من تعقيدات الإقليم إلى بساطة السؤال اللبناني… أين مصلحتنا من كل هذه الحروب؟

الكاتب: خضر نجدي | المصدر: نداء الوطن
23 آب 2026

عادةً ما تواجه الأفكار التي أعرضها في الجلسات مع الأصدقاء بسؤال ينتقد في بعض الأحيان، حدة الطرح الذي أقدمه، وكأنه يستبطن قدراً من اليقين لا ينسجم مع ما يفترض أن يكون عليه التفكير العلمي. وهذا النقد يدفعني دائماً إلى مراجعة ما أقول، لأنني، في الأصل، من أكثر الذين يتحفظون على اليقينية، باعتبارها نقيضاً للفهم العلمي الذي يقوم على المعرفة المسندة، وعلى فرضيات نقترب من تحديدها من خلال البحث والمقارنة والتحليل، وصولاً إلى معرفة منطقية ونسبية تحتمل الاختلاف، شرط أن يستند الاختلاف نفسه إلى معارف وأساليب تحقق يمكن مناقشتها ومقارنتها.

لكن المشكلة تبدأ، في رأيي، عندما يصبح رفض اليقينية سبباً لرفض إمكانية الوصول إلى تفسير واضح. فليس كل ما هو معقد عصياً على الفهم، وليس كل محاولة لتبسيط الواقع اختزالاً له.خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضايا الحياتية التي نعيشها اليوم، والتي تحكم تفاصيلها الحرب المستمرة وما يرتبط بها من أبعاد إقليمية ودولية. كثيراً ما ينظر إلى هذه الحرب وكأنها طلاسم لا يمكن تفكيكها إلا باستحضار شبكة هائلة من العوامل: الدور الصيني، والأزمة الأميركية الداخلية، والمصالح الأوروبية، والأدوار التركية والروسية والباكستانية، والتدخلات الخليجية، والدور السعودي، والدور الايراني ، وسواها من المصالح والتقاطعات التي تجعل المشهد يبدو وكأنه مؤامرة كونية مكتملة العناصر.

لا شك أن لكل هذه العوامل أهميتها، ولا يمكن تجاهلها في أي تحليل جدي. فالدول لا تتحرك بدافع العواطف، بل وفق مصالحها، وقد تتقاطع مصالحها أو تتعارض، وتتغير تحالفاتها تبعاً للظروف وموازين القوى. لكن المشكلة تبدأ عندما نستخدم كل هذا التعقيد الخارجي لإلغاء السؤال الأهم: ماذا نريد نحن؟

وهنا تحديداً أختلف مع من يعتبر أن محاولة فهم واقعنا من خلال عناصره المباشرة هي نوع من التبسيط المخل. فلماذا علينا، قبل أن نحدد مصالحنا، أن نعرف كيف تتحرك كل هذه الدول؟ ولماذا ينبغي لنا أن نفهم حركة العالم كله قبل أن نحدد ما الذي نريده لبلدنا؟ فلبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطها، ولا يمكنه أن يتجاهل الإقليم أو العالم. نحن جزء من منطقة تتداخل فيها المصالح والتاريخ والثقافة والدين والجغرافيا، ونحن في الوقت نفسه جزء من عالم أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، حتى إن سوق العمل نفسه لم يعد محكوماً بالحدود كما كان في السابق. لكن كوننا جزءاً من هذا العالم لا يعني أن نتخلى عن حقنا في تحديد مصالحنا الخاصة.وإن أول ما نحتاج إليه هو أن نعرف ماذا نريد نحن، ثم نبحث في كيفية توافق ما نريده مع ما يحيط بنا.

وعندما نعود إلى التجربة اللبنانية، يصبح الأمر أكثر وضوحاً. فنحن لا نعيش حرباً للمرة الأولى، ولم نعرف الصراع المسلح للمرة الأولى، كما أن علاقتنا بإسرائيل وموقع لبنان في الصراعات الإقليمية ليست جديدة. لقد مررنا بتجارب متعددة، واختلفت القوى والأحزاب والجهات التي خاضت الحروب، واختلفت الظروف الدولية والإقليمية، لكن ثمة عناصر متشابهة بصورة لافتة في النتائج التي وصلنا إليها.ولهذا فإن التاريخ ليس ترفاً معرفياً. نستحضره تحديداً لأننا نستطيع أن نقارن ،لأن المقارنة تسمح لنا بأن نطرح سؤالاً بسيطاً، لكنه أكثر الأسئلة إلحاحاً اليوم ، ما الذي تعلمناه من تجاربنا.

فإذا كنا نعرف أن موازين القوى غير متكافئة، وإذا كان قادة المواجهة أنفسهم يقرون بذلك، وإذا كنا نعرف في الوقت نفسه حجم الكلفة التي يدفعها المجتمع اللبناني، ألا يصبح من المشروع أن نسأل عن جدوى الاستمرار في المواجهة بالشكل الذي نعيشه؟ أليس السؤال عن المصلحة اللبنانية أكثر إلحاحاً من الاستغراق في تحليل كل التعقيدات الإقليمية والدولية قبل أن نحدد حتى ما الذي نريد تحقيقه؟

ليس المقصود هنا إصدار حكم نهائي على الحرب أو على أي طرف من أطرافها، ولا الادعاء بأن الواقع يمكن اختزاله في عامل واحد. المقصود هو إعادة ترتيب الأسئلة. فبدلاً من أن نبدأ بالسؤال: ماذا تريد إيران؟ وماذا تريد الولايات المتحدة؟ وماذا تريد إسرائيل؟ وماذا تريد روسيا والصين وتركيا والسعودية وأوروبا؟ ربما علينا أن نبدأ بسؤال آخر: ماذا يريد اللبنانيون من كل هذا؟ كيف نحمي مجتمعنا؟ كيف نمنع تدمير ما تبقى من اقتصادنا؟ كيف نحافظ على حياة الناس وأمنهم وبيوتهم وأعمالهم؟ كيف نعيد بناء الدولة؟ وكيف نمنع تكرار الدورة نفسها التي عاشها اللبنانيون جيلاً بعد جيل؟ وبعد ذلك فقط يصبح من المفيد أن نسأل عن الإقليم والعالم، لأننا نكون قد امتلكنا نقطة انطلاق خاصة بنا.

لقد جربنا طويلاً أن نكون جزءاً من مشاريع الآخرين، وأن نقرأ مصالحنا من خلال مصالح القوى التي تتنافس على المنطقة. وفي كل مرة كنا ننسى أن للدول الأخرى مصالحها، وأنها ليست مضطرة إلى أن تتطابق مع مصالحنا. لا الصين تتحرك من أجلنا، ولا الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا تركيا، ولا دول الخليج، ولا أي دولة أخرى. لكل منها حساباتها ومصالحها وقدراتها وحدودها. وهذا لا يعني أن نعيش خارج محيطنا، بل يعني أن ندخل إليه ونحن نعرف ماذا نريد.

ربما تكون مشكلتنا الأساسية أننا جعلنا من تعقيد الخارج سبباً لعجز الداخل. وكلما ازداد المشهد الإقليمي والدولي تعقيداً، ازدادت قناعتنا بأن لا قدرة لنا على فعل شيء، وكأن الحل اللبناني لا يمكن أن يبدأ إلا بعد أن تنتهي كل صراعات العالم. فهل يعقل أن ننتظر حتى تحل أزمات المنطقة كلها، وتنتهي التنافسات الدولية، وتستقر العلاقات بين القوى الكبرى، حتى نبدأ نحن ببناء بلدنا؟ وهذا يشبه انتظار استقرار حركة المجرات والكون بأكمله حتى نتمكن من إصلاح شارع في قرية.

إن قضيتنا، رغم كل ما يحيط بها، ليست عصية إلى هذا الحد على الفهم. نحن نعرف مشكلاتنا، ونعرف نتائج حروبنا، ونعرف هشاشة دولتنا، ونعرف حجم الانقسام الذي أصاب مجتمعنا، ونعرف أيضاً أن استمرار تعطيل الدولة لم يؤدِّ إلى حماية اللبنانيين من الكوارث، بل جعلهم أكثر عرضة لها. ولذلك فإن تبسيط السؤال لا يعني تبسيط الواقع. أن نقول إن مصلحة لبنان تبدأ باستعادة الاستقرار وبناء دولة قادرة على حماية مجتمعها وتأمين شروط الحياة الكريمة، ليس تبسيطاً. إنه تحديد للبداية.

وأن نقول إن اللبنانيين يستطيعون الاتفاق على الحد الأدنى من مبادئ الانتماء إلى وطنهم، ليس حلماً مثالياً. فهذه المبادئ ليست غريبة عن تاريخنا. لقد عرف لبنان منذ الاستقلال سلسلة من التوافقات والصيغ التي سمحت باستمرار فكرة الدولة، وصولاً إلى اتفاق الطائف وما تلاه من مراحل، رغم كل العيوب والتناقضات التي رافقت التطبيق.

المشكلة ليست دائماً في غياب المبادئ المشتركة، بل في أننا نعود في كل مرحلة إلى اختراع خلافات جديدة حولها، أو نضع أمامها شروطاً ومدخلات تجعل الاتفاق عليها أكثر صعوبة مما هو عليه في الواقع. ولعل السؤال الذي نحتاج إلى طرحه اليوم ليس كيف نحل كل أزمات العالم كي نحل قضيتنا؟ بل ما الذي نستطيع نحن أن نتفق عليه الآن، كي نبدأ بالخروج من أزمتنا؟

قد لا يكون هذا كافياً لحل كل شيء، لكنه قد يكون كافياً لفتح الطريق. فالسياسة، في النهاية، ليست فقط معرفة ما يريده الآخرون، وإنما معرفة ما نريده نحن، ثم البحث عن المساحة الممكنة لتحقيقه. من هنا، فإن الابتعاد عن اليقينية لا يعني الابتعاد عن الوضوح. يمكن للإنسان أن يكون متواضعاً في استنتاجاته، وأن يترك باب الاحتمالات مفتوحاً، وفي الوقت نفسه أن يمتلك موقفاً واضحاً من مصلحته ومصلحة مجتمعه.

وربما تكون حاجتنا اليوم، بعد كل هذه التجارب، إلى شيء من هذا النوع من الوضوح: أن نعرف أن العالم من حولنا معقد، وأن مصالح الدول متشابكة، وأن الإقليم لن يتوقف عن الحركة، وأن الصراعات لن تنتهي غداً، لكن ذلك كله لا يمنعنا من أن نبدأ بالسؤال الأبسط والأكثر إلحاحا ، كيف نريد أن يعيش اللبنانيون؟

من هذا السؤال يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي. ومنه يمكن أن نعيد ترتيب علاقتنا بالحرب، وبالدولة، وبالإقليم، وبالعالم، لا باعتبارنا مجرد ساحة تتصارع عليها مصالح الآخرين، بل باعتبارنا مجتمعاً له مصلحة، ودولة يفترض أن يكون لها قرار، ووطنًا يستطيع أبناؤه، إذا اتفقوا على بداياته الأساسية، أن يبدأوا أخيراً بالخروج من دائرة الضياع.

من تعقيدات الإقليم إلى بساطة السؤال اللبناني… أين مصلحتنا من كل هذه الحروب؟

الكاتب: خضر نجدي | المصدر: نداء الوطن
23 آب 2026

عادةً ما تواجه الأفكار التي أعرضها في الجلسات مع الأصدقاء بسؤال ينتقد في بعض الأحيان، حدة الطرح الذي أقدمه، وكأنه يستبطن قدراً من اليقين لا ينسجم مع ما يفترض أن يكون عليه التفكير العلمي. وهذا النقد يدفعني دائماً إلى مراجعة ما أقول، لأنني، في الأصل، من أكثر الذين يتحفظون على اليقينية، باعتبارها نقيضاً للفهم العلمي الذي يقوم على المعرفة المسندة، وعلى فرضيات نقترب من تحديدها من خلال البحث والمقارنة والتحليل، وصولاً إلى معرفة منطقية ونسبية تحتمل الاختلاف، شرط أن يستند الاختلاف نفسه إلى معارف وأساليب تحقق يمكن مناقشتها ومقارنتها.

لكن المشكلة تبدأ، في رأيي، عندما يصبح رفض اليقينية سبباً لرفض إمكانية الوصول إلى تفسير واضح. فليس كل ما هو معقد عصياً على الفهم، وليس كل محاولة لتبسيط الواقع اختزالاً له.خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضايا الحياتية التي نعيشها اليوم، والتي تحكم تفاصيلها الحرب المستمرة وما يرتبط بها من أبعاد إقليمية ودولية. كثيراً ما ينظر إلى هذه الحرب وكأنها طلاسم لا يمكن تفكيكها إلا باستحضار شبكة هائلة من العوامل: الدور الصيني، والأزمة الأميركية الداخلية، والمصالح الأوروبية، والأدوار التركية والروسية والباكستانية، والتدخلات الخليجية، والدور السعودي، والدور الايراني ، وسواها من المصالح والتقاطعات التي تجعل المشهد يبدو وكأنه مؤامرة كونية مكتملة العناصر.

لا شك أن لكل هذه العوامل أهميتها، ولا يمكن تجاهلها في أي تحليل جدي. فالدول لا تتحرك بدافع العواطف، بل وفق مصالحها، وقد تتقاطع مصالحها أو تتعارض، وتتغير تحالفاتها تبعاً للظروف وموازين القوى. لكن المشكلة تبدأ عندما نستخدم كل هذا التعقيد الخارجي لإلغاء السؤال الأهم: ماذا نريد نحن؟

وهنا تحديداً أختلف مع من يعتبر أن محاولة فهم واقعنا من خلال عناصره المباشرة هي نوع من التبسيط المخل. فلماذا علينا، قبل أن نحدد مصالحنا، أن نعرف كيف تتحرك كل هذه الدول؟ ولماذا ينبغي لنا أن نفهم حركة العالم كله قبل أن نحدد ما الذي نريده لبلدنا؟ فلبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطها، ولا يمكنه أن يتجاهل الإقليم أو العالم. نحن جزء من منطقة تتداخل فيها المصالح والتاريخ والثقافة والدين والجغرافيا، ونحن في الوقت نفسه جزء من عالم أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، حتى إن سوق العمل نفسه لم يعد محكوماً بالحدود كما كان في السابق. لكن كوننا جزءاً من هذا العالم لا يعني أن نتخلى عن حقنا في تحديد مصالحنا الخاصة.وإن أول ما نحتاج إليه هو أن نعرف ماذا نريد نحن، ثم نبحث في كيفية توافق ما نريده مع ما يحيط بنا.

وعندما نعود إلى التجربة اللبنانية، يصبح الأمر أكثر وضوحاً. فنحن لا نعيش حرباً للمرة الأولى، ولم نعرف الصراع المسلح للمرة الأولى، كما أن علاقتنا بإسرائيل وموقع لبنان في الصراعات الإقليمية ليست جديدة. لقد مررنا بتجارب متعددة، واختلفت القوى والأحزاب والجهات التي خاضت الحروب، واختلفت الظروف الدولية والإقليمية، لكن ثمة عناصر متشابهة بصورة لافتة في النتائج التي وصلنا إليها.ولهذا فإن التاريخ ليس ترفاً معرفياً. نستحضره تحديداً لأننا نستطيع أن نقارن ،لأن المقارنة تسمح لنا بأن نطرح سؤالاً بسيطاً، لكنه أكثر الأسئلة إلحاحاً اليوم ، ما الذي تعلمناه من تجاربنا.

فإذا كنا نعرف أن موازين القوى غير متكافئة، وإذا كان قادة المواجهة أنفسهم يقرون بذلك، وإذا كنا نعرف في الوقت نفسه حجم الكلفة التي يدفعها المجتمع اللبناني، ألا يصبح من المشروع أن نسأل عن جدوى الاستمرار في المواجهة بالشكل الذي نعيشه؟ أليس السؤال عن المصلحة اللبنانية أكثر إلحاحاً من الاستغراق في تحليل كل التعقيدات الإقليمية والدولية قبل أن نحدد حتى ما الذي نريد تحقيقه؟

ليس المقصود هنا إصدار حكم نهائي على الحرب أو على أي طرف من أطرافها، ولا الادعاء بأن الواقع يمكن اختزاله في عامل واحد. المقصود هو إعادة ترتيب الأسئلة. فبدلاً من أن نبدأ بالسؤال: ماذا تريد إيران؟ وماذا تريد الولايات المتحدة؟ وماذا تريد إسرائيل؟ وماذا تريد روسيا والصين وتركيا والسعودية وأوروبا؟ ربما علينا أن نبدأ بسؤال آخر: ماذا يريد اللبنانيون من كل هذا؟ كيف نحمي مجتمعنا؟ كيف نمنع تدمير ما تبقى من اقتصادنا؟ كيف نحافظ على حياة الناس وأمنهم وبيوتهم وأعمالهم؟ كيف نعيد بناء الدولة؟ وكيف نمنع تكرار الدورة نفسها التي عاشها اللبنانيون جيلاً بعد جيل؟ وبعد ذلك فقط يصبح من المفيد أن نسأل عن الإقليم والعالم، لأننا نكون قد امتلكنا نقطة انطلاق خاصة بنا.

لقد جربنا طويلاً أن نكون جزءاً من مشاريع الآخرين، وأن نقرأ مصالحنا من خلال مصالح القوى التي تتنافس على المنطقة. وفي كل مرة كنا ننسى أن للدول الأخرى مصالحها، وأنها ليست مضطرة إلى أن تتطابق مع مصالحنا. لا الصين تتحرك من أجلنا، ولا الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا تركيا، ولا دول الخليج، ولا أي دولة أخرى. لكل منها حساباتها ومصالحها وقدراتها وحدودها. وهذا لا يعني أن نعيش خارج محيطنا، بل يعني أن ندخل إليه ونحن نعرف ماذا نريد.

ربما تكون مشكلتنا الأساسية أننا جعلنا من تعقيد الخارج سبباً لعجز الداخل. وكلما ازداد المشهد الإقليمي والدولي تعقيداً، ازدادت قناعتنا بأن لا قدرة لنا على فعل شيء، وكأن الحل اللبناني لا يمكن أن يبدأ إلا بعد أن تنتهي كل صراعات العالم. فهل يعقل أن ننتظر حتى تحل أزمات المنطقة كلها، وتنتهي التنافسات الدولية، وتستقر العلاقات بين القوى الكبرى، حتى نبدأ نحن ببناء بلدنا؟ وهذا يشبه انتظار استقرار حركة المجرات والكون بأكمله حتى نتمكن من إصلاح شارع في قرية.

إن قضيتنا، رغم كل ما يحيط بها، ليست عصية إلى هذا الحد على الفهم. نحن نعرف مشكلاتنا، ونعرف نتائج حروبنا، ونعرف هشاشة دولتنا، ونعرف حجم الانقسام الذي أصاب مجتمعنا، ونعرف أيضاً أن استمرار تعطيل الدولة لم يؤدِّ إلى حماية اللبنانيين من الكوارث، بل جعلهم أكثر عرضة لها. ولذلك فإن تبسيط السؤال لا يعني تبسيط الواقع. أن نقول إن مصلحة لبنان تبدأ باستعادة الاستقرار وبناء دولة قادرة على حماية مجتمعها وتأمين شروط الحياة الكريمة، ليس تبسيطاً. إنه تحديد للبداية.

وأن نقول إن اللبنانيين يستطيعون الاتفاق على الحد الأدنى من مبادئ الانتماء إلى وطنهم، ليس حلماً مثالياً. فهذه المبادئ ليست غريبة عن تاريخنا. لقد عرف لبنان منذ الاستقلال سلسلة من التوافقات والصيغ التي سمحت باستمرار فكرة الدولة، وصولاً إلى اتفاق الطائف وما تلاه من مراحل، رغم كل العيوب والتناقضات التي رافقت التطبيق.

المشكلة ليست دائماً في غياب المبادئ المشتركة، بل في أننا نعود في كل مرحلة إلى اختراع خلافات جديدة حولها، أو نضع أمامها شروطاً ومدخلات تجعل الاتفاق عليها أكثر صعوبة مما هو عليه في الواقع. ولعل السؤال الذي نحتاج إلى طرحه اليوم ليس كيف نحل كل أزمات العالم كي نحل قضيتنا؟ بل ما الذي نستطيع نحن أن نتفق عليه الآن، كي نبدأ بالخروج من أزمتنا؟

قد لا يكون هذا كافياً لحل كل شيء، لكنه قد يكون كافياً لفتح الطريق. فالسياسة، في النهاية، ليست فقط معرفة ما يريده الآخرون، وإنما معرفة ما نريده نحن، ثم البحث عن المساحة الممكنة لتحقيقه. من هنا، فإن الابتعاد عن اليقينية لا يعني الابتعاد عن الوضوح. يمكن للإنسان أن يكون متواضعاً في استنتاجاته، وأن يترك باب الاحتمالات مفتوحاً، وفي الوقت نفسه أن يمتلك موقفاً واضحاً من مصلحته ومصلحة مجتمعه.

وربما تكون حاجتنا اليوم، بعد كل هذه التجارب، إلى شيء من هذا النوع من الوضوح: أن نعرف أن العالم من حولنا معقد، وأن مصالح الدول متشابكة، وأن الإقليم لن يتوقف عن الحركة، وأن الصراعات لن تنتهي غداً، لكن ذلك كله لا يمنعنا من أن نبدأ بالسؤال الأبسط والأكثر إلحاحا ، كيف نريد أن يعيش اللبنانيون؟

من هذا السؤال يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي. ومنه يمكن أن نعيد ترتيب علاقتنا بالحرب، وبالدولة، وبالإقليم، وبالعالم، لا باعتبارنا مجرد ساحة تتصارع عليها مصالح الآخرين، بل باعتبارنا مجتمعاً له مصلحة، ودولة يفترض أن يكون لها قرار، ووطنًا يستطيع أبناؤه، إذا اتفقوا على بداياته الأساسية، أن يبدأوا أخيراً بالخروج من دائرة الضياع.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار