الجنوب بين سويسرا وواشنطن: حربٌ مؤجّلة لا سلامٌ مؤجّل

بين سويسرا، حيث تُطرح ورقة الانسحاب الإسرائيليّ في الكواليس الدبلوماسيّة، وواشنطن، حيث تُدار مفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة تبدو عاجزة عن إنتاج أيّ اختراق، يقف جنوب لبنان اليوم ساحة مفتوحة لصراع لم يعد أحد من أطرافه مستعجلاً لإنهائه.
تصريحات وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بأنّ إسرائيل “لن تنسحب على أيّ حال”، وأنّ واشنطن لم تطلب منها ذلك، لم تكن رسالة إعلاميّة وحسب، بل إعلان واضح بأنّ الاحتلال بات جزءاً من استراتيجية إسرائيليّة جديدة لا إجراءً مؤقّتاً مرتبطاً بالحرب الأخيرة.
في المقابل، لا يبدو “الحزب” في وارد تقديم أيّ تنازل في ملفّ السلاح ضمن الظروف الحاليّة. بحسب معلومات “أساس”، يعتبر “الحزب” أنّ معركته الفعليّة بدأت الآن، ولم تنتهِ مع وقف إطلاق النار. ويقول مقرّبون منه إنّه خلال الحرب الأخيرة لم يعتمد سياسة “التمسّك بكلّ شبر من الأرض”، بل أعاد التموضع في نقاط يعتبرها أكثر أهميّة عسكريّاً واستراتيجيّاً، وهو يستعدّ لخوض معارك قاسية إذا قرّرت إسرائيل التقدّم نحوها، وفي مقدَّمها مرتفعات عليّ الطاهر، حيث يوجد أبرز مراكزه العسكريّة في الجنوب.
عليه، لا تبدو الغارات المتكرّرة على عليّ الطاهر، ولا التوغّلات الإسرائيليّة باتّجاه المنطقة، أحداثاً روتينيّة في الحرب، بل بداية اشتباك على ما يعتبره الطرفان إحدى أهمّ العقد العسكريّة في الجنوب، التي يمكن بناء “ستاتيكو” عليها يستمرّ لأشهر مقبلة.
واشنطن تفاوض… وإسرائيل تتقدّم
في هذا المشهد، تبدو المفاوضات الجارية في واشنطن وكأنّها تسير في اتّجاه معاكس تماماً لما يجري على الأرض.
بحسب مصادر دبلوماسيّة مواكبة، يبذل الوفد اللبنانيّ، برئاسة السفير سيمون كرم، جهداً جديّاً لانتزاع أيّ تقدّم، سواء في ملفّ الانسحاب أو تثبيت وقف إطلاق النار أو حماية المدنيّين. وتشير المصادر المواكبة للمفاوضات إلى أنّ أداء كرم يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط الدبلوماسيّة، نظراً إلى تمسّكه بالموقف اللبنانيّ وإدارته الهادئة للتفاوض في ظروف شديدة التعقيد. إلّا أنّ المشكلة تكمن في غياب القرار السياسيّ لدى إسرائيل التي ذهبت إلى التفاوض كرمى لعيون ترامب فقط.
لا تُخفي تل أبيب التي تتفاوض تحت ضغط أميركيّ عدم رغبتها بالانسحاب، بل تربط أيّ خطوة بحلّ ملفّ السلاح. وبحسب معلومات “أساس” تتحدّث التقديرات الإسرائيليّة عن احتمال بقاء القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان أشهراً إضافيّة، إلى حين فرض وقائع جديدة تتعلّق بالسلاح والبنية العسكريّة لـ”الحزب”. وعليه، تبدو طاولة واشنطن، حتّى الآن، أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلّها.
تقطيع وقت… استعداداً للحرب المقبلة
في الكواليس الدبلوماسيّة، لا يكثر الحديث عن تسويات بقدر ما يكثر عن “شراء الوقت”. ثمّة من يرى أنّ المنطقة كلّها لم تصل بعد إلى لحظة إعادة ترتيب شاملة، وأنّ الملفّات الممتدّة من غزّة إلى لبنان، مروراً بإيران وسوريا، لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.
ضمن هذا السياق، يبدو التنسيق الأميركيّ – الإسرائيليّ أقرب إلى توزيع أدوار. فالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يحتاج، في الداخل الأميركيّ، إلى إظهار مسافة سياسيّة عن حكومة بنيامين نتنياهو في ظلّ الضغوط التي يواجهها قبل الانتخابات النصفيّة، بينما يحتاج نتنياهو إلى استمرار المواجهة الأمنيّة للحفاظ على تماسك ائتلافه وإطالة عمره السياسي. وبالتالي لا إسرائيل تريد الانسحاب، ولا “الحزب” مستعدّ لفتح ملفّ السلاح، ولا المفاوضات قادرة على إنتاج اختراق، فيما تتقدّم الوقائع العسكريّة يوماً بعد يوم.
