لعبة قديمة بأدوات جديدة

في العادة، الشعوب ترى في الازمات والحروب الكثير من المآسي والدمار والدماء، كما ترى صراعاً وحشياً لا ينتهي، وهي مُحقة كونها وقود هذه الازمات والحروب. أما الانظمة المؤثرة والدول الكبرى فعادة ما تستفيد من الاوضاع المأساوية وترى في الدمار والدماء ولادة فرصة جديدة ورؤية متجددة. واوكرانيا لن تشذّ عن هذه القاعدة، ففيما تتحضّر كييف والمدن الاوكرانية الكبرى للحصار القادم وربما لحرب الشوارع المكلفة، تبدو الدوائر الدولية وكأنها باشرت تخطيطها لترتيب مرحلة ما بعد الحرب وفق منطق تقاسم الحصص.
خسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة الانجاز الذي كان يطمح له من خلال حرب خاطفة على اوكرانيا. فوجئ بالمقاومة الجريئة للاوكرانيين رغم الخلل الهائل في ميزان القوى بين البلدين، وصُدم بالاداء العسكري لجيشه رغم التحضير لهذه الحرب منذ سنوات.
بوتين يدرك انّ الحرب ستطول وانّ ساحات القتال اصبحت مستنقعاً يهدد جيشه بالغرق في وحولها، وهو في الوقت نفسه يستحيل عليه التراجع. ما يعني انه بحاجة لمساعدة ما خصوصا مع تلقي الاقتصاد الروسي ضربات موجعة. فالعقوبات ستصعّب الواقع المعيشي للشعب الروسي مع المؤشرات بدخول اقتصاد روسيا في مرحلة ركود وكساد. مع الاشارة الى ان الازدهار النسبي الذي شهده الاقتصاد الروسي شكّل ركيزة اساسية لشعبية بوتين الذي لا يغيب عن باله بأن الاقتصاد كان احد الاسباب الاساسية لتفكك الاتحاد السوفياتي.
كان بوتين يود إنجاز حملة سريعة يستعيد فيها تجربة بابراك كارميل الأفغانية حين اجتاحها الاتحاد السوفياتي في العام 1979.
ما يبدو حتى الآن انه اخطأ في تقديراته ولكنه في الوقت نفسه يستحيل عليه التراجع، هو ملزم بالتقدم ايّاً كان الثمن لذلك هو يفتش عن الثمن المعقول.
وعلى الضفة الاخرى اندفاع «لِقصّ» جوانح بوتين من خلال تعميق جروحه عبر رفع منسوب الوصول في ساحات المواجهة الاوكرانية. المزيد من الاسلحة ولكن وفق معيار محدد بعناية، وكذلك الكميات، بما يكفي لإبطاء تقدم الجيش الروسي ودفعه اكثر الى قلب المستنقع.
هو تقاطع اميركي – أوروبي يُحاذر ايضا في الانزلاق الى الحرب المباشرة والمفتوحة مع روسيا. لذلك جرى رفض طلب الرئيس الاوكراني بحظر الطيران فوق اوكرانيا. ومن هنا يُفهم وصول وزير الخارجية الاميركية الى الحدود البولندية – الاوكرانية وعدم الدخول خطوة واحدة الى الاراضي الاوكرانية. المواجهة المباشرة ممنوعة، وممنوع ايضا توفير ذرائعها. اما المطلوب فهو إغراق ساحات اوكرانيا بالوحول تمهيداً لترتيب المرحلة المقبلة، وهنا تظهر نقاط الاختلاف بين اوروبا والولايات المتحدة. فالدول الاوروبية الموحدة بوجه روسيا بعد قلق مزمن بسبب تصاعد نفوذها وانفجار حرب ستؤدي الى هَز ركائز الاقتصاد الاوروبي وتغيير معادلة النفوذ داخل اوروبا، تأمل بأن تؤدي وحول اوكرانيا وتراجع الاقتصاد الروسي الى سقوط بوتين وفي الوقت نفسه ايجاد حلول لفك الترابط النفطي بين روسيا واوروبا لحماية الاخيرة من التبعية السياسية. واوروبا تدرك جيداً ان التجارب التاريخية أثبتت بأن العقوبات مؤذية شعبياً وتؤثر سلباً على قوة النظام الحاكم، لكنها لا تغيّر واقعاً. وتريد اوروبا بعد إسقاط بوتين استعادة روسيا داخل الاتحاد الاوروبي، خصوصاً ان اعادة اعمار اوكرانيا ومَد يد العون الاقتصادي لروسيا سيتولاهما البنك الاوروبي.
وعلى سبيل المثال إن موسكو، وإثر العقوبات واقفال الاجواء الدولية، سجلت سعر تذكرة السفر الى دبي ذهاباً فقط بحوالى اربعة آلاف دولار اميركي مقارنة بـ 334 دولارا في الاوقات العادية وسط نقص حاد في عدد الرحلات الجوية.
أضف الى ذلك بداية هجرة القوة العاملة المتخصصة. والرئيس الفرنسي الذي يتحرك باسم اوروبا هو الوحيد الذي ما يزال يفتح خطوط تواصله مع الرئيس الروسي. وهو برّر تواصله قائلا: كلما بذلنا مزيداً من الجهد لتقريب روسيا من اوروبا كان ذلك افضل. فروسيا جزء من اوروبا ولا يمكن تركها للصين.
واضح هدف اوروبا من خلال كلام ماكرون، لكنّ لواشنطن رأياً آخر على ما يبدو فهنالك من يعتقد انها تعمل على إغراق بوتين اكثر فأكثر على ان ترمي له حبل النجاة عندما يصبح في ادنى موقع ممكن، فعندها فقط يمكن إنجاز تسوية شاملة معه وبأفضل الاسعار الممكنة.
في اي حال فإن تاريخ واشنطن حافل بهذا النوع من التسويات والذي تعتمده تحت عنوان «الواقعية السياسية»، ذلك ان واشنطن باتت تمسك وتمتلك الكثير من مفاتيح اللعبة في كييف.
وفي الوقت نفسه لم يخفِ رئيس الحكومة الاسرائيلية نفتالي بينيت ان زيارته السرية الى موسكو حيث اجتمع ببوتين حصلت بعلم الادارة الاميركية، وذلك بعد اتصال مطوّل بين بينيت ومستشار الامن القومي الاميركي.
واشنطن تدرك جيداً بأن بوتين لاعب شطرنج ماكر على الساحة الدولية، وهو يعرف جيدا كيفية نسج الاتفاقات والتسويات في الغرف المغلقة وهو صاحب الذهنية والاسلوب والسلوك الامني.
سوريا شهدت لبوتين مهارته في تحريك احجار الشطرنج وربما هذا ما دفعه الى شيء من «الاستلشاق» في كيفية ادارة حرب اوكرانيا. الصين تبدو قلقة وهي محقة بذلك لمسار الحرب في اوكرانيا. ذلك اياً تكن النتيجة بالنسبة لروسيا، فالنتيجة سيئة على الصين فخسارة موسكو يعني ربحاً لواشنطن والاوروبيين، والانتصار فيما لو تحقق سيعني روسيا اكثر قوة على حدودها الشمالية. والاسوأ بأن التسوية بين موسكو وواشنطن ستعني تعاوناً في العديد من الساحات على حسابها.
«الواقعية» السياسية لواشنطن قد تعني تقديم رأس الرئيس الاوكراني زيلينسكي مقابل اثمان كبيرة.
صحيفة نيويورك تايمز تحدثت عن سعي لتأمين بديل عن زيلينسكي في حال مقتله او اعتقاله. ألا يعني ذلك شيئاً؟
كذلك اعلان السفير الروسي في واشنطن استعداده للقاء اي سياسي او مشروع اميركي للبحث في المصالح الاستراتيجية للبلدين.
لعبة قديمة بأدوات جديدة

في العادة، الشعوب ترى في الازمات والحروب الكثير من المآسي والدمار والدماء، كما ترى صراعاً وحشياً لا ينتهي، وهي مُحقة كونها وقود هذه الازمات والحروب. أما الانظمة المؤثرة والدول الكبرى فعادة ما تستفيد من الاوضاع المأساوية وترى في الدمار والدماء ولادة فرصة جديدة ورؤية متجددة. واوكرانيا لن تشذّ عن هذه القاعدة، ففيما تتحضّر كييف والمدن الاوكرانية الكبرى للحصار القادم وربما لحرب الشوارع المكلفة، تبدو الدوائر الدولية وكأنها باشرت تخطيطها لترتيب مرحلة ما بعد الحرب وفق منطق تقاسم الحصص.
خسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة الانجاز الذي كان يطمح له من خلال حرب خاطفة على اوكرانيا. فوجئ بالمقاومة الجريئة للاوكرانيين رغم الخلل الهائل في ميزان القوى بين البلدين، وصُدم بالاداء العسكري لجيشه رغم التحضير لهذه الحرب منذ سنوات.
بوتين يدرك انّ الحرب ستطول وانّ ساحات القتال اصبحت مستنقعاً يهدد جيشه بالغرق في وحولها، وهو في الوقت نفسه يستحيل عليه التراجع. ما يعني انه بحاجة لمساعدة ما خصوصا مع تلقي الاقتصاد الروسي ضربات موجعة. فالعقوبات ستصعّب الواقع المعيشي للشعب الروسي مع المؤشرات بدخول اقتصاد روسيا في مرحلة ركود وكساد. مع الاشارة الى ان الازدهار النسبي الذي شهده الاقتصاد الروسي شكّل ركيزة اساسية لشعبية بوتين الذي لا يغيب عن باله بأن الاقتصاد كان احد الاسباب الاساسية لتفكك الاتحاد السوفياتي.
كان بوتين يود إنجاز حملة سريعة يستعيد فيها تجربة بابراك كارميل الأفغانية حين اجتاحها الاتحاد السوفياتي في العام 1979.
ما يبدو حتى الآن انه اخطأ في تقديراته ولكنه في الوقت نفسه يستحيل عليه التراجع، هو ملزم بالتقدم ايّاً كان الثمن لذلك هو يفتش عن الثمن المعقول.
وعلى الضفة الاخرى اندفاع «لِقصّ» جوانح بوتين من خلال تعميق جروحه عبر رفع منسوب الوصول في ساحات المواجهة الاوكرانية. المزيد من الاسلحة ولكن وفق معيار محدد بعناية، وكذلك الكميات، بما يكفي لإبطاء تقدم الجيش الروسي ودفعه اكثر الى قلب المستنقع.
هو تقاطع اميركي – أوروبي يُحاذر ايضا في الانزلاق الى الحرب المباشرة والمفتوحة مع روسيا. لذلك جرى رفض طلب الرئيس الاوكراني بحظر الطيران فوق اوكرانيا. ومن هنا يُفهم وصول وزير الخارجية الاميركية الى الحدود البولندية – الاوكرانية وعدم الدخول خطوة واحدة الى الاراضي الاوكرانية. المواجهة المباشرة ممنوعة، وممنوع ايضا توفير ذرائعها. اما المطلوب فهو إغراق ساحات اوكرانيا بالوحول تمهيداً لترتيب المرحلة المقبلة، وهنا تظهر نقاط الاختلاف بين اوروبا والولايات المتحدة. فالدول الاوروبية الموحدة بوجه روسيا بعد قلق مزمن بسبب تصاعد نفوذها وانفجار حرب ستؤدي الى هَز ركائز الاقتصاد الاوروبي وتغيير معادلة النفوذ داخل اوروبا، تأمل بأن تؤدي وحول اوكرانيا وتراجع الاقتصاد الروسي الى سقوط بوتين وفي الوقت نفسه ايجاد حلول لفك الترابط النفطي بين روسيا واوروبا لحماية الاخيرة من التبعية السياسية. واوروبا تدرك جيداً ان التجارب التاريخية أثبتت بأن العقوبات مؤذية شعبياً وتؤثر سلباً على قوة النظام الحاكم، لكنها لا تغيّر واقعاً. وتريد اوروبا بعد إسقاط بوتين استعادة روسيا داخل الاتحاد الاوروبي، خصوصاً ان اعادة اعمار اوكرانيا ومَد يد العون الاقتصادي لروسيا سيتولاهما البنك الاوروبي.
وعلى سبيل المثال إن موسكو، وإثر العقوبات واقفال الاجواء الدولية، سجلت سعر تذكرة السفر الى دبي ذهاباً فقط بحوالى اربعة آلاف دولار اميركي مقارنة بـ 334 دولارا في الاوقات العادية وسط نقص حاد في عدد الرحلات الجوية.
أضف الى ذلك بداية هجرة القوة العاملة المتخصصة. والرئيس الفرنسي الذي يتحرك باسم اوروبا هو الوحيد الذي ما يزال يفتح خطوط تواصله مع الرئيس الروسي. وهو برّر تواصله قائلا: كلما بذلنا مزيداً من الجهد لتقريب روسيا من اوروبا كان ذلك افضل. فروسيا جزء من اوروبا ولا يمكن تركها للصين.
واضح هدف اوروبا من خلال كلام ماكرون، لكنّ لواشنطن رأياً آخر على ما يبدو فهنالك من يعتقد انها تعمل على إغراق بوتين اكثر فأكثر على ان ترمي له حبل النجاة عندما يصبح في ادنى موقع ممكن، فعندها فقط يمكن إنجاز تسوية شاملة معه وبأفضل الاسعار الممكنة.
في اي حال فإن تاريخ واشنطن حافل بهذا النوع من التسويات والذي تعتمده تحت عنوان «الواقعية السياسية»، ذلك ان واشنطن باتت تمسك وتمتلك الكثير من مفاتيح اللعبة في كييف.
وفي الوقت نفسه لم يخفِ رئيس الحكومة الاسرائيلية نفتالي بينيت ان زيارته السرية الى موسكو حيث اجتمع ببوتين حصلت بعلم الادارة الاميركية، وذلك بعد اتصال مطوّل بين بينيت ومستشار الامن القومي الاميركي.
واشنطن تدرك جيداً بأن بوتين لاعب شطرنج ماكر على الساحة الدولية، وهو يعرف جيدا كيفية نسج الاتفاقات والتسويات في الغرف المغلقة وهو صاحب الذهنية والاسلوب والسلوك الامني.
سوريا شهدت لبوتين مهارته في تحريك احجار الشطرنج وربما هذا ما دفعه الى شيء من «الاستلشاق» في كيفية ادارة حرب اوكرانيا. الصين تبدو قلقة وهي محقة بذلك لمسار الحرب في اوكرانيا. ذلك اياً تكن النتيجة بالنسبة لروسيا، فالنتيجة سيئة على الصين فخسارة موسكو يعني ربحاً لواشنطن والاوروبيين، والانتصار فيما لو تحقق سيعني روسيا اكثر قوة على حدودها الشمالية. والاسوأ بأن التسوية بين موسكو وواشنطن ستعني تعاوناً في العديد من الساحات على حسابها.
«الواقعية» السياسية لواشنطن قد تعني تقديم رأس الرئيس الاوكراني زيلينسكي مقابل اثمان كبيرة.
صحيفة نيويورك تايمز تحدثت عن سعي لتأمين بديل عن زيلينسكي في حال مقتله او اعتقاله. ألا يعني ذلك شيئاً؟
كذلك اعلان السفير الروسي في واشنطن استعداده للقاء اي سياسي او مشروع اميركي للبحث في المصالح الاستراتيجية للبلدين.











