هل يحتمل لبنان ثلاث حروب؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
4 أيار 2026

لن تكون عاصفة الإساءات والتعرّض للبطريرك الماروني بكل ما حملته من انكشاف لمنسوب الحقد والثقافة التعبوية العدائية، آخر جولات التحارب الداخلي الذي يراد له أن يحاصر أركان السلطة وكل المكوّنات الوطنية الأخرى، على يد “الحزب” في المرحلة الحاسمة الأخيرة من الحرب التي استدرجها مع إسرائيل. ولكن ما يتجاوز خطورة استحضار العامل الفتنوي الآن، لا يقف عند حدود الشحن الطائفي والعصبي كوسيلة استحضار الخاصرة الرخوة في تاريخ لبنان قديماً وحديثاً لأن سياسات انتحارية تتحكم به كرهينة، بل لكون هذا التطوّر يرسّخ واقعاً جهنمياً يضع لبنان أمام متاهة ثلاث حروب تتسابق على تمزيقه، على نحو لا يعود معه ممكناً الجزم “العاطفي” بأنه سيخرج سالماً في الحدود الدنيا بعد نهايات لا نعرف متى وكيف ستحلّ وأيّ لبنان هذا سيكون بعدها.

 

الحروب المتسابقة

الحروب المتزامنة المتسابقة هذه تتوزع بين استعار الحرب الميدانية التي يبدو الجنوب أولاً ساحة مفتوحة لها بما لم يعد يقاس بالتجارب الحربية السابقة خصوصاً أن ما لا يعترف به أهل أيديولوجية الانتصار الوهمي الدائم، هو أن إسرائيل في ما تقوم به من إبادة لعشرات البلدات والقرى وتوسيع شعاع الخطوط الصفراء والحمراء إنما تقيم واقعاً احتلالياً كارثياً هذه المرة قد يرقى إلى مستويات الضم المماثل لضم الجولان، فيما الحزب يمضي في إعماء بيئته بوهم انتصارات مسيّراته.

 

في موازاة ذلك تتنامى معالم حرب  سياسية داخلية وخارجية ديبلوماسية من خلال الضغوط التي تتعاظم على رئيس الجمهورية والجيش اللبناني أولاً وتباعاً على رئيس الحكومة والحكومة والدولة كلاً في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ما بات يُخشى منه في ظل إلحاح إدارة الرئيس دونالد ترامب على التقاط صورة تاريخيّة دراماتيكية للرئيس جوزف عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل المفاوضات وقبل الاتفاق الذي يفترض أن تؤدّي إليه، أن تختلّ دعامة الرعاية الأميركية للمفاوضات من جهة وتترسّخ صورة عجز الدولة عن الإيفاء بمتطلبات المفاوضات، شكلية كانت أو جوهرية من جهة أخرى، في حال تعذر إقناع إدارة ترامب بالتمهّل وتقديم المفاوضات أولاً على لقاء عون ونتنياهو. يحصل هذا الاستعصاء فيما تدور معالم تجاذبات وضغوط ديبلوماسية عربية وخليجية وأوربية على لبنان لا تخدم في تسهيل اتخاذه القرار الحاسم وكأنه أمام حرب مصالح متشعبة ومتشابكة تحت الطاولات تمعن أيضاً في تردد الرئاسة والحكومة والدولة أمام التزامات سيرتبها الذهاب إلى التفاوض.

وأما الحرب الثالثة التي بدأت تتقدّم بتداعياتها الخطيرة على ما سبق، فهي في موشرات افتعال الأزمة الداخلية على مستوى المؤسسات الدستورية أولاً والشارع تالياً. ما جرى الأسبوع الماضي بين بعبدا وعين التينة، لا يقلّ عن إقامة أول متراس متقدّم بين أهل السلطة من شأن تطوّره السلبي أن يستعيد وجوهاً مستحضرة بتعمّد وقصد، من تجارب الانقسامات السلطوية التي واكبت نشوء مرحلة الصراع بين معسكري “شكراً سوريا” و”لا للوصاية السورية” في عام 2005 واشتعال حرب الاغتيالات آنذاك. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإن افتعال فتنة كما ارتسمت نماذج من محاولات إشعالها البارحة، يبدو السلاح الأمضى الذي يحاول رافضو المفاوضات الذهاب إليه بأسرع الممكن قبل أن يدهمهم أمر واقع تجسّده طاولة تفاوض في واشنطن تحمل صورتها معالم نزاع الأذرع الإيرانية المنتشرة من اليمن إلى لبنان. وبإزاء ذلك، فإن أخطر الأوهام هو عدم الاعتراف بتحويل لبنان إلى مسرح ثلاثي لهذه الحروب.

هل يحتمل لبنان ثلاث حروب؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
4 أيار 2026

لن تكون عاصفة الإساءات والتعرّض للبطريرك الماروني بكل ما حملته من انكشاف لمنسوب الحقد والثقافة التعبوية العدائية، آخر جولات التحارب الداخلي الذي يراد له أن يحاصر أركان السلطة وكل المكوّنات الوطنية الأخرى، على يد “الحزب” في المرحلة الحاسمة الأخيرة من الحرب التي استدرجها مع إسرائيل. ولكن ما يتجاوز خطورة استحضار العامل الفتنوي الآن، لا يقف عند حدود الشحن الطائفي والعصبي كوسيلة استحضار الخاصرة الرخوة في تاريخ لبنان قديماً وحديثاً لأن سياسات انتحارية تتحكم به كرهينة، بل لكون هذا التطوّر يرسّخ واقعاً جهنمياً يضع لبنان أمام متاهة ثلاث حروب تتسابق على تمزيقه، على نحو لا يعود معه ممكناً الجزم “العاطفي” بأنه سيخرج سالماً في الحدود الدنيا بعد نهايات لا نعرف متى وكيف ستحلّ وأيّ لبنان هذا سيكون بعدها.

 

الحروب المتسابقة

الحروب المتزامنة المتسابقة هذه تتوزع بين استعار الحرب الميدانية التي يبدو الجنوب أولاً ساحة مفتوحة لها بما لم يعد يقاس بالتجارب الحربية السابقة خصوصاً أن ما لا يعترف به أهل أيديولوجية الانتصار الوهمي الدائم، هو أن إسرائيل في ما تقوم به من إبادة لعشرات البلدات والقرى وتوسيع شعاع الخطوط الصفراء والحمراء إنما تقيم واقعاً احتلالياً كارثياً هذه المرة قد يرقى إلى مستويات الضم المماثل لضم الجولان، فيما الحزب يمضي في إعماء بيئته بوهم انتصارات مسيّراته.

 

في موازاة ذلك تتنامى معالم حرب  سياسية داخلية وخارجية ديبلوماسية من خلال الضغوط التي تتعاظم على رئيس الجمهورية والجيش اللبناني أولاً وتباعاً على رئيس الحكومة والحكومة والدولة كلاً في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ما بات يُخشى منه في ظل إلحاح إدارة الرئيس دونالد ترامب على التقاط صورة تاريخيّة دراماتيكية للرئيس جوزف عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل المفاوضات وقبل الاتفاق الذي يفترض أن تؤدّي إليه، أن تختلّ دعامة الرعاية الأميركية للمفاوضات من جهة وتترسّخ صورة عجز الدولة عن الإيفاء بمتطلبات المفاوضات، شكلية كانت أو جوهرية من جهة أخرى، في حال تعذر إقناع إدارة ترامب بالتمهّل وتقديم المفاوضات أولاً على لقاء عون ونتنياهو. يحصل هذا الاستعصاء فيما تدور معالم تجاذبات وضغوط ديبلوماسية عربية وخليجية وأوربية على لبنان لا تخدم في تسهيل اتخاذه القرار الحاسم وكأنه أمام حرب مصالح متشعبة ومتشابكة تحت الطاولات تمعن أيضاً في تردد الرئاسة والحكومة والدولة أمام التزامات سيرتبها الذهاب إلى التفاوض.

وأما الحرب الثالثة التي بدأت تتقدّم بتداعياتها الخطيرة على ما سبق، فهي في موشرات افتعال الأزمة الداخلية على مستوى المؤسسات الدستورية أولاً والشارع تالياً. ما جرى الأسبوع الماضي بين بعبدا وعين التينة، لا يقلّ عن إقامة أول متراس متقدّم بين أهل السلطة من شأن تطوّره السلبي أن يستعيد وجوهاً مستحضرة بتعمّد وقصد، من تجارب الانقسامات السلطوية التي واكبت نشوء مرحلة الصراع بين معسكري “شكراً سوريا” و”لا للوصاية السورية” في عام 2005 واشتعال حرب الاغتيالات آنذاك. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإن افتعال فتنة كما ارتسمت نماذج من محاولات إشعالها البارحة، يبدو السلاح الأمضى الذي يحاول رافضو المفاوضات الذهاب إليه بأسرع الممكن قبل أن يدهمهم أمر واقع تجسّده طاولة تفاوض في واشنطن تحمل صورتها معالم نزاع الأذرع الإيرانية المنتشرة من اليمن إلى لبنان. وبإزاء ذلك، فإن أخطر الأوهام هو عدم الاعتراف بتحويل لبنان إلى مسرح ثلاثي لهذه الحروب.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار