واشنطن: اتصال ثانٍ من ترامب لعون قريبًا ولقاء تحضيريّ آخر على مستوى السفراء

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
20 نيسان 2026

شكّل الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب واللبناني جوزاف عون، في 16 نيسان، نقطة تحوّل في مسار لبنان وموقعه في واشنطن. ووفقًا لمصادر أميركية متقاطعة، لم يكن هذا الاتصال مجرّد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كان بداية لجهد أميركي مدروس يهدف إلى “فك ارتباط” المسار اللبناني عن المسار الإيراني؛ وهي “مقامرة عالية المخاطر” تنطوي على تداعيات عميقة على لبنان، وإسرائيل، وإيران، والأهم من ذلك كلّه على مستقبل “حزب اللّه” داخل لبنان.

من المفارقة أن بعضًا من قصة اتصال ترامب بعون لم تبدأ في واشنطن، بل في باريس. فترامب عبّر عن أسفه خلال المكالمة لما حصل في بيروت في 8 نيسان. وقالت مصادر أميركية، إنه بينما كانت الضربات الإسرائيلية تنهال بقوّة على بيروت ذلك اليوم، تواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الأميركي، وعرض عليه صورًا مروّعة للأربعاء الأسود. ووفقًا لمسؤولين أميركيين، تمكّن ماكرون من لفت انتباه واشنطن إلى مدى خطورة ما يمرّ به لبنان، ودفع ترامب للنظر إلى معاناة لبنان باعتبارها أولوية إنسانية واستراتيجية، ومن ثمّ الطلب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الامتناع عن قصف بيروت. وهو ما زاد غضب إسرائيل تجاه فرنسا.

وهكذا تحرّكت واشنطن تصاعديًا. واتسمت المكالمة بين الرئيسين بصراحة غير معتادة. هذا الانخراط الشخصي الرفيع المستوى كسر الجمود تجاه لبنان. بحسب مصادر أميركية، أعرب ترامب لعون عن إعجابه بالجالية اللبنانية البارزة المقيمة في الولايات المتحدة، وسأله عن السبل التي يمكن لأميركا من خلالها المساعدة. وكان مطلب عون بأن وقف إطلاق النار هو البوّابة العاجلة والضرورية للوصول إلى كافة الحلول بما فيها الاتفاق مع إسرائيل. ووعد ترامب بالتواصل مع نتنياهو من أجل هدنة فورية. وهكذا كان!

وتشير مصادر واشنطن إلى أنه يجري حاليًا التباحث بشأن إجراء اتصال ثانٍ بين ترامب وعون خلال هذا الأسبوع؛ وهو ما يُعدّ دليلًا على التزام أميركي بالـ momentum الذي أشعله سفيران نشيطان: سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض وسفير واشنطن لدى لبنان، ميشال عيسى الذي حث وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، خلف الكواليس على تمهيد الطريق لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية وتسهيل من واشنطن.

ويقول دبلوماسيون أميركيون إن خطوة إدارة ترامب قلبت سيناريو وحدة المسار اللبناني الإيراني رأسًا على عقب. وكما صاغها أحد الدبلوماسيين أن واشنطن سهّلت “ممارسة لبنان سيادته، حيث أعلن استعداده للدخول في محادثات مباشرة، بغض النظر عمّا تراه طهران أو “حزب اللّه”. وإذا ما مضى لبنان قدمًا في إبرام اتفاق خاص به مع إسرائيل، فإن قدرة إيران على استخدام لبنان كورقة للمساومة ستتضاءل بشكل حادّ وملحوظ”.

وفي صلب هذه الجهود تقع “مذكرة التفاهم” التي صدرت بموافقة لبنان وإسرائيل، وبرعاية واشنطن. ووفقًا للسفير الأميركي السابق إد غابرييل، فإن مثل هذه الوثائق هي نتاج عملية شاقة من الأخذ والردّ؛ إذ يقول: “كلّ كلمة تخضع للتدقيق والتمحيص”. وقد أكدت المذكرة أن إسرائيل ولبنان “ليسا في حالة حرب”. كما دعت إلى إجراء مفاوضات مباشرة بتسهيل أميركي، ولوّحت بإمكانية التوصّل إلى “سلام دائم”، كما أوضحت بجلاء طبيعة المقايضة القائمة: حيث توقف إسرائيل عملياتها الهجومية، في حين يتعهّد لبنان باتخاذ “خطوات ملموسة وذات مغزى” لكبح جماح “حزب اللّه” واستعادة سيطرة الدولة على المناطق الجنوبية.

ومن اللافت للنظر أن النصّ النهائيّ للمذكرة قد أغفل الإشارة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يمثل الإطار المرجعيّ للحدود في مرحلة ما بعد حرب عام 2006. وعلمت “نداء الوطن” أن ذكر القرار كان ملحوظًا في المسوّدة الأولى. لكن هذا الإغفال لم يكن مجرّد هفوة عابرة. إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران القرار 1701 إطارًا فشل الأفرقاء في تطبيقه، ولم ينجح قط في تحقيق نزع سلاح “حزب اللّه” أو إقامة منطقة عازلة موثوقة. ويرى دبلوماسي أميركي أنه من خلال تجاوزه، قد تكون إدارة ترامب تعمّدت إعادة ضبط مسار العملية وفق شروط ثنائية، تتولّى فيها واشنطن دور المُدير والحَكَم، بدلًا من الأمم المتحدة.

بالنسبة إلى لبنان، تُعدّ هذه الفرصة تاريخية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر. فواشنطن تربط أخيرًا لغة سياسية، وربّما دعمًا ماديًّا، بمبدأ مفاده أن الدولة، وليس أي ميليشيا أخرى، هي من يجب أن يضمن السيادة. غير أن الخطر يكمن في أن لبنان أصبح الآن مسؤولًا عمّا لا يملك القدرة الكاملة على السيطرة عليه. في غضون ذلك، تحصل إسرائيل على فائدة عملياتية فورية من خلال بند واسع للدفاع عن النفس يسمح لها باتخاذ إجراءات استباقية. بالنسبة إلى إيران، فإن المخاطر وجوديّة. وقد يكون الخاسر الأكبر في هذا السياق هو “حزب اللّه”. فهو محاصر من جهتين:

1- الإطار الجديد الذي يشدّد على أن الجيش هو الضامن الأمني الشرعي الوحيد.

2-  مبرر وجوده الأساسي المتمثل في “المقاومة المسلّحة لإسرائيل”. وإذا ما تمكّن لبنان من فرض احتكاره استخدام القوة، فإن قدرة “الحزب” على العمل كـ “دولة داخل الدولة” ستصبح في مهبّ الريح.

لم يحدث هذا الأمر بين عشية وضحاها؛ فقد راقب المسؤولون الأميركيون لشهور نظراءهم اللبنانيين وهم يتحدثون عن السيادة والإصلاح، دون أن يترجموا أقوالهم إلى أفعال. غير أن الفارق جوهري هذه المرة ويكمن في الانتقال إلى حيز العمل. وقد قال دبلوماسي أميركي سابق “أبدت الحكومة اللبنانية استعدادها للانخراط في حوار مباشر مع إسرائيل، حتى وإن انطوى ذلك على مخاطر إثارة اضطرابات داخلية”.

وقد أدّت هذه الجرأة إلى إعادة إحياء الاهتمام الأميركي بلبنان. ووفقًا للمصادر، فقد كان انخراط روبيو في هذا الملف محوريًا. هكذا هي إدارة الأزمات على طريقة ترامب: لم يكن اتصال 16 نيسان مُنْصبًّا على الجوانب الفنية بقدر ما كان يهدف إلى إظهار اهتمام البيت الأبيض، وأن التعاون اللبناني سيُكافأ. وتنسجم التقارير التي تفيد بأن ترامب قد طرح فكرة عقد قمة مع عون ونتنياهو في البيت الأبيض “خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين” مع هذا النمط: إجبار البيروقراطيات والخصوم على التحرّك بسرعة.

ماذا بعد؟

ترى مصادر واشنطن في أن يكون وقف الأعمال القتالية لمدة عشرة أيام، أكثر من مجرّد هدنة موقتة فحسب، بل أن يكون مخططًا أوّليًا لمشروع دبلوماسي جديد. فمبادرة ترامب بشأن لبنان تراهن على تهدئة الحدود، وإضعاف نفوذ “حزب اللّه” وبالتالي نفوذ إيران في لبنان، ثمّ التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل. إذا نجحت، فقد تسمح للبنان باستعادة سيادته وتمنح إسرائيل حدودًا أكثر هدوءًا. أما إذا فشلت، فستثبت، مرة أخرى، أن فصل ملفات الشرق الأوسط أسهل في واشنطن منه على أرض الواقع.

واشنطن: اتصال ثانٍ من ترامب لعون قريبًا ولقاء تحضيريّ آخر على مستوى السفراء

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
20 نيسان 2026

شكّل الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب واللبناني جوزاف عون، في 16 نيسان، نقطة تحوّل في مسار لبنان وموقعه في واشنطن. ووفقًا لمصادر أميركية متقاطعة، لم يكن هذا الاتصال مجرّد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كان بداية لجهد أميركي مدروس يهدف إلى “فك ارتباط” المسار اللبناني عن المسار الإيراني؛ وهي “مقامرة عالية المخاطر” تنطوي على تداعيات عميقة على لبنان، وإسرائيل، وإيران، والأهم من ذلك كلّه على مستقبل “حزب اللّه” داخل لبنان.

من المفارقة أن بعضًا من قصة اتصال ترامب بعون لم تبدأ في واشنطن، بل في باريس. فترامب عبّر عن أسفه خلال المكالمة لما حصل في بيروت في 8 نيسان. وقالت مصادر أميركية، إنه بينما كانت الضربات الإسرائيلية تنهال بقوّة على بيروت ذلك اليوم، تواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الأميركي، وعرض عليه صورًا مروّعة للأربعاء الأسود. ووفقًا لمسؤولين أميركيين، تمكّن ماكرون من لفت انتباه واشنطن إلى مدى خطورة ما يمرّ به لبنان، ودفع ترامب للنظر إلى معاناة لبنان باعتبارها أولوية إنسانية واستراتيجية، ومن ثمّ الطلب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الامتناع عن قصف بيروت. وهو ما زاد غضب إسرائيل تجاه فرنسا.

وهكذا تحرّكت واشنطن تصاعديًا. واتسمت المكالمة بين الرئيسين بصراحة غير معتادة. هذا الانخراط الشخصي الرفيع المستوى كسر الجمود تجاه لبنان. بحسب مصادر أميركية، أعرب ترامب لعون عن إعجابه بالجالية اللبنانية البارزة المقيمة في الولايات المتحدة، وسأله عن السبل التي يمكن لأميركا من خلالها المساعدة. وكان مطلب عون بأن وقف إطلاق النار هو البوّابة العاجلة والضرورية للوصول إلى كافة الحلول بما فيها الاتفاق مع إسرائيل. ووعد ترامب بالتواصل مع نتنياهو من أجل هدنة فورية. وهكذا كان!

وتشير مصادر واشنطن إلى أنه يجري حاليًا التباحث بشأن إجراء اتصال ثانٍ بين ترامب وعون خلال هذا الأسبوع؛ وهو ما يُعدّ دليلًا على التزام أميركي بالـ momentum الذي أشعله سفيران نشيطان: سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض وسفير واشنطن لدى لبنان، ميشال عيسى الذي حث وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، خلف الكواليس على تمهيد الطريق لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية وتسهيل من واشنطن.

ويقول دبلوماسيون أميركيون إن خطوة إدارة ترامب قلبت سيناريو وحدة المسار اللبناني الإيراني رأسًا على عقب. وكما صاغها أحد الدبلوماسيين أن واشنطن سهّلت “ممارسة لبنان سيادته، حيث أعلن استعداده للدخول في محادثات مباشرة، بغض النظر عمّا تراه طهران أو “حزب اللّه”. وإذا ما مضى لبنان قدمًا في إبرام اتفاق خاص به مع إسرائيل، فإن قدرة إيران على استخدام لبنان كورقة للمساومة ستتضاءل بشكل حادّ وملحوظ”.

وفي صلب هذه الجهود تقع “مذكرة التفاهم” التي صدرت بموافقة لبنان وإسرائيل، وبرعاية واشنطن. ووفقًا للسفير الأميركي السابق إد غابرييل، فإن مثل هذه الوثائق هي نتاج عملية شاقة من الأخذ والردّ؛ إذ يقول: “كلّ كلمة تخضع للتدقيق والتمحيص”. وقد أكدت المذكرة أن إسرائيل ولبنان “ليسا في حالة حرب”. كما دعت إلى إجراء مفاوضات مباشرة بتسهيل أميركي، ولوّحت بإمكانية التوصّل إلى “سلام دائم”، كما أوضحت بجلاء طبيعة المقايضة القائمة: حيث توقف إسرائيل عملياتها الهجومية، في حين يتعهّد لبنان باتخاذ “خطوات ملموسة وذات مغزى” لكبح جماح “حزب اللّه” واستعادة سيطرة الدولة على المناطق الجنوبية.

ومن اللافت للنظر أن النصّ النهائيّ للمذكرة قد أغفل الإشارة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يمثل الإطار المرجعيّ للحدود في مرحلة ما بعد حرب عام 2006. وعلمت “نداء الوطن” أن ذكر القرار كان ملحوظًا في المسوّدة الأولى. لكن هذا الإغفال لم يكن مجرّد هفوة عابرة. إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران القرار 1701 إطارًا فشل الأفرقاء في تطبيقه، ولم ينجح قط في تحقيق نزع سلاح “حزب اللّه” أو إقامة منطقة عازلة موثوقة. ويرى دبلوماسي أميركي أنه من خلال تجاوزه، قد تكون إدارة ترامب تعمّدت إعادة ضبط مسار العملية وفق شروط ثنائية، تتولّى فيها واشنطن دور المُدير والحَكَم، بدلًا من الأمم المتحدة.

بالنسبة إلى لبنان، تُعدّ هذه الفرصة تاريخية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر. فواشنطن تربط أخيرًا لغة سياسية، وربّما دعمًا ماديًّا، بمبدأ مفاده أن الدولة، وليس أي ميليشيا أخرى، هي من يجب أن يضمن السيادة. غير أن الخطر يكمن في أن لبنان أصبح الآن مسؤولًا عمّا لا يملك القدرة الكاملة على السيطرة عليه. في غضون ذلك، تحصل إسرائيل على فائدة عملياتية فورية من خلال بند واسع للدفاع عن النفس يسمح لها باتخاذ إجراءات استباقية. بالنسبة إلى إيران، فإن المخاطر وجوديّة. وقد يكون الخاسر الأكبر في هذا السياق هو “حزب اللّه”. فهو محاصر من جهتين:

1- الإطار الجديد الذي يشدّد على أن الجيش هو الضامن الأمني الشرعي الوحيد.

2-  مبرر وجوده الأساسي المتمثل في “المقاومة المسلّحة لإسرائيل”. وإذا ما تمكّن لبنان من فرض احتكاره استخدام القوة، فإن قدرة “الحزب” على العمل كـ “دولة داخل الدولة” ستصبح في مهبّ الريح.

لم يحدث هذا الأمر بين عشية وضحاها؛ فقد راقب المسؤولون الأميركيون لشهور نظراءهم اللبنانيين وهم يتحدثون عن السيادة والإصلاح، دون أن يترجموا أقوالهم إلى أفعال. غير أن الفارق جوهري هذه المرة ويكمن في الانتقال إلى حيز العمل. وقد قال دبلوماسي أميركي سابق “أبدت الحكومة اللبنانية استعدادها للانخراط في حوار مباشر مع إسرائيل، حتى وإن انطوى ذلك على مخاطر إثارة اضطرابات داخلية”.

وقد أدّت هذه الجرأة إلى إعادة إحياء الاهتمام الأميركي بلبنان. ووفقًا للمصادر، فقد كان انخراط روبيو في هذا الملف محوريًا. هكذا هي إدارة الأزمات على طريقة ترامب: لم يكن اتصال 16 نيسان مُنْصبًّا على الجوانب الفنية بقدر ما كان يهدف إلى إظهار اهتمام البيت الأبيض، وأن التعاون اللبناني سيُكافأ. وتنسجم التقارير التي تفيد بأن ترامب قد طرح فكرة عقد قمة مع عون ونتنياهو في البيت الأبيض “خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين” مع هذا النمط: إجبار البيروقراطيات والخصوم على التحرّك بسرعة.

ماذا بعد؟

ترى مصادر واشنطن في أن يكون وقف الأعمال القتالية لمدة عشرة أيام، أكثر من مجرّد هدنة موقتة فحسب، بل أن يكون مخططًا أوّليًا لمشروع دبلوماسي جديد. فمبادرة ترامب بشأن لبنان تراهن على تهدئة الحدود، وإضعاف نفوذ “حزب اللّه” وبالتالي نفوذ إيران في لبنان، ثمّ التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل. إذا نجحت، فقد تسمح للبنان باستعادة سيادته وتمنح إسرائيل حدودًا أكثر هدوءًا. أما إذا فشلت، فستثبت، مرة أخرى، أن فصل ملفات الشرق الأوسط أسهل في واشنطن منه على أرض الواقع.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار