هدنة العام 1949… هل لا يزال الإطار الممكن للحل؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
23 نيسان 2026

كلما اعتدت إسرائيل على لبنان واحتلت جزءاً من أراضيه، وأوقعت فيه دماراً وضحايا، تعود الأولوية إلى وقف الأعمال العدائية وتثبيت أيّ اتفاق لوقف النار يتم التوصل إليه تحت الضغط، ويسقط أمام أول اختبار جدي له. هذه هي حال اتفاق وقف النار الجديد الذي تم التوصل إليه أخيراً بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام غداة حرب مدمرة بدأت في الثاني من آذار الماضي عقب إطلاق “حزب الله” صواريخه الستة انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني السيد علي خامنئي.

 

لكن الاتفاق الذي تزامن مع جلسة أولى لسفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن الخميس الماضي لم يصمد حتى موعد الجلسة الثانية المقررة هذا الخميس بسبب اختراقات متبادلة من جانبي الحزب وإسرائيل على السواء. وهذا الواقع المتكرر أيضاً، بعد سقوط اتفاق وقف النار الموقع في 27 تشرين الثاني 2024غداة حرب الشهرين، يطرح إشكالية أساسية في الداخل حيال الآليات المفروض اعتمادها لتثبيت أيّ اتفاق وتكريسه ضمن إطار طويل الأمد. وهنا تعود، كما في كل مرة، اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل عام ١٩٤٩، وتكمن أهميتها في أنها تنص في بنودها الرئيسية على منع الأعمال العدائية بين الطرفين وتحظر اختراق الحدود البرية أو البحرية أو الجوية. وقد تضمنت إنشاء لجنة هدنة مشتركة لمراقبة التنفيذ. وعلى الرغم من أنها لم تتحول يوماً إلى معاهدة، فقد حكمت منذ توقيعها إلى عام ١٩٦٧، مدى عقدين تقريباً، الوضع الذي شهد هدوءاً نسبياً، وشكّلت المرجعية أو الإطار الدولي الوحيد تحت مظلة الأمم المتحدة للتعامل مع النزاع بين البلدين.

 

اليوم، يعود الكلام على هذه الاتفاقية وضرورة أن ينطلق منها أيّ تفاوض مع إسرائيل. وصاحب الرأي الأول والدائم في هذا المجال هو الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي ظل مدى أعوام المواجهة مع إسرائيل يطالب بالعودة إليها. وعاد وكرر مطلبه بعد لقائه رئيس المجلس نبيه بري الذي يلتقي معه على هذه النقطة، لكي تكون إحدى نقاط البحث إلى جانب اتفاق وقف النار الموقّع عام 2024 ولجنة “الميكانيزم”.

 

والحال أن رئيس الجمهورية لم يكن بعيداً من المطالبة بإحياء هذه الاتفاقية، إلا أنه ذهب اليوم ورئيس الحكومة أبعد في الموافقة على إطلاق المفاوضات المباشرة التي يأمل الرجلان أن تحقق الاستقرار والسلام الدائمين للبنان، لمنع تكرار تجارب الحروب والدمار والاختراقات المتبادلة.

 

يذكر أن الاتفاقية جاءت نتيجة لاستجابة الفريقين لقرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني 1948، كتدبير إضافي موقت بمقتضى المادة ٤٠ من ميثاق الأمم المتحدة ومن أجل الانتقال من المهادنة إلى سلم دائم في فلسطين، إلى التفاوض لعقد هدنة. وتقرر أن يدخل الطرفان في مفاوضات برئاسة الأمم المتحدة، وعيّنا ممثلين معتمدين لذلك. وتصبح الاتفاقية مبرمة فور توقيعها وتدخل حيز التنفيذ.
وترى أكثر من جهة لبنانية أنها تصلح لتشكّل الإطار لأي حل يمكن الوصول إليه، ويذهب البعض إلى اعتبار أن حلا كهذا يمكن أن يجنب لبنان المفاوضات المباشرة. يذكر أن الرئيس نجيب ميقاتي طرح الأمر بعد إنجاز اتفاق وقف النار عام 2024، إلا أن الظروف الداخلية لم تكن قد نضجت في ظل الشغور الرئاسي والتعطيل الحكومي للدخول في ملف التفاوض. لكن المشكلة المطروحة اليوم أن إسرائيل لا تكتفي (أو تعترف) بهذه الاتفاقية التي تظللها الأمم المتحدة، فيما التفاوض المباشر يتم برعاية أميركية مباشرة، تفضلها تل أبيب على ما عداها.

 

فمنذ توقيع تلك الاتفاقية وإسرائيل تثابر على خرقها، من 1967إلى 1972إلى 1982 و2006 وغيرها من محطات الحروب أو الاجتياحات أو الخروق الدائمة. وترى مصادر أن إسرائيل تحرص دائماً على إفشال تطبيقها من خلال إحباط كل عملية انتشار للجيش جنوباً.

 

وتفيد معلومات اليوم أن توافق بري وجنبلاط على إحيائها سيتطور إلى طرح عملي أكثر من خلال اقتراح تعديلات تتصل بالبنود المتعلقة بالعتاد والعديد، بما يتوافق مع القرار الدولي 1701. وتعتقد مصادر الرجلين أن موقفهما يدعم رئيسي الجمهورية والحكومة في اتصالاتهما ومشاوراتهما لتثبيت وقف النار.

هدنة العام 1949… هل لا يزال الإطار الممكن للحل؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
23 نيسان 2026

كلما اعتدت إسرائيل على لبنان واحتلت جزءاً من أراضيه، وأوقعت فيه دماراً وضحايا، تعود الأولوية إلى وقف الأعمال العدائية وتثبيت أيّ اتفاق لوقف النار يتم التوصل إليه تحت الضغط، ويسقط أمام أول اختبار جدي له. هذه هي حال اتفاق وقف النار الجديد الذي تم التوصل إليه أخيراً بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام غداة حرب مدمرة بدأت في الثاني من آذار الماضي عقب إطلاق “حزب الله” صواريخه الستة انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني السيد علي خامنئي.

 

لكن الاتفاق الذي تزامن مع جلسة أولى لسفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن الخميس الماضي لم يصمد حتى موعد الجلسة الثانية المقررة هذا الخميس بسبب اختراقات متبادلة من جانبي الحزب وإسرائيل على السواء. وهذا الواقع المتكرر أيضاً، بعد سقوط اتفاق وقف النار الموقع في 27 تشرين الثاني 2024غداة حرب الشهرين، يطرح إشكالية أساسية في الداخل حيال الآليات المفروض اعتمادها لتثبيت أيّ اتفاق وتكريسه ضمن إطار طويل الأمد. وهنا تعود، كما في كل مرة، اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل عام ١٩٤٩، وتكمن أهميتها في أنها تنص في بنودها الرئيسية على منع الأعمال العدائية بين الطرفين وتحظر اختراق الحدود البرية أو البحرية أو الجوية. وقد تضمنت إنشاء لجنة هدنة مشتركة لمراقبة التنفيذ. وعلى الرغم من أنها لم تتحول يوماً إلى معاهدة، فقد حكمت منذ توقيعها إلى عام ١٩٦٧، مدى عقدين تقريباً، الوضع الذي شهد هدوءاً نسبياً، وشكّلت المرجعية أو الإطار الدولي الوحيد تحت مظلة الأمم المتحدة للتعامل مع النزاع بين البلدين.

 

اليوم، يعود الكلام على هذه الاتفاقية وضرورة أن ينطلق منها أيّ تفاوض مع إسرائيل. وصاحب الرأي الأول والدائم في هذا المجال هو الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي ظل مدى أعوام المواجهة مع إسرائيل يطالب بالعودة إليها. وعاد وكرر مطلبه بعد لقائه رئيس المجلس نبيه بري الذي يلتقي معه على هذه النقطة، لكي تكون إحدى نقاط البحث إلى جانب اتفاق وقف النار الموقّع عام 2024 ولجنة “الميكانيزم”.

 

والحال أن رئيس الجمهورية لم يكن بعيداً من المطالبة بإحياء هذه الاتفاقية، إلا أنه ذهب اليوم ورئيس الحكومة أبعد في الموافقة على إطلاق المفاوضات المباشرة التي يأمل الرجلان أن تحقق الاستقرار والسلام الدائمين للبنان، لمنع تكرار تجارب الحروب والدمار والاختراقات المتبادلة.

 

يذكر أن الاتفاقية جاءت نتيجة لاستجابة الفريقين لقرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني 1948، كتدبير إضافي موقت بمقتضى المادة ٤٠ من ميثاق الأمم المتحدة ومن أجل الانتقال من المهادنة إلى سلم دائم في فلسطين، إلى التفاوض لعقد هدنة. وتقرر أن يدخل الطرفان في مفاوضات برئاسة الأمم المتحدة، وعيّنا ممثلين معتمدين لذلك. وتصبح الاتفاقية مبرمة فور توقيعها وتدخل حيز التنفيذ.
وترى أكثر من جهة لبنانية أنها تصلح لتشكّل الإطار لأي حل يمكن الوصول إليه، ويذهب البعض إلى اعتبار أن حلا كهذا يمكن أن يجنب لبنان المفاوضات المباشرة. يذكر أن الرئيس نجيب ميقاتي طرح الأمر بعد إنجاز اتفاق وقف النار عام 2024، إلا أن الظروف الداخلية لم تكن قد نضجت في ظل الشغور الرئاسي والتعطيل الحكومي للدخول في ملف التفاوض. لكن المشكلة المطروحة اليوم أن إسرائيل لا تكتفي (أو تعترف) بهذه الاتفاقية التي تظللها الأمم المتحدة، فيما التفاوض المباشر يتم برعاية أميركية مباشرة، تفضلها تل أبيب على ما عداها.

 

فمنذ توقيع تلك الاتفاقية وإسرائيل تثابر على خرقها، من 1967إلى 1972إلى 1982 و2006 وغيرها من محطات الحروب أو الاجتياحات أو الخروق الدائمة. وترى مصادر أن إسرائيل تحرص دائماً على إفشال تطبيقها من خلال إحباط كل عملية انتشار للجيش جنوباً.

 

وتفيد معلومات اليوم أن توافق بري وجنبلاط على إحيائها سيتطور إلى طرح عملي أكثر من خلال اقتراح تعديلات تتصل بالبنود المتعلقة بالعتاد والعديد، بما يتوافق مع القرار الدولي 1701. وتعتقد مصادر الرجلين أن موقفهما يدعم رئيسي الجمهورية والحكومة في اتصالاتهما ومشاوراتهما لتثبيت وقف النار.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار