مخطّط لاغتيال مفاوضات واشنطن!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
25 حزيران 2026

تهدف إيران إلى إجهاض ديناميّة التفاوض اللبنانية، وإرجاع لبنان والجنوب ليكونا مجرّد بند فرعي على جدول أعمال المفاوضات الإيرانية – الأميركية الكبرى حول الملف النووي والعقوبات. وهذه هي المعركة الحقيقيّة التي سيكون على لبنان أن يخوضها، منعًا لاغتيال قراره المستقلّ.

 

لا يناور رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عندما يقول إنّ طهران مهتمّة بوقف النار في لبنان بمقدار اهتمامها بإنهاء الحرب في إيران نفسها. وهذا الموقف يعبّر بدقة عن ثوابت العقيدة الأمنية والسياسية للجمهورية الإسلامية. فـ”حزب الله” يمثّل في الحسابات الاستراتيجية المجردة “جيشها المتقدم”، والجزء الأقوى من أذرعها الإقليمية، ومن البديهي أن تدافع عنه بمقدار دفاعها عن أمنها القومي المباشر.

منذ العام 1982، ضخّت طهران مئات المليارات من الدولارات لتمويل “الحزب” وتسليحه وتنظيمه وإنشاء بناه التحتية المعقّدة، من مواقع عسكرية وشبكات أنفاق ومصانع صواريخ وتجهيزات تقنيّة متطوّرة. وهذا الاستثمار الهائل نقل إيران استراتيجيًّا لتصبح على تماس مباشر مع حدود إسرائيل، وجعل لها قاعدة على شاطئ المتوسط، مطلّة على أوروبا الغربية.

لذلك، لن تتخلّى طهران تحت أي ظرف عن هذه الورقة الوجودية، وهي تريد أن يبقى “الحزب” قويًّا وممسكًا بسلاحه، بل إنّها مستعدة لتفجير الوضع اللبناني والشرق أوسطي برمّته إذا ما قرّر أي طرف داخلي أو خارجي نزع هذا السلاح بالقوة أو بالدبلوماسية. وفي تجربة اتفاق تشرين الثاني 2024، اضطر “حزب الله” إلى قبول وقف للنار مختل التوازن لمصلحة إسرائيل ويقضي بتسليم السلاح للدولة. ولكن، في لحظة التنفيذ، تملّص “الحزب” من كل هذه المندرجات، وأعاد ترداد الذريعة القديمة: السلاح مربوط بـ”الحوار الوطني والاستراتيجيّة الدفاعية”. وحتى في جنوب الليطاني، هو لم يسلّم إلى الجيش سوى مواقع هامشية. وقد جاءت الأحداث اللاحقة لتكشف أن ترسانته وأنفاقه بقيت هناك كامنة فوق الأرض وتحتها.

في حسابات طهران، الأكلاف البشرية والمادية الهائلة التي تكبّدها أبناء الجنوب اللبناني ليست أولوية في ذاتها، والهاجس الأساسي يتركّز حول حماية بنية الحزب العسكرية ومنع انكسارها. ومن هنا، تنظر إيران إلى وقف النار أو الانسحاب الإسرائيلي، لا كحاجة لإنقاذ لبنان وجنوبه وأهله، بل كحاجة لتمكين حليفها من التقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته التي تضررت جدياً في الحرب.

ولتحقيق هذا الهدف، وجدت طهران أن السبيل الأفضل هو إحداث خرق مباشر في عمق الملف اللبناني، من خلال خط التفاوض الإقليمي وتفاهمات سويسرا مع واشنطن. فمن هذا الباب، هي تخطّط لدخول الجنوب كجزءٍ لا يتجزّأ من “ميكانيزم الرقابة” ولجنة الإشراف المقترحة لمتابعة وقف النار. ونجاح طهران في حجز مقعد لها داخل هذا “الميكانيزم” يعني تشريع وجودها السياسي والميداني في الجنوب، ما يُتيح لها الإشراف المباشر على حماية حليفها وترقيع الغطاء الذي مزقته حروب السنوات الأخيرة.

هذه الهندسة الإيرانية تصطدم مباشرة بواقع أنّ إسرائيل لها أيضًا حساباتها، وأن حاليًّا باتت تسيطر على غالبيّة الجنوب، بالتموضع أو بالنّار. وكذلك تصطدم بالدولة اللبنانية التي نهضت فعلًا لأول مرة، وقررت أن تقود المبادرة بنفسها للإنقاذ، من خلال مسار تفاوضي لبناني مستقل، في واشنطن، وبوساطة أميركية مباشرة.

وهنا يكمن الهاجس الإيراني الأكبر: الخشية من نجاح المسار اللبناني في إنتاج ترتيبات أمنية تضمن سيادة الدولة على قرارها وأرضها من خلال جيشها، ما يسحب البساط من تحت أقدام طهران. ولذلك، هي تسعى إلى إحباط هذا الاحتمال. وتقتضي استراتيجية طهران شن هجوم صاعق على الدولة اللبنانية، وممارسة أقصى درجات الضغط عليها، بالتشكيك والتخوين، وتصوير المفاوض اللبناني في واشنطن بمظهر العاجز أو المستسلم للشروط الأميركية والإسرائيلية.

وتهدف إيران إلى إجهاض ديناميّة التفاوض اللبنانية، وإرجاع لبنان والجنوب ليكونا مجرّد بند فرعي على جدول أعمال المفاوضات الإيرانية – الأميركية الكبرى حول الملف النووي والعقوبات. وهذه هي المعركة الحقيقية التي سيكون على لبنان أن يخوضها، منعًا لاغتيال قراره المستقل. وفي الدرجة الأولى، سيكون حيويًّا التزام الولايات المتحدة دعم قرار الدولة، وعدم الانزلاق إلى الصفقات التي جرى فيها تسليم لبنان أو “تلزيمه” للقوى الإقليمية. والتطمينات التي سارع جي دي فانس وماركو روبيو إلى تقديمها، في اتصالهما المشترك بالرئيس جوزاف عون، يفترض أن تكون حقيقيّةً وعميقةً لا من نوع المجاملات أو المناورات الدبلوماسية.

مخطّط لاغتيال مفاوضات واشنطن!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
25 حزيران 2026

تهدف إيران إلى إجهاض ديناميّة التفاوض اللبنانية، وإرجاع لبنان والجنوب ليكونا مجرّد بند فرعي على جدول أعمال المفاوضات الإيرانية – الأميركية الكبرى حول الملف النووي والعقوبات. وهذه هي المعركة الحقيقيّة التي سيكون على لبنان أن يخوضها، منعًا لاغتيال قراره المستقلّ.

 

لا يناور رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عندما يقول إنّ طهران مهتمّة بوقف النار في لبنان بمقدار اهتمامها بإنهاء الحرب في إيران نفسها. وهذا الموقف يعبّر بدقة عن ثوابت العقيدة الأمنية والسياسية للجمهورية الإسلامية. فـ”حزب الله” يمثّل في الحسابات الاستراتيجية المجردة “جيشها المتقدم”، والجزء الأقوى من أذرعها الإقليمية، ومن البديهي أن تدافع عنه بمقدار دفاعها عن أمنها القومي المباشر.

منذ العام 1982، ضخّت طهران مئات المليارات من الدولارات لتمويل “الحزب” وتسليحه وتنظيمه وإنشاء بناه التحتية المعقّدة، من مواقع عسكرية وشبكات أنفاق ومصانع صواريخ وتجهيزات تقنيّة متطوّرة. وهذا الاستثمار الهائل نقل إيران استراتيجيًّا لتصبح على تماس مباشر مع حدود إسرائيل، وجعل لها قاعدة على شاطئ المتوسط، مطلّة على أوروبا الغربية.

لذلك، لن تتخلّى طهران تحت أي ظرف عن هذه الورقة الوجودية، وهي تريد أن يبقى “الحزب” قويًّا وممسكًا بسلاحه، بل إنّها مستعدة لتفجير الوضع اللبناني والشرق أوسطي برمّته إذا ما قرّر أي طرف داخلي أو خارجي نزع هذا السلاح بالقوة أو بالدبلوماسية. وفي تجربة اتفاق تشرين الثاني 2024، اضطر “حزب الله” إلى قبول وقف للنار مختل التوازن لمصلحة إسرائيل ويقضي بتسليم السلاح للدولة. ولكن، في لحظة التنفيذ، تملّص “الحزب” من كل هذه المندرجات، وأعاد ترداد الذريعة القديمة: السلاح مربوط بـ”الحوار الوطني والاستراتيجيّة الدفاعية”. وحتى في جنوب الليطاني، هو لم يسلّم إلى الجيش سوى مواقع هامشية. وقد جاءت الأحداث اللاحقة لتكشف أن ترسانته وأنفاقه بقيت هناك كامنة فوق الأرض وتحتها.

في حسابات طهران، الأكلاف البشرية والمادية الهائلة التي تكبّدها أبناء الجنوب اللبناني ليست أولوية في ذاتها، والهاجس الأساسي يتركّز حول حماية بنية الحزب العسكرية ومنع انكسارها. ومن هنا، تنظر إيران إلى وقف النار أو الانسحاب الإسرائيلي، لا كحاجة لإنقاذ لبنان وجنوبه وأهله، بل كحاجة لتمكين حليفها من التقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته التي تضررت جدياً في الحرب.

ولتحقيق هذا الهدف، وجدت طهران أن السبيل الأفضل هو إحداث خرق مباشر في عمق الملف اللبناني، من خلال خط التفاوض الإقليمي وتفاهمات سويسرا مع واشنطن. فمن هذا الباب، هي تخطّط لدخول الجنوب كجزءٍ لا يتجزّأ من “ميكانيزم الرقابة” ولجنة الإشراف المقترحة لمتابعة وقف النار. ونجاح طهران في حجز مقعد لها داخل هذا “الميكانيزم” يعني تشريع وجودها السياسي والميداني في الجنوب، ما يُتيح لها الإشراف المباشر على حماية حليفها وترقيع الغطاء الذي مزقته حروب السنوات الأخيرة.

هذه الهندسة الإيرانية تصطدم مباشرة بواقع أنّ إسرائيل لها أيضًا حساباتها، وأن حاليًّا باتت تسيطر على غالبيّة الجنوب، بالتموضع أو بالنّار. وكذلك تصطدم بالدولة اللبنانية التي نهضت فعلًا لأول مرة، وقررت أن تقود المبادرة بنفسها للإنقاذ، من خلال مسار تفاوضي لبناني مستقل، في واشنطن، وبوساطة أميركية مباشرة.

وهنا يكمن الهاجس الإيراني الأكبر: الخشية من نجاح المسار اللبناني في إنتاج ترتيبات أمنية تضمن سيادة الدولة على قرارها وأرضها من خلال جيشها، ما يسحب البساط من تحت أقدام طهران. ولذلك، هي تسعى إلى إحباط هذا الاحتمال. وتقتضي استراتيجية طهران شن هجوم صاعق على الدولة اللبنانية، وممارسة أقصى درجات الضغط عليها، بالتشكيك والتخوين، وتصوير المفاوض اللبناني في واشنطن بمظهر العاجز أو المستسلم للشروط الأميركية والإسرائيلية.

وتهدف إيران إلى إجهاض ديناميّة التفاوض اللبنانية، وإرجاع لبنان والجنوب ليكونا مجرّد بند فرعي على جدول أعمال المفاوضات الإيرانية – الأميركية الكبرى حول الملف النووي والعقوبات. وهذه هي المعركة الحقيقية التي سيكون على لبنان أن يخوضها، منعًا لاغتيال قراره المستقل. وفي الدرجة الأولى، سيكون حيويًّا التزام الولايات المتحدة دعم قرار الدولة، وعدم الانزلاق إلى الصفقات التي جرى فيها تسليم لبنان أو “تلزيمه” للقوى الإقليمية. والتطمينات التي سارع جي دي فانس وماركو روبيو إلى تقديمها، في اتصالهما المشترك بالرئيس جوزاف عون، يفترض أن تكون حقيقيّةً وعميقةً لا من نوع المجاملات أو المناورات الدبلوماسية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار