“المبعدون إلى إسرائيل”: ظلمتهم الحرب فهل ينصفهم السلام؟

على مدار ستة وعشرين عامًا، ظل ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل القضية الأكثر تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث. هذا الجرح الذي لا يزال ينزف في وجدان تلك العائلات، يمثل في الوقت ذاته لوثة سياسية وإنسانية للدولة اللبنانية؛ أو بالأحرى للسلطات المتعاقبة التي عجزت عن معالجة الموضوع بموضوعية وبذاكرة نقية لا انتقائية بعيدة من التشوهات الناجمة عن هيمنة “الممانعة”، التي نصّبت نفسها خصمًا وحكمًا، فارضة منظورها الأيديولوجي لمعايير العمالة والوطنية.
لذلك، لا يمكن مقاربة هذه المسألة كقضية قانونية إنسانية بحتة بمعزلٍ عن إطارها التاريخي. صحيح أنها أتت عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي ولجوء عدد من أفراد “جيش لبنان الجنوبي” وعائلاتهم إلى الداخل الإسرائيلي عام 2000؛ إلا أنها في الجوهر، ليست سوى فصل من كتاب الحرب الأهلية التي أُريد لها أن تُقرأ في اتجاه واحد، حيث طُمست الحقائق من أجل تسويق رواية واحدة وتصوير فريق “وطني شريف” وآخر “خائن وعميل”، وقد لعبت الماكينات الإعلامية والفكرية التابعة للممانعة دورًا مقصودًا في تزييف الذاكرة الجماعية.
ومن المنهجيات الخاطئة، أن التحديد الرسمي الذي هيمن على عقيدة الدولة بالنسبة للعدو والصديق لم يستند إلى معايير وطنية. فالمفترض أن ينطلق تصنيف الأعداء أو الحلفاء بناءً على المصلحة العليا، وهذا ما تتصرف على أساسه معظم البلدان الطبيعية عملًا بالقاعدة السياسية السليمة في العلاقات الدولية القائلة: “لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة”.
وفي ترجمةٍ لهذا العطب، تم اعتبار إسرائيل وحدها هي العدو، بينما نظرت الدولة مرغمة إلى النظام الأسدي ومن ثمّ الإيراني كصديقين؛ في حين أن ممارساتهما بحق لبنان واللبنانيين، من هيمنة واحتلال، كانت الأشد وطأة. فكلاهما اعتبر هذا الوطن “ساحة” أو جزءًا من مشروعهما الكبيرين، كما لم يعترفا به كيانًا سياديًا مستقلا، فاستبدّا بمفاصل الحكم وانخرطا في تسعير الحرب الداخلية.
وبناءً على هذا الاختلال في المعايير، تبنت الدولة روايةً أحادية للحرب اللبنانية، صاغت من خلالها مفاهيم “الخيانة” و “العمالة” لتطابق أجندات تلك التبعية الأيديولوجية. والمؤلم في هذا السياق، أن القوى التي تجذر نضالها التاريخي في سبيل قيام الكيان والجمهورية، وآمنت ثقافيًّا وسياسيًّا وعقائديًّا بوطن سيّد مستقلّ لا شريك له في الولاء، وجدت نفسها في موقع المتهم بالعمالة؛ في المقابل، نُسبت “الوطنية” لكل مَن حمل لواء القضايا العابرة للحدود سواء كانت فلسطينية أو سورية أو إيرانية رغم أنها كانت السبب المباشر في تفكك الدولة وخرابها حتى الآن.
من هو العميل؟
وأيضًا لا يمكن تحليل قضية المبعدين من دون إثارة تساؤل جوهري: ما هو المقياس الذي يصم بالعداء كل من تحالف مع إسرائيل أو طلب مساندتها بعدما سُدّت في وجهه كل خيارات الدفاع عن الوجود، بينما يُمنح التابع فكريًّا وماليًّا وسياسيًّا وعسكريًّا لإيران صكَّ الوطنية؟ وأيهما أشد خطورة على لبنان: ذاك الذي تحالف مع إسرائيل بحكم الضرورة والمصلحة الوجودية، أم الذي ارتهن أيديولوجيًا مع كل ما تعنيه هذه الكلمة من ارتهان شامل لولاية الفقيه، وهنا مكمن الخطورة، أو للقوميات البعثية والسورية والناصرية واليسارية، وهي قوى على اختلافها العقائدي تشترك في عدم إيمانها بلبنان وتعتبره خطيئة تاريخية؟ هل محاربة إسرائيل هي “المعمودية” التي تمنح اللبناني صك الوطنية؟ بينما يُعفى التابع لـ “الجمهورية الإسلامية في إيران”، ومن قبله لنظام الأسد، من وصمة العمالة؟
تفرض القاعدة التحليلية لمعالجة قضية المبعدين العودة إلى القضية الأم، إلى نشأة “جيش لبنان الجنوبي”، التنظيم الذي ضمّ في صفوفه فئات شعبية من مختلف الطوائف المسيحية والإسلامية والدرزية، مع مفارقة لافتة تمثلت في أن الشيعة شكلوا غالبيته العددية. بينما لو اقتصر هذا الانخراط على المسيحيين أو الدروز فقط باعتبارهم الأكثر تحررًا من الأيديولوجيات الـ “أنتي لبنانية” التي طبعت القرنين الماضيين، لربما بدا الأمر مبررًا ضمن سياق طائفي، لكن انخراط السّنة والشيعة بكثافة يعكس حجم القهر والظلم الذي كابده أهالي الجنوب إبان حقبة “فتح لاند” والفصائل الموالية لها.
وتبقى صورة نثْر الأرز من قِبل النسوة والشيوخ في القرى الشيعية على مواكب الرائد سعد حداد، وهي ترفع جنبًا إلى جنب صور الإمام المغيَّب موسى الصدر، أبلغ من أي شرح وكتب حول تلك الحقبة. وفي هذا الصدد، يستذكر الأهالي كيف رُفعت صور الإمام الصدر عقب اختطافه، في معظم قرى الشريط الحدودي، مسيحية وإسلامية، في وقتٍ يرى فيه مرجع شيعي معارض لـ “نداء الوطن” أن هذه الصور اختفت تقريبًا للمفارقة في زمن حكم “المقاومة” للجنوب والشريط الحدودي. ويتذكّر أيضًا “الروزنامات السنوية” التي انتشرت حينها بين الجنوبيين مسيحيين ومسلمين، والمذيّلة بعبارة: “كلنا إيمان بعودة الإمام”.
من حمزة وخنجر إلى حداد
وفي استعراضٍ للمفارقات التاريخية، نجد أن أحفاد عصابات صادق حمزة وأدهم خنجر الذين رفضوا “لبنان الكبير” عام 1920 وطالبوا بالانضواء تحت حكم الملك فيصل (ذلك قبل نشوء دولة إسرائيل بـ 28 عامًا) كانوا هم أنفسهم من رمى المعارضين الشيعة والقرى المسيحية بتهمة “العمالة” للانتداب الفرنسي والاستعمار الغربي، وهو ما أسفر عن مقتل العشرات وتهجير قرى مسيحية لجأ بعض أهلها إلى مناطق صفد وحيفا وغيرها. كما طال الاضطهادُ الوجهاءَ الشيعة، وعلى رأسهم الزعيم كامل الأسعد (الجد) الذي اصطدم مع تلك المجموعات اعتراضًا على حروبها المناهضة لفكرة تشكيل وطن مستقل ورفضًا لمساندة الثورة السورية آنذاك. وتشير المراجع إلى أن “رسالة تهديد وصلت إلى الأسعد من قيادة الثورة في سوريا، تطالبه بإعلان موقف صريح يرفض الانضمام إلى دولة لبنان الكبير المزمع إعلانها، والتمسك بإبقاء جبل عامل ضمن المحور السوري. وكم أشبه الأمس باليوم.
ومن هذا المنطلق، يرى المرجع أن مشروع الإمام الصدر كان يهدف إلى نقل البيئة الشيعية من أيديولوجية “مؤتمر وادي الحجير” إلى رحاب الدولة والوطن. واللافت هنا، أنه مع وقوع الجنوب تحت سطوة المنظمات الفلسطينية وما تلاه من اضطهاد للأهالي، انخرط أبناء هؤلاء وأحفادهم في صفوف “الجنوبي”؛ فمن ناهض ولادة لبنان يومًا، وجد نفسه بعد عام 1975 مدافعًا عن بقائه ضد مشروع “الوطن البديل” الفلسطيني، بعدما أدرك كما نقل بعضهم فداحة الخطيئة التاريخية بحق لبنان، قائلين: “لو نجح مشروع وادي الحجير وانضممنا إلى المحيط، لكنا اليوم مسحوقين تمامًا”.
إذا تثبت الأحداث التاريخية أن تهمة “العمالة” لم ترتبط بوجود إسرائيل أو تدخل أدبيات الممانعين مع نشوئها، بل استُعملت وتستعمل كسلاح ضد كل من يرفض المشاريع المعارضة للكيان اللبناني.
وبالعودة مباشرة إلى قضية المبعدين إلى إسرائيل حيث تشير الاحصاءات غير الرسمية إلى بقاء حوالى 4 آلاف جنوبيّ معظمهم من المسيحيين والشيعة من أصل 7 آلاف دخلوا الاراضي الاسرائيلية إبان انسحاب الـ 2000 وتمركزوا بشكل أساسي في مناطق حيفا وصفد ومعالوت وطبريا، أي المناطق القريبة من لبنان، ليبقوا على تماس مع وطنهم الأم الذي رذلهم فقط لأنهم دافعوا عن مصيرهم في لحظة تخلى الكل عنهم. أما الجزء الثاني منهم فسافر إلى دول ثالثة مثل المانيا وفرنسا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، والآخرون عادوا إلى لبنان على مراحل وخضعوا للمحاكمات والسجن.
أبعد من العفو العام
في 18 تشرين الثاني 2011، أقرَّ مجلس النواب القانون رقم 194 الرامي إلى معالجة أوضاع اللبنانيين اللاجئين إلى إسرائيل، متجاوزًا منطق الإدانة الجماعية؛ إذ قارب القضية كأزمة إنسانية ووطنية أفرزتها الظروف الاستثنائية لعام 2000. ورغم إقرار النص بأن اللجوء كان مدفوعًا بخشية الانتقام أو الارتباط السابق بـ “جيش لبنان الجنوبي”، إلا أنه سلّط الضوء على مأساة عائلات كاملة وجدت نفسها في حالة اغتراب قانوني واجتماعي. وإذا كان قانون العفو العام قيد البحث اليوم يهدف إلى معالجة أوضاع فئات لبنانية مختلفة، فمن البديهي أن يُطرح أيضًا شمول اللبنانيين الموجودين في إسرائيل ضمن هذا الإطار، أسوة بغيرهم من الذين قد يشملهم العفو. فمبدأ المساواة أمام القانون، الذي كرّسته التشريعات اللبنانية، يقتضي عدم استثناء فئة من معالجة قانونية شاملة، خصوصًا عندما تكون أوضاعها ناتجة عن ظروف استثنائية مماثلة.
واليوم، مع تبدّل موازين القوى لصالح الدولة اللبنانية وتحللها من سطوة مفاهيم “الممانعة”، وأمام آفاق التفاوض المباشر ومسارات السلام، يبقى السؤال: هل ستتلقف الدولة هذه اللحظة لإعادة قراءة موضوعية لهذا الملف وتُطوى صفحة “العمالة”؟ وهل ستتحرر الدولة من سياسة “الكيل بمكيالين” وتنهي حقبة “العميل بسمنة والعميل بزيت”؟ وهل ستمتلك، إضافة إلى طلب “العفو العام”، شجاعة الاعتذار لهؤلاء عما كابدوه من ظلمٍ وتهميش، ومن محاكمات معنوية جائرة لطخت انتماءهم وشككت في وطنيتهم، عوضًا عن استرضاء مجموعات لا ترى في لبنان إلا ساحةً مستباحة؟
“المبعدون إلى إسرائيل”: ظلمتهم الحرب فهل ينصفهم السلام؟

على مدار ستة وعشرين عامًا، ظل ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل القضية الأكثر تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث. هذا الجرح الذي لا يزال ينزف في وجدان تلك العائلات، يمثل في الوقت ذاته لوثة سياسية وإنسانية للدولة اللبنانية؛ أو بالأحرى للسلطات المتعاقبة التي عجزت عن معالجة الموضوع بموضوعية وبذاكرة نقية لا انتقائية بعيدة من التشوهات الناجمة عن هيمنة “الممانعة”، التي نصّبت نفسها خصمًا وحكمًا، فارضة منظورها الأيديولوجي لمعايير العمالة والوطنية.
لذلك، لا يمكن مقاربة هذه المسألة كقضية قانونية إنسانية بحتة بمعزلٍ عن إطارها التاريخي. صحيح أنها أتت عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي ولجوء عدد من أفراد “جيش لبنان الجنوبي” وعائلاتهم إلى الداخل الإسرائيلي عام 2000؛ إلا أنها في الجوهر، ليست سوى فصل من كتاب الحرب الأهلية التي أُريد لها أن تُقرأ في اتجاه واحد، حيث طُمست الحقائق من أجل تسويق رواية واحدة وتصوير فريق “وطني شريف” وآخر “خائن وعميل”، وقد لعبت الماكينات الإعلامية والفكرية التابعة للممانعة دورًا مقصودًا في تزييف الذاكرة الجماعية.
ومن المنهجيات الخاطئة، أن التحديد الرسمي الذي هيمن على عقيدة الدولة بالنسبة للعدو والصديق لم يستند إلى معايير وطنية. فالمفترض أن ينطلق تصنيف الأعداء أو الحلفاء بناءً على المصلحة العليا، وهذا ما تتصرف على أساسه معظم البلدان الطبيعية عملًا بالقاعدة السياسية السليمة في العلاقات الدولية القائلة: “لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة”.
وفي ترجمةٍ لهذا العطب، تم اعتبار إسرائيل وحدها هي العدو، بينما نظرت الدولة مرغمة إلى النظام الأسدي ومن ثمّ الإيراني كصديقين؛ في حين أن ممارساتهما بحق لبنان واللبنانيين، من هيمنة واحتلال، كانت الأشد وطأة. فكلاهما اعتبر هذا الوطن “ساحة” أو جزءًا من مشروعهما الكبيرين، كما لم يعترفا به كيانًا سياديًا مستقلا، فاستبدّا بمفاصل الحكم وانخرطا في تسعير الحرب الداخلية.
وبناءً على هذا الاختلال في المعايير، تبنت الدولة روايةً أحادية للحرب اللبنانية، صاغت من خلالها مفاهيم “الخيانة” و “العمالة” لتطابق أجندات تلك التبعية الأيديولوجية. والمؤلم في هذا السياق، أن القوى التي تجذر نضالها التاريخي في سبيل قيام الكيان والجمهورية، وآمنت ثقافيًّا وسياسيًّا وعقائديًّا بوطن سيّد مستقلّ لا شريك له في الولاء، وجدت نفسها في موقع المتهم بالعمالة؛ في المقابل، نُسبت “الوطنية” لكل مَن حمل لواء القضايا العابرة للحدود سواء كانت فلسطينية أو سورية أو إيرانية رغم أنها كانت السبب المباشر في تفكك الدولة وخرابها حتى الآن.
من هو العميل؟
وأيضًا لا يمكن تحليل قضية المبعدين من دون إثارة تساؤل جوهري: ما هو المقياس الذي يصم بالعداء كل من تحالف مع إسرائيل أو طلب مساندتها بعدما سُدّت في وجهه كل خيارات الدفاع عن الوجود، بينما يُمنح التابع فكريًّا وماليًّا وسياسيًّا وعسكريًّا لإيران صكَّ الوطنية؟ وأيهما أشد خطورة على لبنان: ذاك الذي تحالف مع إسرائيل بحكم الضرورة والمصلحة الوجودية، أم الذي ارتهن أيديولوجيًا مع كل ما تعنيه هذه الكلمة من ارتهان شامل لولاية الفقيه، وهنا مكمن الخطورة، أو للقوميات البعثية والسورية والناصرية واليسارية، وهي قوى على اختلافها العقائدي تشترك في عدم إيمانها بلبنان وتعتبره خطيئة تاريخية؟ هل محاربة إسرائيل هي “المعمودية” التي تمنح اللبناني صك الوطنية؟ بينما يُعفى التابع لـ “الجمهورية الإسلامية في إيران”، ومن قبله لنظام الأسد، من وصمة العمالة؟
تفرض القاعدة التحليلية لمعالجة قضية المبعدين العودة إلى القضية الأم، إلى نشأة “جيش لبنان الجنوبي”، التنظيم الذي ضمّ في صفوفه فئات شعبية من مختلف الطوائف المسيحية والإسلامية والدرزية، مع مفارقة لافتة تمثلت في أن الشيعة شكلوا غالبيته العددية. بينما لو اقتصر هذا الانخراط على المسيحيين أو الدروز فقط باعتبارهم الأكثر تحررًا من الأيديولوجيات الـ “أنتي لبنانية” التي طبعت القرنين الماضيين، لربما بدا الأمر مبررًا ضمن سياق طائفي، لكن انخراط السّنة والشيعة بكثافة يعكس حجم القهر والظلم الذي كابده أهالي الجنوب إبان حقبة “فتح لاند” والفصائل الموالية لها.
وتبقى صورة نثْر الأرز من قِبل النسوة والشيوخ في القرى الشيعية على مواكب الرائد سعد حداد، وهي ترفع جنبًا إلى جنب صور الإمام المغيَّب موسى الصدر، أبلغ من أي شرح وكتب حول تلك الحقبة. وفي هذا الصدد، يستذكر الأهالي كيف رُفعت صور الإمام الصدر عقب اختطافه، في معظم قرى الشريط الحدودي، مسيحية وإسلامية، في وقتٍ يرى فيه مرجع شيعي معارض لـ “نداء الوطن” أن هذه الصور اختفت تقريبًا للمفارقة في زمن حكم “المقاومة” للجنوب والشريط الحدودي. ويتذكّر أيضًا “الروزنامات السنوية” التي انتشرت حينها بين الجنوبيين مسيحيين ومسلمين، والمذيّلة بعبارة: “كلنا إيمان بعودة الإمام”.
من حمزة وخنجر إلى حداد
وفي استعراضٍ للمفارقات التاريخية، نجد أن أحفاد عصابات صادق حمزة وأدهم خنجر الذين رفضوا “لبنان الكبير” عام 1920 وطالبوا بالانضواء تحت حكم الملك فيصل (ذلك قبل نشوء دولة إسرائيل بـ 28 عامًا) كانوا هم أنفسهم من رمى المعارضين الشيعة والقرى المسيحية بتهمة “العمالة” للانتداب الفرنسي والاستعمار الغربي، وهو ما أسفر عن مقتل العشرات وتهجير قرى مسيحية لجأ بعض أهلها إلى مناطق صفد وحيفا وغيرها. كما طال الاضطهادُ الوجهاءَ الشيعة، وعلى رأسهم الزعيم كامل الأسعد (الجد) الذي اصطدم مع تلك المجموعات اعتراضًا على حروبها المناهضة لفكرة تشكيل وطن مستقل ورفضًا لمساندة الثورة السورية آنذاك. وتشير المراجع إلى أن “رسالة تهديد وصلت إلى الأسعد من قيادة الثورة في سوريا، تطالبه بإعلان موقف صريح يرفض الانضمام إلى دولة لبنان الكبير المزمع إعلانها، والتمسك بإبقاء جبل عامل ضمن المحور السوري. وكم أشبه الأمس باليوم.
ومن هذا المنطلق، يرى المرجع أن مشروع الإمام الصدر كان يهدف إلى نقل البيئة الشيعية من أيديولوجية “مؤتمر وادي الحجير” إلى رحاب الدولة والوطن. واللافت هنا، أنه مع وقوع الجنوب تحت سطوة المنظمات الفلسطينية وما تلاه من اضطهاد للأهالي، انخرط أبناء هؤلاء وأحفادهم في صفوف “الجنوبي”؛ فمن ناهض ولادة لبنان يومًا، وجد نفسه بعد عام 1975 مدافعًا عن بقائه ضد مشروع “الوطن البديل” الفلسطيني، بعدما أدرك كما نقل بعضهم فداحة الخطيئة التاريخية بحق لبنان، قائلين: “لو نجح مشروع وادي الحجير وانضممنا إلى المحيط، لكنا اليوم مسحوقين تمامًا”.
إذا تثبت الأحداث التاريخية أن تهمة “العمالة” لم ترتبط بوجود إسرائيل أو تدخل أدبيات الممانعين مع نشوئها، بل استُعملت وتستعمل كسلاح ضد كل من يرفض المشاريع المعارضة للكيان اللبناني.
وبالعودة مباشرة إلى قضية المبعدين إلى إسرائيل حيث تشير الاحصاءات غير الرسمية إلى بقاء حوالى 4 آلاف جنوبيّ معظمهم من المسيحيين والشيعة من أصل 7 آلاف دخلوا الاراضي الاسرائيلية إبان انسحاب الـ 2000 وتمركزوا بشكل أساسي في مناطق حيفا وصفد ومعالوت وطبريا، أي المناطق القريبة من لبنان، ليبقوا على تماس مع وطنهم الأم الذي رذلهم فقط لأنهم دافعوا عن مصيرهم في لحظة تخلى الكل عنهم. أما الجزء الثاني منهم فسافر إلى دول ثالثة مثل المانيا وفرنسا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، والآخرون عادوا إلى لبنان على مراحل وخضعوا للمحاكمات والسجن.
أبعد من العفو العام
في 18 تشرين الثاني 2011، أقرَّ مجلس النواب القانون رقم 194 الرامي إلى معالجة أوضاع اللبنانيين اللاجئين إلى إسرائيل، متجاوزًا منطق الإدانة الجماعية؛ إذ قارب القضية كأزمة إنسانية ووطنية أفرزتها الظروف الاستثنائية لعام 2000. ورغم إقرار النص بأن اللجوء كان مدفوعًا بخشية الانتقام أو الارتباط السابق بـ “جيش لبنان الجنوبي”، إلا أنه سلّط الضوء على مأساة عائلات كاملة وجدت نفسها في حالة اغتراب قانوني واجتماعي. وإذا كان قانون العفو العام قيد البحث اليوم يهدف إلى معالجة أوضاع فئات لبنانية مختلفة، فمن البديهي أن يُطرح أيضًا شمول اللبنانيين الموجودين في إسرائيل ضمن هذا الإطار، أسوة بغيرهم من الذين قد يشملهم العفو. فمبدأ المساواة أمام القانون، الذي كرّسته التشريعات اللبنانية، يقتضي عدم استثناء فئة من معالجة قانونية شاملة، خصوصًا عندما تكون أوضاعها ناتجة عن ظروف استثنائية مماثلة.
واليوم، مع تبدّل موازين القوى لصالح الدولة اللبنانية وتحللها من سطوة مفاهيم “الممانعة”، وأمام آفاق التفاوض المباشر ومسارات السلام، يبقى السؤال: هل ستتلقف الدولة هذه اللحظة لإعادة قراءة موضوعية لهذا الملف وتُطوى صفحة “العمالة”؟ وهل ستتحرر الدولة من سياسة “الكيل بمكيالين” وتنهي حقبة “العميل بسمنة والعميل بزيت”؟ وهل ستمتلك، إضافة إلى طلب “العفو العام”، شجاعة الاعتذار لهؤلاء عما كابدوه من ظلمٍ وتهميش، ومن محاكمات معنوية جائرة لطخت انتماءهم وشككت في وطنيتهم، عوضًا عن استرضاء مجموعات لا ترى في لبنان إلا ساحةً مستباحة؟









