برّي للسفير الأميركي: “اعطوني وقف النار واتركوا الباقي عليّ”

على بُعد ساعات من الجلسة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لا يرفع لبنان سقف توقعاته. فالأمل بالتوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار يبدو ضئيلاً، فيما تراجع سقف الموقف اللبناني تدريجياً من رفض التفاوض تحت النار والمطالبة بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي الكامل، إلى القبول بالتفاوض فيما العمليات العسكرية مستمرة، في ظل اقتناع متزايد داخل الأوساط الرسمية بأن لبنان لم يعد يملك ترف تعطيل المسار التفاوضي مهما كانت الظروف الميدانية.
وكلما اقترب موعد الجلسات، رفعت إسرائيل مستوى التصعيد العسكري. فالتوغلات لم تعد محصورة جنوب الليطاني، بل تمددت شمالاً مع تصاعد الحديث عن محاولات للوصول إلى الزهراني وفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية محتملة. كما وسّعت إسرائيل دائرة الاستهدافات لتشمل الطريق الساحلي بين بيروت والجنوب، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض يجري تحت الضغط المباشر بالنار.
مداولات الجلستين السابقتين
الاتصالات السياسية التي سبقت جولات التفاوض لم تنجح في فرض وقف لإطلاق النار، ما جعل لبنان يذهب إلى واشنطن من موقع دفاعي، وسط اختلال واضح في موازين القوى السياسية والعسكرية. وفي الجلسات السابقة، لم يقتصر البحث على ترتيبات وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، بل تعدّاه إلى ملفات أكثر حساسية تتصل بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ودور الجيش اللبناني، وإمكان توليه مهمة التصدي لحزب الله أو سحب سلاحه بالقوة، إضافة إلى البحث في طبيعة الدعم الخارجي الذي يمكن أن يُقدَّم للجيش للقيام بهذا الدور، بما في ذلك إمكان الاستعانة بجهات خارجية أو عبر البوابة السورية.
وبحسب أجواء بعض المشاركين، فإن الطروحات الإسرائيلية تجاوزت منطق التفاوض الأمني المحدود، واتجهت نحو مقاربة سياسية شاملة تشبه مفاوضات بين دولتين على ترتيبات ما بعد الحرب، لا مجرد اتفاق ميداني لوقف النار. ولم يكن طرح مسألة “العداء لإسرائيل” في المناهج والقوانين اللبنانية سوى مؤشر إضافي على أن تل أبيب تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مدخلاً لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية على المدى البعيد.
وخلال الجلسات السابقة، بدا واضحاً حجم التفاوت بين الجانبين. فقد دخل الإسرائيليون بورقة عمل متكاملة تتناول ترتيبات أمنية وسياسية بعيدة المدى، فيما ظهر الموقف اللبناني مرتبكاً ومفتقراً إلى رؤية موحدة. وبرزت داخل بعض النقاشات طروحات شديدة الحساسية تتعلق بإمكان الاستعانة بقوات أميركية لمساندة الجيش اللبناني في أي مهمة تتصل بسحب السلاح، أو الاستعانة بسوريا، الأمر الذي عكس حجم الضغط الواقع على لبنان، كما كشف هشاشة المقاربة الرسمية اللبنانية أمام الطروحات الإسرائيلية والأميركية.
الجلسة الأولى حضرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيما ترأس الجلسة الثانية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. أما الجلسة الثالثة فتُعقد بغيابهما، لكن مع مشاركة السفير اللبناني السابق سيمون كرم، الذي سبق أن شارك في اجتماعات لجنة الميكانيزم. غير أن الشكوك تزداد داخل بعض الأوساط اللبنانية حيال جدوى هذه المفاوضات، خصوصاً أن ما اختبره المشاركون في اجتماعات الميكانيزم عزّز الانطباع بأن المطلوب من لبنان يتجاوز بكثير قدرته على التحمل سياسياً وأمنياً.
الحد من بعض مظاهر التصعيد
وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر، تتسع دائرة التشاؤم حيال إمكان التوصل إلى وقف فعلي للنار، لا سيما بعد الرسائل التي نقلها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى المسؤولين اللبنانيين، والتي أوحت بأن واشنطن لا ترى إمكانية واقعية لوقف الحرب في الوقت الراهن، وأن أقصى ما يمكن العمل عليه هو الحد من بعض مظاهر التصعيد، كوقف عمليات هدم المنازل.
وكان يُفترض أن تشكل مفاوضات واشنطن مدخلاً لوقف إطلاق نار فعلي، إلا أن الجلسة الأولى تحولت إلى جلسة تمهيدية، فيما تبدو التوقعات حيال الجلسة الثالثة محدودة للغاية. فالسيناريو الأكثر تداولاً لا يتحدث عن إنهاء الحرب، بل عن تمديد وقف إطلاق النار بصيغته الهشة الحالية، وربما إعلان وقف محدود لعمليات الهدم، من دون التوصل إلى اتفاق شامل يشمل الجنوب وشمال الليطاني معاً.
وفي أول إعلان لوقف إطلاق النار، اشترطت إسرائيل احتفاظها بحرية الحركة العسكرية جنوب الليطاني وشماله، لكنها عملياً لم تلتزم بالاتفاق، وواصلت عملياتها العسكرية وصولاً إلى استهداف الضاحية الجنوبية. واليوم، يأتي استهداف الطريق الساحلي بين بيروت والجنوب لرفع مستوى الضغط قبل الجلسة الجديدة. وحتى إذا وافقت إسرائيل على تهدئة ما، فإن المؤشرات تفيد بأنها ستكون محصورة ضمن نطاق جغرافي وأمني ضيق، لا يشمل وقفاً كاملاً للحرب أو انسحاباً شاملاً.
الحزب لن يلتزم إلا في حال التزمت إسرائيل
وفي هذه الحال، يبدو أن سيناريو المرحلة السابقة سيتكرر. فحزب الله لن يلتزم أي اتفاق لا تلتزم به إسرائيل، فيما سيعتبر نفسه ملزماً حكماً بأي وقف نهائي للحرب يتضمن انسحاباً واضحاً ووقفاً شاملاً للعمليات العسكرية. أما في ما يخص احتلال الأراضي، فمن المتوقع أن يتمسك الحزب بما يعتبره “حق تحرير الأرض”، تماماً كما أعلن بعد اتفاق وقف النار السابق في إسلام آباد، مع التأكيد أن ذلك لا يعني بالضرورة العودة الفورية إلى العمليات العسكرية، بل الاحتفاظ بحق يعتبره مكفولاً بموجب المواثيق الدولية.
وعندما تم الاتفاق على وقف النار في المرة الأولى، تريث الثنائي الشيعي في دعوة الأهالي إلى العودة إلى قراهم، تحسباً لعدم التزام إسرائيل بالاتفاق. واليوم يتكرر المشهد نفسه، إذ ينتظر إعلان طبيعة التهدئة الممكنة وحدودها، وما إذا كانت إسرائيل مستعدة فعلاً للالتزام بها، أم أنها ستستخدمها كمرحلة انتقالية ضمن مسار تصعيدي أطول.
التصعيد متوقع
وتقدّر أوساط قريبة من حزب الله أن فرص التوصل إلى وقف نار فعلي لا تزال ضعيفة، وأن إسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح لبنان تهدئة بالشكل الذي يريده. كما تتحدث مصادر دبلوماسية عن اتجاه الأوضاع نحو مزيد من التعقيد، مع عدم استبعاد جولة تصعيد واسعة جديدة قد تشمل الضاحية وبيروت، في إطار محاولة زيادة الضغط على لبنان قبل فرض أي تسوية تتصل بمرحلة ما بعد سحب السلاح.
وترى هذه المصادر أن جوهر الخلاف في المفاوضات لا يتعلق فقط بالتفاصيل التقنية، بل بترتيب الأولويات نفسه: فلبنان يريد وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي أولاً تمهيداً لمعالجة الملفات الداخلية، بينما تصر إسرائيل على أن أي انسحاب أو تهدئة دائمة يجب أن يسبقهما مسار واضح يتعلق بسلاح حزب الله ودوره العسكري جنوب الليطاني وشماله.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في شروط التفاوض، بل اختلافاً أعمق في فهم طبيعة المرحلة المقبلة. فواشنطن وتل أبيب لا تتعاملان مع الحرب بوصفها جولة عسكرية عابرة، بل كفرصة لإعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة، في ظل التحولات الإقليمية الكبرى التي أعقبت الحرب الإيرانية الأخيرة، والتغيرات التي يشهدها شرق المتوسط على المستويات الأمنية والطاقوية والسياسية.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف حزب الله يُطرح كقضية لبنانية داخلية فحسب، بل كجزء من مشروع أوسع يرتبط بأمن إسرائيل طويل المدى، وإعادة ترتيب الممرات الاقتصادية والطاقة في المنطقة، ومحاولة تقليص النفوذ الإيراني في المشرق. كما أن بعض مراكز الدراسات الغربية والإسرائيلية تتحدث بصورة متزايدة عن تحويل الجنوب اللبناني إلى نموذج أمني شبيه بالضفة الغربية، يقوم على حرية الحركة الإسرائيلية وفرض منطقة عازلة بالنار لا بالاحتلال المباشر.
برّي: اعطوني وقف النار
خلال اجتماعه مع السفير الأميركي، أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه برّي الدبلوماسي الأميركي: “أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ”. غير أن الجانب الأميركي لم يعطِ أي التزام واضح، بل اكتفى بالاستماع، فيما سبق للسفير عينه أن برر لإسرائيل استمرار عملياتها العسكرية، وصولاً إلى نصحه بـ”نسيان الجنوب”، باعتبار أنه قد يتحول عملياً إلى منطقة أمنية، بعدما رفض لبنان سابقاً تحويله إلى منطقة اقتصادية ضمن الطروحات التي سبقت الحرب.
ومنذ انطلاق المفاوضات المباشرة، يتزايد الحديث داخل الإعلام الإسرائيلي عن إمكان الوصول مستقبلاً إلى اتفاق أوسع مع لبنان. إلا أن هذا الطرح، وفق المقاربة الإسرائيلية، يبقى مرتبطاً بمسار إقليمي أكبر يتصل بإضعاف إيران وإضعاف حزب الله بصورة دراماتيكية تسمح بفرض توازنات جديدة في لبنان والمنطقة. كما تعترف إسرائيل ضمنياً بأن قدرتها على تحقيق أهدافها مرتبطة بمقدار الدعم الذي ستمنحه لها الولايات المتحدة للاستمرار في عملياتها العسكرية داخل لبنان، ما يعزز الانطباع بأن تل أبيب لا تتجه نحو إنهاء الحرب قريباً، بل نحو إدارة مستوى مدروس من التصعيد يسمح بإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي اللبناني تدريجياً من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
موقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية
وفي موازاة ذلك، يبدو أن عامل الوقت يلعب لمصلحة إسرائيل أكثر مما يلعب لمصلحة لبنان. فتل أبيب تراهن على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي سيؤدي إلى استنزاف حزب الله تدريجياً، وزيادة الضغط الشعبي والمالي داخل لبنان، وفرض وقائع أمنية وديموغرافية جديدة في الجنوب، وربما دفع البيئة اللبنانية إلى القبول بتسويات لم تكن مطروحة قبل الحرب.
أما لبنان الرسمي، فيدرك أن قدرته على تحمل حرب استنزاف طويلة محدودة جداً، وهو ما يفسر التراجع التدريجي في سقف مطالبه السياسية والتفاوضية، في ظل الانهيار الاقتصادي والتفكك المؤسساتي والقلق الداخلي المتزايد من اتساع الحرب وتحولها إلى مواجهة مفتوحة تستنزف ما تبقى من الدولة.
وفي المحصلة، لم تعد المفاوضات الجارية تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب من الجنوب، بل باتت تمسّ موقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية المقبلة. فلبنان دخل عملياً مرحلة تفاوض على وظيفته السياسية والأمنية في المنطقة، لا على حدوده الجنوبية فحسب، فيما يبدو الجنوب والضاحية معاً أسيرَي مسار تفاوضي طويل يرتبط ليس فقط بالحرب الحالية، بل أيضاً بمستقبل الصراع الإقليمي بأكمله.
برّي للسفير الأميركي: “اعطوني وقف النار واتركوا الباقي عليّ”

على بُعد ساعات من الجلسة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لا يرفع لبنان سقف توقعاته. فالأمل بالتوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار يبدو ضئيلاً، فيما تراجع سقف الموقف اللبناني تدريجياً من رفض التفاوض تحت النار والمطالبة بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي الكامل، إلى القبول بالتفاوض فيما العمليات العسكرية مستمرة، في ظل اقتناع متزايد داخل الأوساط الرسمية بأن لبنان لم يعد يملك ترف تعطيل المسار التفاوضي مهما كانت الظروف الميدانية.
وكلما اقترب موعد الجلسات، رفعت إسرائيل مستوى التصعيد العسكري. فالتوغلات لم تعد محصورة جنوب الليطاني، بل تمددت شمالاً مع تصاعد الحديث عن محاولات للوصول إلى الزهراني وفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية محتملة. كما وسّعت إسرائيل دائرة الاستهدافات لتشمل الطريق الساحلي بين بيروت والجنوب، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض يجري تحت الضغط المباشر بالنار.
مداولات الجلستين السابقتين
الاتصالات السياسية التي سبقت جولات التفاوض لم تنجح في فرض وقف لإطلاق النار، ما جعل لبنان يذهب إلى واشنطن من موقع دفاعي، وسط اختلال واضح في موازين القوى السياسية والعسكرية. وفي الجلسات السابقة، لم يقتصر البحث على ترتيبات وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، بل تعدّاه إلى ملفات أكثر حساسية تتصل بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ودور الجيش اللبناني، وإمكان توليه مهمة التصدي لحزب الله أو سحب سلاحه بالقوة، إضافة إلى البحث في طبيعة الدعم الخارجي الذي يمكن أن يُقدَّم للجيش للقيام بهذا الدور، بما في ذلك إمكان الاستعانة بجهات خارجية أو عبر البوابة السورية.
وبحسب أجواء بعض المشاركين، فإن الطروحات الإسرائيلية تجاوزت منطق التفاوض الأمني المحدود، واتجهت نحو مقاربة سياسية شاملة تشبه مفاوضات بين دولتين على ترتيبات ما بعد الحرب، لا مجرد اتفاق ميداني لوقف النار. ولم يكن طرح مسألة “العداء لإسرائيل” في المناهج والقوانين اللبنانية سوى مؤشر إضافي على أن تل أبيب تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مدخلاً لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية على المدى البعيد.
وخلال الجلسات السابقة، بدا واضحاً حجم التفاوت بين الجانبين. فقد دخل الإسرائيليون بورقة عمل متكاملة تتناول ترتيبات أمنية وسياسية بعيدة المدى، فيما ظهر الموقف اللبناني مرتبكاً ومفتقراً إلى رؤية موحدة. وبرزت داخل بعض النقاشات طروحات شديدة الحساسية تتعلق بإمكان الاستعانة بقوات أميركية لمساندة الجيش اللبناني في أي مهمة تتصل بسحب السلاح، أو الاستعانة بسوريا، الأمر الذي عكس حجم الضغط الواقع على لبنان، كما كشف هشاشة المقاربة الرسمية اللبنانية أمام الطروحات الإسرائيلية والأميركية.
الجلسة الأولى حضرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيما ترأس الجلسة الثانية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. أما الجلسة الثالثة فتُعقد بغيابهما، لكن مع مشاركة السفير اللبناني السابق سيمون كرم، الذي سبق أن شارك في اجتماعات لجنة الميكانيزم. غير أن الشكوك تزداد داخل بعض الأوساط اللبنانية حيال جدوى هذه المفاوضات، خصوصاً أن ما اختبره المشاركون في اجتماعات الميكانيزم عزّز الانطباع بأن المطلوب من لبنان يتجاوز بكثير قدرته على التحمل سياسياً وأمنياً.
الحد من بعض مظاهر التصعيد
وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر، تتسع دائرة التشاؤم حيال إمكان التوصل إلى وقف فعلي للنار، لا سيما بعد الرسائل التي نقلها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى المسؤولين اللبنانيين، والتي أوحت بأن واشنطن لا ترى إمكانية واقعية لوقف الحرب في الوقت الراهن، وأن أقصى ما يمكن العمل عليه هو الحد من بعض مظاهر التصعيد، كوقف عمليات هدم المنازل.
وكان يُفترض أن تشكل مفاوضات واشنطن مدخلاً لوقف إطلاق نار فعلي، إلا أن الجلسة الأولى تحولت إلى جلسة تمهيدية، فيما تبدو التوقعات حيال الجلسة الثالثة محدودة للغاية. فالسيناريو الأكثر تداولاً لا يتحدث عن إنهاء الحرب، بل عن تمديد وقف إطلاق النار بصيغته الهشة الحالية، وربما إعلان وقف محدود لعمليات الهدم، من دون التوصل إلى اتفاق شامل يشمل الجنوب وشمال الليطاني معاً.
وفي أول إعلان لوقف إطلاق النار، اشترطت إسرائيل احتفاظها بحرية الحركة العسكرية جنوب الليطاني وشماله، لكنها عملياً لم تلتزم بالاتفاق، وواصلت عملياتها العسكرية وصولاً إلى استهداف الضاحية الجنوبية. واليوم، يأتي استهداف الطريق الساحلي بين بيروت والجنوب لرفع مستوى الضغط قبل الجلسة الجديدة. وحتى إذا وافقت إسرائيل على تهدئة ما، فإن المؤشرات تفيد بأنها ستكون محصورة ضمن نطاق جغرافي وأمني ضيق، لا يشمل وقفاً كاملاً للحرب أو انسحاباً شاملاً.
الحزب لن يلتزم إلا في حال التزمت إسرائيل
وفي هذه الحال، يبدو أن سيناريو المرحلة السابقة سيتكرر. فحزب الله لن يلتزم أي اتفاق لا تلتزم به إسرائيل، فيما سيعتبر نفسه ملزماً حكماً بأي وقف نهائي للحرب يتضمن انسحاباً واضحاً ووقفاً شاملاً للعمليات العسكرية. أما في ما يخص احتلال الأراضي، فمن المتوقع أن يتمسك الحزب بما يعتبره “حق تحرير الأرض”، تماماً كما أعلن بعد اتفاق وقف النار السابق في إسلام آباد، مع التأكيد أن ذلك لا يعني بالضرورة العودة الفورية إلى العمليات العسكرية، بل الاحتفاظ بحق يعتبره مكفولاً بموجب المواثيق الدولية.
وعندما تم الاتفاق على وقف النار في المرة الأولى، تريث الثنائي الشيعي في دعوة الأهالي إلى العودة إلى قراهم، تحسباً لعدم التزام إسرائيل بالاتفاق. واليوم يتكرر المشهد نفسه، إذ ينتظر إعلان طبيعة التهدئة الممكنة وحدودها، وما إذا كانت إسرائيل مستعدة فعلاً للالتزام بها، أم أنها ستستخدمها كمرحلة انتقالية ضمن مسار تصعيدي أطول.
التصعيد متوقع
وتقدّر أوساط قريبة من حزب الله أن فرص التوصل إلى وقف نار فعلي لا تزال ضعيفة، وأن إسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح لبنان تهدئة بالشكل الذي يريده. كما تتحدث مصادر دبلوماسية عن اتجاه الأوضاع نحو مزيد من التعقيد، مع عدم استبعاد جولة تصعيد واسعة جديدة قد تشمل الضاحية وبيروت، في إطار محاولة زيادة الضغط على لبنان قبل فرض أي تسوية تتصل بمرحلة ما بعد سحب السلاح.
وترى هذه المصادر أن جوهر الخلاف في المفاوضات لا يتعلق فقط بالتفاصيل التقنية، بل بترتيب الأولويات نفسه: فلبنان يريد وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي أولاً تمهيداً لمعالجة الملفات الداخلية، بينما تصر إسرائيل على أن أي انسحاب أو تهدئة دائمة يجب أن يسبقهما مسار واضح يتعلق بسلاح حزب الله ودوره العسكري جنوب الليطاني وشماله.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في شروط التفاوض، بل اختلافاً أعمق في فهم طبيعة المرحلة المقبلة. فواشنطن وتل أبيب لا تتعاملان مع الحرب بوصفها جولة عسكرية عابرة، بل كفرصة لإعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة، في ظل التحولات الإقليمية الكبرى التي أعقبت الحرب الإيرانية الأخيرة، والتغيرات التي يشهدها شرق المتوسط على المستويات الأمنية والطاقوية والسياسية.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف حزب الله يُطرح كقضية لبنانية داخلية فحسب، بل كجزء من مشروع أوسع يرتبط بأمن إسرائيل طويل المدى، وإعادة ترتيب الممرات الاقتصادية والطاقة في المنطقة، ومحاولة تقليص النفوذ الإيراني في المشرق. كما أن بعض مراكز الدراسات الغربية والإسرائيلية تتحدث بصورة متزايدة عن تحويل الجنوب اللبناني إلى نموذج أمني شبيه بالضفة الغربية، يقوم على حرية الحركة الإسرائيلية وفرض منطقة عازلة بالنار لا بالاحتلال المباشر.
برّي: اعطوني وقف النار
خلال اجتماعه مع السفير الأميركي، أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه برّي الدبلوماسي الأميركي: “أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ”. غير أن الجانب الأميركي لم يعطِ أي التزام واضح، بل اكتفى بالاستماع، فيما سبق للسفير عينه أن برر لإسرائيل استمرار عملياتها العسكرية، وصولاً إلى نصحه بـ”نسيان الجنوب”، باعتبار أنه قد يتحول عملياً إلى منطقة أمنية، بعدما رفض لبنان سابقاً تحويله إلى منطقة اقتصادية ضمن الطروحات التي سبقت الحرب.
ومنذ انطلاق المفاوضات المباشرة، يتزايد الحديث داخل الإعلام الإسرائيلي عن إمكان الوصول مستقبلاً إلى اتفاق أوسع مع لبنان. إلا أن هذا الطرح، وفق المقاربة الإسرائيلية، يبقى مرتبطاً بمسار إقليمي أكبر يتصل بإضعاف إيران وإضعاف حزب الله بصورة دراماتيكية تسمح بفرض توازنات جديدة في لبنان والمنطقة. كما تعترف إسرائيل ضمنياً بأن قدرتها على تحقيق أهدافها مرتبطة بمقدار الدعم الذي ستمنحه لها الولايات المتحدة للاستمرار في عملياتها العسكرية داخل لبنان، ما يعزز الانطباع بأن تل أبيب لا تتجه نحو إنهاء الحرب قريباً، بل نحو إدارة مستوى مدروس من التصعيد يسمح بإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي اللبناني تدريجياً من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
موقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية
وفي موازاة ذلك، يبدو أن عامل الوقت يلعب لمصلحة إسرائيل أكثر مما يلعب لمصلحة لبنان. فتل أبيب تراهن على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي سيؤدي إلى استنزاف حزب الله تدريجياً، وزيادة الضغط الشعبي والمالي داخل لبنان، وفرض وقائع أمنية وديموغرافية جديدة في الجنوب، وربما دفع البيئة اللبنانية إلى القبول بتسويات لم تكن مطروحة قبل الحرب.
أما لبنان الرسمي، فيدرك أن قدرته على تحمل حرب استنزاف طويلة محدودة جداً، وهو ما يفسر التراجع التدريجي في سقف مطالبه السياسية والتفاوضية، في ظل الانهيار الاقتصادي والتفكك المؤسساتي والقلق الداخلي المتزايد من اتساع الحرب وتحولها إلى مواجهة مفتوحة تستنزف ما تبقى من الدولة.
وفي المحصلة، لم تعد المفاوضات الجارية تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب من الجنوب، بل باتت تمسّ موقع لبنان نفسه في التوازنات الإقليمية المقبلة. فلبنان دخل عملياً مرحلة تفاوض على وظيفته السياسية والأمنية في المنطقة، لا على حدوده الجنوبية فحسب، فيما يبدو الجنوب والضاحية معاً أسيرَي مسار تفاوضي طويل يرتبط ليس فقط بالحرب الحالية، بل أيضاً بمستقبل الصراع الإقليمي بأكمله.









