عقوبات واشنطن… لبنان على خط الزلزال الإقليمي

الكاتب: جو رحاّل | المصدر: نداء الوطن
23 أيار 2026

لم تعد العقوبات الأميركية على شخصيات ومسؤولين لبنانيين مجرّد أداة مالية للضغط على “حزب الله”، بل تحوّلت إلى جزء من معركة إقليمية مفتوحة لإعادة رسم توازنات لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. فالعقوبات الأخيرة التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية لا يمكن قراءتها كإجراء تقني معزول، بل كرسالة استراتيجية مباشرة تقول إن واشنطن قررت الانتقال من سياسة احتواء نفوذ “الحزب” إلى سياسة محاصرة البيئة السياسية والإدارية والأمنية التي تؤمّن له الغطاء داخل الدولة اللبنانية.

اللافت في هذه العقوبات أنّها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد الاتصالات الدولية المتعلقة بترتيبات الجنوب اللبناني، والبحث في مستقبل القرار 1701، ومحاولات تثبيت وقف التصعيد بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع إعادة خلط الأوراق في المنطقة بعد الحرب الأخيرة. لذلك، فإنّ الرسالة الأميركية تتجاوز الداخل اللبناني نحو طهران نفسها، باعتبار أن الساحة اللبنانية تبقى إحدى أبرز أوراق النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

الإدارة الأميركية وضعت تسعة أشخاص على لوائح العقوبات، بينهم نواب ومسؤولون أمنيون وعسكريون وشخصيات مرتبطة بشبكات تمويل ودعم لوجستي لـ “حزب الله” وحركة “أمل”، إضافة إلى السفير الإيراني المعيّن في بيروت محمد رضا شيباني. واشنطن اتهمت هؤلاء بالمساهمة في تعزيز نفوذ “الحزب” داخل مؤسسات الدولة وعرقلة الجهود المرتبطة بالاستقرار الإقليمي، في خطوة تعكس تحوّلا نوعيًا في المقاربة الأميركية تجاه لبنان.

الأخطر في المشهد ليس فقط طبيعة الأسماء المستهدفة، بل طبيعة المرحلة التي تدخلها البلاد. فالإدارة الأميركية تبدو مقتنعة بأن أي تسوية مقبلة في المنطقة لن تكون قابلة للحياة ما لم يُعَد تنظيم المشهد اللبناني على قاعدة تقليص نفوذ السلاح خارج الدولة. ومن هنا، تتحول العقوبات إلى أداة سياسية موازية للمفاوضات الإقليمية، وإلى جزء من عملية ضغط تدريجية تهدف إلى فرض وقائع جديدة داخل لبنان، سياسيًا وماليًا وأمنيًا.

في العمق، تدرك واشنطن أنّ الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة فساد أو انهيار اقتصادي فقط، بل أزمة موقع استراتيجي وهوية سياسية. ولذلك، فإنّ الضغوط الحالية تتجاوز استهداف أفراد إلى محاولة إعادة توجيه مسار الدولة اللبنانية بالكامل، عبر ربط أي دعم اقتصادي أو استثماري أو مالي بمسار سيادي واضح، يبدأ بضبط الحدود وقرار الحرب والسلم، ولا ينتهي بإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن نفوذ المحاور الإقليمية.

هذا التحول يفسّر أيضًا تصاعد القلق داخل الأوساط الاقتصادية والمالية اللبنانية. فالعقوبات الأميركية، حتى عندما تكون محددة بأسماء معيّنة، تترك أثرًا واسعًا على المناخ المالي والاستثماري ككل. المصارف اللبنانية تدرك حساسية المرحلة، كما أن المصارف المراسلة الدولية ستصبح أكثر تشددًا في مراقبة أي حركة مالية مرتبطة بلبنان، ما يرفع منسوب المخاطر على الاقتصاد الوطني ويزيد تعقيدات إعادة جذب الاستثمارات الخليجية والدولية، خصوصًا في ظل ربط المجتمع الدولي أي خطة إنقاذ أو إعادة إعمار بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة.

وفي موازاة الضغط الأميركي، لا يمكن فصل ما يجري عن الحسابات الإسرائيلية. فـ “تل أبيب” تضغط منذ أشهر باتجاه تشديد الخناق المالي والسياسي على “الحزب”، معتبرة أن أي تهدئة طويلة الأمد في الجنوب يجب أن تترافق مع إضعاف البنية المالية والسياسية التي تسمح له بالحفاظ على نفوذه العسكري. ومن هنا، تبدو العقوبات جزءًا من مسار أوسع يتداخل فيه الأمني بالمالي، والدبلوماسي بالعسكري، ضمن محاولة لإعادة إنتاج معادلة ردع جديدة في لبنان والمنطقة.

في المقابل، يرفض “حزب الله” هذه المقاربة بالكامل، ويعتبر أن واشنطن تستخدم الاقتصاد والعقوبات كسلاح سياسي بعد عجزها عن فرض تغييرات ميدانية مباشرة. “الحزب” يرى أنّ المطلوب أميركيًا ليس فقط الحد من نفوذه، بل إعادة إدخال لبنان بالكامل في المدار الغربي ـ الخليجي، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

لكن، وسط هذا الاشتباك الإقليمي الكبير، تبدو الدولة اللبنانية أمام أخطر اختبار منذ سنوات: كيف يمكن حماية الاستقرار الداخلي ومنع الانهيار المالي الكامل، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو خسارة الغطاء العربي والدولي؟ وكيف يستطيع لبنان الحفاظ على توازنه وسط صراع مفتوح بين واشنطن وطهران، يُخاض جزء أساسي منه على أرضه؟

ما يجري اليوم يتجاوز ملف العقوبات بحد ذاته. لبنان يدخل تدريجيًا مرحلة إعادة رسم موقعه في الشرق الأوسط الجديد، بين محور يسعى إلى تثبيت الدولة ومؤسساتها ضمن النظام العربي والدولي، ومحور آخر يعتبر أنّ قوة لبنان تكمن في بقائه جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي المفتوح. وبين المشروعين، يقف البلد على حافة مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم تعد العقوبات مجرد ضغط مالي… بل تحوّلت إلى جزء من معركة كبرى على هوية لبنان ودوره ومستقبله السياسي.

عقوبات واشنطن… لبنان على خط الزلزال الإقليمي

الكاتب: جو رحاّل | المصدر: نداء الوطن
23 أيار 2026

لم تعد العقوبات الأميركية على شخصيات ومسؤولين لبنانيين مجرّد أداة مالية للضغط على “حزب الله”، بل تحوّلت إلى جزء من معركة إقليمية مفتوحة لإعادة رسم توازنات لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. فالعقوبات الأخيرة التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية لا يمكن قراءتها كإجراء تقني معزول، بل كرسالة استراتيجية مباشرة تقول إن واشنطن قررت الانتقال من سياسة احتواء نفوذ “الحزب” إلى سياسة محاصرة البيئة السياسية والإدارية والأمنية التي تؤمّن له الغطاء داخل الدولة اللبنانية.

اللافت في هذه العقوبات أنّها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد الاتصالات الدولية المتعلقة بترتيبات الجنوب اللبناني، والبحث في مستقبل القرار 1701، ومحاولات تثبيت وقف التصعيد بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع إعادة خلط الأوراق في المنطقة بعد الحرب الأخيرة. لذلك، فإنّ الرسالة الأميركية تتجاوز الداخل اللبناني نحو طهران نفسها، باعتبار أن الساحة اللبنانية تبقى إحدى أبرز أوراق النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

الإدارة الأميركية وضعت تسعة أشخاص على لوائح العقوبات، بينهم نواب ومسؤولون أمنيون وعسكريون وشخصيات مرتبطة بشبكات تمويل ودعم لوجستي لـ “حزب الله” وحركة “أمل”، إضافة إلى السفير الإيراني المعيّن في بيروت محمد رضا شيباني. واشنطن اتهمت هؤلاء بالمساهمة في تعزيز نفوذ “الحزب” داخل مؤسسات الدولة وعرقلة الجهود المرتبطة بالاستقرار الإقليمي، في خطوة تعكس تحوّلا نوعيًا في المقاربة الأميركية تجاه لبنان.

الأخطر في المشهد ليس فقط طبيعة الأسماء المستهدفة، بل طبيعة المرحلة التي تدخلها البلاد. فالإدارة الأميركية تبدو مقتنعة بأن أي تسوية مقبلة في المنطقة لن تكون قابلة للحياة ما لم يُعَد تنظيم المشهد اللبناني على قاعدة تقليص نفوذ السلاح خارج الدولة. ومن هنا، تتحول العقوبات إلى أداة سياسية موازية للمفاوضات الإقليمية، وإلى جزء من عملية ضغط تدريجية تهدف إلى فرض وقائع جديدة داخل لبنان، سياسيًا وماليًا وأمنيًا.

في العمق، تدرك واشنطن أنّ الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة فساد أو انهيار اقتصادي فقط، بل أزمة موقع استراتيجي وهوية سياسية. ولذلك، فإنّ الضغوط الحالية تتجاوز استهداف أفراد إلى محاولة إعادة توجيه مسار الدولة اللبنانية بالكامل، عبر ربط أي دعم اقتصادي أو استثماري أو مالي بمسار سيادي واضح، يبدأ بضبط الحدود وقرار الحرب والسلم، ولا ينتهي بإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن نفوذ المحاور الإقليمية.

هذا التحول يفسّر أيضًا تصاعد القلق داخل الأوساط الاقتصادية والمالية اللبنانية. فالعقوبات الأميركية، حتى عندما تكون محددة بأسماء معيّنة، تترك أثرًا واسعًا على المناخ المالي والاستثماري ككل. المصارف اللبنانية تدرك حساسية المرحلة، كما أن المصارف المراسلة الدولية ستصبح أكثر تشددًا في مراقبة أي حركة مالية مرتبطة بلبنان، ما يرفع منسوب المخاطر على الاقتصاد الوطني ويزيد تعقيدات إعادة جذب الاستثمارات الخليجية والدولية، خصوصًا في ظل ربط المجتمع الدولي أي خطة إنقاذ أو إعادة إعمار بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة.

وفي موازاة الضغط الأميركي، لا يمكن فصل ما يجري عن الحسابات الإسرائيلية. فـ “تل أبيب” تضغط منذ أشهر باتجاه تشديد الخناق المالي والسياسي على “الحزب”، معتبرة أن أي تهدئة طويلة الأمد في الجنوب يجب أن تترافق مع إضعاف البنية المالية والسياسية التي تسمح له بالحفاظ على نفوذه العسكري. ومن هنا، تبدو العقوبات جزءًا من مسار أوسع يتداخل فيه الأمني بالمالي، والدبلوماسي بالعسكري، ضمن محاولة لإعادة إنتاج معادلة ردع جديدة في لبنان والمنطقة.

في المقابل، يرفض “حزب الله” هذه المقاربة بالكامل، ويعتبر أن واشنطن تستخدم الاقتصاد والعقوبات كسلاح سياسي بعد عجزها عن فرض تغييرات ميدانية مباشرة. “الحزب” يرى أنّ المطلوب أميركيًا ليس فقط الحد من نفوذه، بل إعادة إدخال لبنان بالكامل في المدار الغربي ـ الخليجي، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

لكن، وسط هذا الاشتباك الإقليمي الكبير، تبدو الدولة اللبنانية أمام أخطر اختبار منذ سنوات: كيف يمكن حماية الاستقرار الداخلي ومنع الانهيار المالي الكامل، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو خسارة الغطاء العربي والدولي؟ وكيف يستطيع لبنان الحفاظ على توازنه وسط صراع مفتوح بين واشنطن وطهران، يُخاض جزء أساسي منه على أرضه؟

ما يجري اليوم يتجاوز ملف العقوبات بحد ذاته. لبنان يدخل تدريجيًا مرحلة إعادة رسم موقعه في الشرق الأوسط الجديد، بين محور يسعى إلى تثبيت الدولة ومؤسساتها ضمن النظام العربي والدولي، ومحور آخر يعتبر أنّ قوة لبنان تكمن في بقائه جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي المفتوح. وبين المشروعين، يقف البلد على حافة مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم تعد العقوبات مجرد ضغط مالي… بل تحوّلت إلى جزء من معركة كبرى على هوية لبنان ودوره ومستقبله السياسي.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار