “الحالات الطارئة” و”الحالات الباردة” لا يعني أن الأخيرة غير ضرورية، بل يشمل عمليات وفحوصاً وعلاجات يمكن تأجيلها من الناحية الطبية، لكنها قد تتحوّل مع مرور الوقت إلى مشكلات صحية أكثر تعقيداً وكلفة.
وبينما تدخل البلاد أسابيع حاسمة قبل انتهاء المهلة التي حددتها النقابة، يبقى السؤال: هل تنجح الدولة والجهات الضامنة والمستشفيات في التوصل إلى صيغة تمويل جديدة تمنع انتقال الأزمة من دفاتر المؤسسات إلى أبواب المستشفيات؟