لذلك تبدو دعوة الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط إلى تعزيز الجبهة الداخليّة وتجهيز مراكز الإيواء أكثر واقعيّة من معظم الخطابات السياسيّة، فهي تنطلق من قراءة تقول إنّ ما يجري ليس نهاية الحرب، بل مرحلة انتقاليّة تسبق جولة جديدة قد لا تبقى محصورة بلبنان وحده.
بحسب معلومات دبلوماسيّة، وصل المسار العسكريّ إلى حالة من الانسداد الكامل، بعدما أخفقت اجتماعات الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ في تحقيق أيّ تقاطع على البنود المطروحة، إلى حدّ رفض الوفد العسكريّ اللبنانيّ التقاط صورة مشتركة مع الوفد الإسرائيليّ.
تضيف المعلومات أنّ قيادة الجيش رفضت الطلبات الإسرائيليّة، انطلاقاً من موقف يعتبر أنّ الانسحاب الإسرائيليّ يجب أن يسبق أيّ ترتيبات أو التزامات لبنانيّة، لا أن يكون نتيجة لها. في ظلّ هذا التعثّر، تتحدّث أروقة واشنطن عن احتمال العودة إلى خيار العقوبات، بما يشبه الحزمة السابقة التي استهدفت ضبّاطاً وعناصر في المؤسّسة العسكريّة. غير أنّ دبلوماسيّين يحذّرون من أنّ مثل هذه الخطوة قد تُضعف ما بقي من تماسك الجيش اللبنانيّ، وتُفقده دور جسر العبور الأساسيّ بين مرحلة الحرب وأيّ تسوية سياسيّة وأمنيّة مقبلة.
هكذا يصبح الجنوب عالقاً بين سويسرا التي تبحث عن مخارج دبلوماسيّة، وواشنطن التي تدير التفاوض، فيما تُرسم الوقائع الفعليّة بالنار فوق تلال عليّ الطاهر. وفي هذا المشهد، لا يبدو السلام قريباً بقدر ما تبدو الحرب مؤجّلة إلى موعد يختاره اللاعبون الإقليميّون لا اللبنانيّون.
الجنوب بين سويسرا وواشنطن: حربٌ مؤجّلة لا سلامٌ مؤجّل

بين سويسرا، حيث تُطرح ورقة الانسحاب الإسرائيليّ في الكواليس الدبلوماسيّة، وواشنطن، حيث تُدار مفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة تبدو عاجزة عن إنتاج أيّ اختراق، يقف جنوب لبنان اليوم ساحة مفتوحة لصراع لم يعد أحد من أطرافه مستعجلاً لإنهائه.
تصريحات وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بأنّ إسرائيل “لن تنسحب على أيّ حال”، وأنّ واشنطن لم تطلب منها ذلك، لم تكن رسالة إعلاميّة وحسب، بل إعلان واضح بأنّ الاحتلال بات جزءاً من استراتيجية إسرائيليّة جديدة لا إجراءً مؤقّتاً مرتبطاً بالحرب الأخيرة.
في المقابل، لا يبدو “الحزب” في وارد تقديم أيّ تنازل في ملفّ السلاح ضمن الظروف الحاليّة. بحسب معلومات “أساس”، يعتبر “الحزب” أنّ معركته الفعليّة بدأت الآن، ولم تنتهِ مع وقف إطلاق النار. ويقول مقرّبون منه إنّه خلال الحرب الأخيرة لم يعتمد سياسة “التمسّك بكلّ شبر من الأرض”، بل أعاد التموضع في نقاط يعتبرها أكثر أهميّة عسكريّاً واستراتيجيّاً، وهو يستعدّ لخوض معارك قاسية إذا قرّرت إسرائيل التقدّم نحوها، وفي مقدَّمها مرتفعات عليّ الطاهر، حيث يوجد أبرز مراكزه العسكريّة في الجنوب.
عليه، لا تبدو الغارات المتكرّرة على عليّ الطاهر، ولا التوغّلات الإسرائيليّة باتّجاه المنطقة، أحداثاً روتينيّة في الحرب، بل بداية اشتباك على ما يعتبره الطرفان إحدى أهمّ العقد العسكريّة في الجنوب، التي يمكن بناء “ستاتيكو” عليها يستمرّ لأشهر مقبلة.
واشنطن تفاوض… وإسرائيل تتقدّم
في هذا المشهد، تبدو المفاوضات الجارية في واشنطن وكأنّها تسير في اتّجاه معاكس تماماً لما يجري على الأرض.
بحسب مصادر دبلوماسيّة مواكبة، يبذل الوفد اللبنانيّ، برئاسة السفير سيمون كرم، جهداً جديّاً لانتزاع أيّ تقدّم، سواء في ملفّ الانسحاب أو تثبيت وقف إطلاق النار أو حماية المدنيّين. وتشير المصادر المواكبة للمفاوضات إلى أنّ أداء كرم يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط الدبلوماسيّة، نظراً إلى تمسّكه بالموقف اللبنانيّ وإدارته الهادئة للتفاوض في ظروف شديدة التعقيد. إلّا أنّ المشكلة تكمن في غياب القرار السياسيّ لدى إسرائيل التي ذهبت إلى التفاوض كرمى لعيون ترامب فقط.
لا تُخفي تل أبيب التي تتفاوض تحت ضغط أميركيّ عدم رغبتها بالانسحاب، بل تربط أيّ خطوة بحلّ ملفّ السلاح. وبحسب معلومات “أساس” تتحدّث التقديرات الإسرائيليّة عن احتمال بقاء القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان أشهراً إضافيّة، إلى حين فرض وقائع جديدة تتعلّق بالسلاح والبنية العسكريّة لـ”الحزب”. وعليه، تبدو طاولة واشنطن، حتّى الآن، أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلّها.
تقطيع وقت… استعداداً للحرب المقبلة
في الكواليس الدبلوماسيّة، لا يكثر الحديث عن تسويات بقدر ما يكثر عن “شراء الوقت”. ثمّة من يرى أنّ المنطقة كلّها لم تصل بعد إلى لحظة إعادة ترتيب شاملة، وأنّ الملفّات الممتدّة من غزّة إلى لبنان، مروراً بإيران وسوريا، لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.
ضمن هذا السياق، يبدو التنسيق الأميركيّ – الإسرائيليّ أقرب إلى توزيع أدوار. فالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يحتاج، في الداخل الأميركيّ، إلى إظهار مسافة سياسيّة عن حكومة بنيامين نتنياهو في ظلّ الضغوط التي يواجهها قبل الانتخابات النصفيّة، بينما يحتاج نتنياهو إلى استمرار المواجهة الأمنيّة للحفاظ على تماسك ائتلافه وإطالة عمره السياسي. وبالتالي لا إسرائيل تريد الانسحاب، ولا “الحزب” مستعدّ لفتح ملفّ السلاح، ولا المفاوضات قادرة على إنتاج اختراق، فيما تتقدّم الوقائع العسكريّة يوماً بعد يوم.
لذلك تبدو دعوة الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط إلى تعزيز الجبهة الداخليّة وتجهيز مراكز الإيواء أكثر واقعيّة من معظم الخطابات السياسيّة، فهي تنطلق من قراءة تقول إنّ ما يجري ليس نهاية الحرب، بل مرحلة انتقاليّة تسبق جولة جديدة قد لا تبقى محصورة بلبنان وحده.
بحسب معلومات دبلوماسيّة، وصل المسار العسكريّ إلى حالة من الانسداد الكامل، بعدما أخفقت اجتماعات الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ في تحقيق أيّ تقاطع على البنود المطروحة، إلى حدّ رفض الوفد العسكريّ اللبنانيّ التقاط صورة مشتركة مع الوفد الإسرائيليّ.
تضيف المعلومات أنّ قيادة الجيش رفضت الطلبات الإسرائيليّة، انطلاقاً من موقف يعتبر أنّ الانسحاب الإسرائيليّ يجب أن يسبق أيّ ترتيبات أو التزامات لبنانيّة، لا أن يكون نتيجة لها. في ظلّ هذا التعثّر، تتحدّث أروقة واشنطن عن احتمال العودة إلى خيار العقوبات، بما يشبه الحزمة السابقة التي استهدفت ضبّاطاً وعناصر في المؤسّسة العسكريّة. غير أنّ دبلوماسيّين يحذّرون من أنّ مثل هذه الخطوة قد تُضعف ما بقي من تماسك الجيش اللبنانيّ، وتُفقده دور جسر العبور الأساسيّ بين مرحلة الحرب وأيّ تسوية سياسيّة وأمنيّة مقبلة.
هكذا يصبح الجنوب عالقاً بين سويسرا التي تبحث عن مخارج دبلوماسيّة، وواشنطن التي تدير التفاوض، فيما تُرسم الوقائع الفعليّة بالنار فوق تلال عليّ الطاهر. وفي هذا المشهد، لا يبدو السلام قريباً بقدر ما تبدو الحرب مؤجّلة إلى موعد يختاره اللاعبون الإقليميّون لا اللبنانيّون.









