واشنطن: بالتفاوض فقط لا تخسرون

الكاتب: طوني بولس | المصدر: هنا لبنان
7 أيار 2026

على المقتنعين بمنطق الدولة أن يرفعوا اليوم أصواتهم ويعلنوا دعمها في التفاوض، لأنّ المستفيد الأول من نجاح الهدنة وانطلاق التفاوض الآن هو لبنان ووحدة أراضيه وسكانه. وأمّا الرفض اللبناني اليوم فهو رفض ساذج يتجاهل حقيقة أنّ “الخط الأصفر” لا ينتظر البيانات السياسية، بل يتحرّك إلى الأمام.

 

من المؤكد أن إسرائيل ليست متضرّرةً من الوضع الحالي في الجنوب؛ فهو يتيح لها أن تواصل عملياتها العسكرية المقرّرة، وأن تتقدّم حيث تشاء. وآخر نماذج هذا التقدّم حصل في الساعات الأخيرة، في قرى صور. وبناءً على هذه الرؤية، يمكن تقدير قيمة الإلحاح الأميركي على لبنان لإطلاق تفاوض مع إسرائيل يوقف التطوّر العسكري جنوبًا. ويبدو مثيرًا أن يكون لبنان متردّدًا في دخول المفاوضات، وكأنّه هو في موقع القوي. ولكن، في الواقع، إسرائيل نفسها لا تستعجل التفاوض، بل تترك للبنان أن يفعل، وفي أي حال، هي تُطلق العنان لماكينتها العسكرية كي تتصرّف في الجنوب. ففي أي حال، هي تحسم الأمور هناك وفق ما تريد، بل إنّها تهدّد باستئناف الحرب الشاملة التي تسمح لها دائمًا بتكريس الوقائع الجديدة:

– الجولة الأولى من الحرب، في العام 2023 انتهت بالتمسّك بـ 5 نقاط أو 8 وصارت 25 لاحقًا.
– الجولة الثانية، الأخيرة، انتهت بالخط الأصفر والسيطرة على أكثر من 60 قريةً وبلدةً، ونسف وجرف قسم كبير منها.

هذا يعني تلقائيًّا أنّ الجولة الثالثة إذا حصلت ستسمح لإسرائيل بالتمدّد أكثر خارج “الخط الأصفر”. والتهديدات الأخيرة التي أطلقها مسؤولو الأمن أشارت بوضوح إلى أنّ إسرائيل تريد خلق منطقة سيطرة جديدة تحمي الخط الأصفر، وهي ربما تلامس الزهراني في بعض الأماكن. وثمّة تركيز إسرائيلي في الأيام الأخيرة على ضرب مناطق محدّدة في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون، وبقوة، وهذا ربما يكون تمهيدًا لهذه السيطرة لاحقًا.

من هنا، يمكن الحديث عن “فخّ الرّفض” للمفاوضات الذي يقع فيه لبنان. ففي الواقع، إنّ التفاوض هو مصلحة لبنان الحقيقية، فيما الحرب هي تصبّ في مصلحة إسرائيل حتمًا. وهذا ما يشرحه الأميركيّون للبنان. ويضغط البيت الأبيض لانتزاع “نعم” لبنانية على انطلاق مفاوضات جدّية مباشرة قبل منتصف أيار، لأنّ التفاوض في هذه اللحظة هو “طوق نجاة” أميركي لمنع انهيار لبنان، ولأنّ كل يوم يمرّ من دون تفاوض هو فرصة إضافية لإسرائيل كي تنفّذ بالنار ما لا تحقّقه حكومة لبنان بقوتها الذّاتية، أي إنهاء ما تبقّى من بنية “حزب الله” وإقامة الحزام الأمني بالاتساع الذي تراه مناسبًا. وفي الواقع، إنّ إسرائيل لا تخسر من تأخير التفاوض، بل تزيد من أوراق قوّتها، ما يعني أنّ أيّ اتفاق مستقبلي مع لبنان سيبدأ من نقطة جغرافية أعمق بكثير ممّا كانت عليه في 2023.

ولذلك، الأفضل للبنان أن يتعاطى مع بيان السفارة الأميركية وكلام السفير ميشال عيسى حول “انتهاء زمن التردّد” باعتباره تحذيرًا أخيرًا. وعندما يتحدّث الأميركيّون عن “ضماناتٍ سياديةٍ”، فإنّهم يعرضون تثبيت ما تبقّى من حدود الدولة قبل أن تبتلعها الحرب المفروضة. والرّفض اللبناني هنا لا يعطّل القرار الإسرائيلي، بل يحرّره من الضغوط الأميركية. وهذا غباء لبناني مطلق.

ويكشف شريط الأحداث منذ بداية النزاع عن نمطٍ متكرّرٍ من “التعطيل الاستراتيجي” الذي يُمارسه حزب الله. فكلّما رُفعت وتيرة المماطلة في تسليم السلاح للدولة أو الالتزام بوقف إطلاق النار، زادت مساحة الأرض الواقعة تحت سيطرة إسرائيل وارتفع عدد الضحايا. والرّفض الحالي للمفاوضات ليس فعل “صمود” كما يفسّره الرّافضون بغباء، بل هو تآكل مستمر للموقف اللبناني. وسيأتي التفاوض حتمًا، ذات يوم، لكن الفارق الجوهري هو أنّ لبنان سيجلس حينها على الطاولة بجغرافيا ممزّقة، وقدرات منهارة، وسيادة اسمية، بعدما خسر آخر أوراق القوة.

وهذا يُحتّم على المقتنعين بمنطق الدولة أن يرفعوا اليوم أصواتهم ويعلنوا دعمها في التفاوض، لأنّ المستفيد الأول من نجاح الهدنة وانطلاق التفاوض الآن هو لبنان ووحدة أراضيه وسكانه. وأمّا الرفض اللبناني اليوم فهو رفض ساذج يتجاهل حقيقة أنّ “الخط الأصفر” لا ينتظر البيانات السياسية، بل يتحرّك إلى الأمام، وكلّ متر يتقدّمه، ستضطرّ الدولة إلى تقديم المزيد من الجهود والتضحيات لاسترداده على طاولة المفاوضات التي ستنعقد عاجلًا أو آجلًا. فعلًا، “زمن التردّد انتهى”.

واشنطن: بالتفاوض فقط لا تخسرون

الكاتب: طوني بولس | المصدر: هنا لبنان
7 أيار 2026

على المقتنعين بمنطق الدولة أن يرفعوا اليوم أصواتهم ويعلنوا دعمها في التفاوض، لأنّ المستفيد الأول من نجاح الهدنة وانطلاق التفاوض الآن هو لبنان ووحدة أراضيه وسكانه. وأمّا الرفض اللبناني اليوم فهو رفض ساذج يتجاهل حقيقة أنّ “الخط الأصفر” لا ينتظر البيانات السياسية، بل يتحرّك إلى الأمام.

 

من المؤكد أن إسرائيل ليست متضرّرةً من الوضع الحالي في الجنوب؛ فهو يتيح لها أن تواصل عملياتها العسكرية المقرّرة، وأن تتقدّم حيث تشاء. وآخر نماذج هذا التقدّم حصل في الساعات الأخيرة، في قرى صور. وبناءً على هذه الرؤية، يمكن تقدير قيمة الإلحاح الأميركي على لبنان لإطلاق تفاوض مع إسرائيل يوقف التطوّر العسكري جنوبًا. ويبدو مثيرًا أن يكون لبنان متردّدًا في دخول المفاوضات، وكأنّه هو في موقع القوي. ولكن، في الواقع، إسرائيل نفسها لا تستعجل التفاوض، بل تترك للبنان أن يفعل، وفي أي حال، هي تُطلق العنان لماكينتها العسكرية كي تتصرّف في الجنوب. ففي أي حال، هي تحسم الأمور هناك وفق ما تريد، بل إنّها تهدّد باستئناف الحرب الشاملة التي تسمح لها دائمًا بتكريس الوقائع الجديدة:

– الجولة الأولى من الحرب، في العام 2023 انتهت بالتمسّك بـ 5 نقاط أو 8 وصارت 25 لاحقًا.
– الجولة الثانية، الأخيرة، انتهت بالخط الأصفر والسيطرة على أكثر من 60 قريةً وبلدةً، ونسف وجرف قسم كبير منها.

هذا يعني تلقائيًّا أنّ الجولة الثالثة إذا حصلت ستسمح لإسرائيل بالتمدّد أكثر خارج “الخط الأصفر”. والتهديدات الأخيرة التي أطلقها مسؤولو الأمن أشارت بوضوح إلى أنّ إسرائيل تريد خلق منطقة سيطرة جديدة تحمي الخط الأصفر، وهي ربما تلامس الزهراني في بعض الأماكن. وثمّة تركيز إسرائيلي في الأيام الأخيرة على ضرب مناطق محدّدة في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون، وبقوة، وهذا ربما يكون تمهيدًا لهذه السيطرة لاحقًا.

من هنا، يمكن الحديث عن “فخّ الرّفض” للمفاوضات الذي يقع فيه لبنان. ففي الواقع، إنّ التفاوض هو مصلحة لبنان الحقيقية، فيما الحرب هي تصبّ في مصلحة إسرائيل حتمًا. وهذا ما يشرحه الأميركيّون للبنان. ويضغط البيت الأبيض لانتزاع “نعم” لبنانية على انطلاق مفاوضات جدّية مباشرة قبل منتصف أيار، لأنّ التفاوض في هذه اللحظة هو “طوق نجاة” أميركي لمنع انهيار لبنان، ولأنّ كل يوم يمرّ من دون تفاوض هو فرصة إضافية لإسرائيل كي تنفّذ بالنار ما لا تحقّقه حكومة لبنان بقوتها الذّاتية، أي إنهاء ما تبقّى من بنية “حزب الله” وإقامة الحزام الأمني بالاتساع الذي تراه مناسبًا. وفي الواقع، إنّ إسرائيل لا تخسر من تأخير التفاوض، بل تزيد من أوراق قوّتها، ما يعني أنّ أيّ اتفاق مستقبلي مع لبنان سيبدأ من نقطة جغرافية أعمق بكثير ممّا كانت عليه في 2023.

ولذلك، الأفضل للبنان أن يتعاطى مع بيان السفارة الأميركية وكلام السفير ميشال عيسى حول “انتهاء زمن التردّد” باعتباره تحذيرًا أخيرًا. وعندما يتحدّث الأميركيّون عن “ضماناتٍ سياديةٍ”، فإنّهم يعرضون تثبيت ما تبقّى من حدود الدولة قبل أن تبتلعها الحرب المفروضة. والرّفض اللبناني هنا لا يعطّل القرار الإسرائيلي، بل يحرّره من الضغوط الأميركية. وهذا غباء لبناني مطلق.

ويكشف شريط الأحداث منذ بداية النزاع عن نمطٍ متكرّرٍ من “التعطيل الاستراتيجي” الذي يُمارسه حزب الله. فكلّما رُفعت وتيرة المماطلة في تسليم السلاح للدولة أو الالتزام بوقف إطلاق النار، زادت مساحة الأرض الواقعة تحت سيطرة إسرائيل وارتفع عدد الضحايا. والرّفض الحالي للمفاوضات ليس فعل “صمود” كما يفسّره الرّافضون بغباء، بل هو تآكل مستمر للموقف اللبناني. وسيأتي التفاوض حتمًا، ذات يوم، لكن الفارق الجوهري هو أنّ لبنان سيجلس حينها على الطاولة بجغرافيا ممزّقة، وقدرات منهارة، وسيادة اسمية، بعدما خسر آخر أوراق القوة.

وهذا يُحتّم على المقتنعين بمنطق الدولة أن يرفعوا اليوم أصواتهم ويعلنوا دعمها في التفاوض، لأنّ المستفيد الأول من نجاح الهدنة وانطلاق التفاوض الآن هو لبنان ووحدة أراضيه وسكانه. وأمّا الرفض اللبناني اليوم فهو رفض ساذج يتجاهل حقيقة أنّ “الخط الأصفر” لا ينتظر البيانات السياسية، بل يتحرّك إلى الأمام، وكلّ متر يتقدّمه، ستضطرّ الدولة إلى تقديم المزيد من الجهود والتضحيات لاسترداده على طاولة المفاوضات التي ستنعقد عاجلًا أو آجلًا. فعلًا، “زمن التردّد انتهى”.

مزيد من الأخبار