“الحزب” ليس ضدّ التّفاوض مع الشّيطان؟

إذا كان من صنعة واحدة يتقنها المشروع الإيرانيّ في المنطقة فهي التفاوض، وإذا كان من هدف سياسيّ واحد له فهو الصفقة. التفاوض والصفقة هما منتهى اللعبة الإيرانيّة التي تشعل المنطقة منذ 47 عاماً، فعلامَ الاعتراض على رئيس الجمهوريّة جوزف عون؟ بجملة واحدة: لأنّه ينتزع من إيران و”الحزب” حصريّة التفاوض وامتياز الصفقة مع الشيطان. إنّه لا يرفض التفاوض، بل يرفض أن يفاوض أحدٌ سواه.
ليست لدى “الحزب” مشكلة في أساس مبدأ التفاوض، مباشراً كان أم غير مباشر، فنظام الوليّ الفقيه نفسه يفاوض “الشيطان الأكبر” منذ أسابيع، وقد التقى رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ، المسؤول عن ملفّ التفاوض محمّد باقر قاليباف بنائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس في إسلام آباد، وصافحه قبل أن تجفّ دماء الطالبات الإيرانيّات الـ 168 اللواتي قُتلن في القصف الأميركيّ على مدرستهنّ. مشكلة “الحزب” فقط أنّ الدولة اللبنانيّة هي الطرف المفاوض، وأنّها لا تفاوض باسمه، بل إنّه هو وسلاحه مادّة التفاوض.
ليست الصفقة مع الأميركيّين أبغض الحلال في المذهب السياسيّ الإيرانيّ، بل هي معيار النجاح الاستراتيجيّ، والتفاوض مع الأميركيّين ليس أقلّ من العمود الفقريّ للممارسة السياسيّة للنظام على مدى نصف قرن، بل هو الفنّ الذي يتباهى به الحكم، ويسرد من وحيه الأساطير حول طول أناة “حائك السجّاد”.
إيران: اقتسام النفوذ..
لا يمكن فهم عناوين العداء لأميركا، والهجوم على مصالحها، إلّا في إطار التفاوض الأكبر على اقتسام النفوذ في المنطقة. هذا ما يفسّر إقرار الإيرانيّين بأنّهم سهّلوا الاحتلال الأميركيّ لأفغانستان، وتعاونهم معه في العراق كلّما وجدوا مصلحة في ذلك. في التاريخ الأبعد، أطلّ حكم آيات الملالي على السياسة الدوليّة من خلال صفقة “إيران كونترا”، مع إدارة الرئيس رونالد ريغان وإسرائيل لشراء السلاح منهما تحت الطاولة، فيما كان أنصار النظام يخطفون الرهائن في السفارة الأميركيّة في طهران ويهتفون “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”! كانت تلك الصفقة فضيحة في أميركا وإسرائيل، لكنّها لم تكن كذلك في إيران. إنّها جزء من طبيعة النظام الذي يهاجم “الشيطانَين” فوق الطاولة ليفاوضهما ويعقد الصفقات من تحتها.
حكمت فكرة الصفقة الحركة السياسيّة في الداخل اللبنانيّ لعقدين من الزمان. أتت الصفقة بميشال عون من باريس ليذهب إلى “تفاهم مار مخايل” مع “الحزب”، ويقلب الطاولة على تحالف 14 آذار. لم يكن عون يخفي رهانه على الصفقة الكبرى المنتظرة بين أميركا وإيران على حساب العرب، وقد أظهرت وثائق ويكيليكس الكثير من جوانب ذلك التفكير.
يريد “الحزب” ضمّ الملفّ اللبنانيّ إلى طاولة إسلام آباد ليكون الجنوب وأهله وقراه نقطة من نقاط طهران الأربع عشرة، ولتظلّ صواريخ “الحزب” ومسيّراته وزهرة عمر شبابه أوراقاً بيد الحرس الثوريّ.
الإشكال الذي يطرحه “الحزب” على التفاوض عبر إعلامه ومؤثّريه أنّ الدولة تفاوض من دون أن تمتلك الأوراق، باعتبار أنّ “الحزب” هو من يملك الصواريخ والمسيّرات وقرار إطلاق النار أو وقفه، ولا تستطيع الدولة إلزامه بشيء. وهو إشكال في محلّه عمليّاً. لكنّ “الحزب” لا يخجل من القول إنّ إيران تستطيع أن تفاوض عنه وباسمه، وأن تلزمه بمخرجات مفاوضاتها مع الأميركيّين.
توفير الغطاء فقط
حقيقة الأمر أنّ “الحزب” يقدّم نفسه للّبنانيّين جزءاً لا يتجزّأ من إيران، حرباً وتفاوضاً وسلماً، فيما يرفض أن يضع نفسه تحت القرار السياسيّ للدولة، حتّى ولو ظلّ وحيداً في وجه غالبيّة مكوّنات الطيف السياسيّ والطائفيّ في البلاد.
يخوض “الحزب” حربه الأخيرة للتشبّث بأوراق التفاوض والامتياز الإيرانيّ الخالص لعقد الصفقة، ويخلي نفسه من مسؤوليّة التبعات الإنسانيّة والاقتصاديّة المترتّبة على قرارات الحرب والسلم التي يحتكرها لنفسه. يلحّ “الحزب” على فكرة أنّه هو من يمتلك “الأوراق”، ليقول تالياً إنّه هو من يحتكر حقّ استخدامها في التفاوض. لا يكتفي هذا الاحتكار بإقصاء الدولة، بل يعيد تعريفها. الدولة، وفق هذا المنطق، تفاوض حين يُطلب منها أن تفاوض، كما فاوضت في الحروب السابقة، ثمّ ينسب لها الإخفاق كلّه، من استشهاد أمال خليل إلى احتلال القرى، وينسب لنفسه النصر كاملاً غير منقوص، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً. بذلك لا يشكّل “الحزب” والدولة فريقاً واحداً يتوزّع الأدوار، ولا يشكّل “الشعب والجيش والمقاومة” ثلاثيّة ذهبيّة، بل إنّ هناك “مقاومةً” تشكّل جزءاً من أوراق التفاوض الإيرانيّ، فيما تنحصر وظيفة الدولة بتوفير غطاء رسميّ لها، وتتحمّل تكلفة النتائج من دون أن تملك حقّ صناعتها.
هكذا يُختزل الجنوب إلى ورقة، ويُختزل أهله إلى ثمن تفاوضيّ في المشروع الإيرانيّ الكبير. لم تعد القضيّة: كيف نحمي لبنان؟ بل: كم يساوي لبنان على طاولة إسلام آباد؟
“الحزب” ليس ضدّ التّفاوض مع الشّيطان؟

إذا كان من صنعة واحدة يتقنها المشروع الإيرانيّ في المنطقة فهي التفاوض، وإذا كان من هدف سياسيّ واحد له فهو الصفقة. التفاوض والصفقة هما منتهى اللعبة الإيرانيّة التي تشعل المنطقة منذ 47 عاماً، فعلامَ الاعتراض على رئيس الجمهوريّة جوزف عون؟ بجملة واحدة: لأنّه ينتزع من إيران و”الحزب” حصريّة التفاوض وامتياز الصفقة مع الشيطان. إنّه لا يرفض التفاوض، بل يرفض أن يفاوض أحدٌ سواه.
ليست لدى “الحزب” مشكلة في أساس مبدأ التفاوض، مباشراً كان أم غير مباشر، فنظام الوليّ الفقيه نفسه يفاوض “الشيطان الأكبر” منذ أسابيع، وقد التقى رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ، المسؤول عن ملفّ التفاوض محمّد باقر قاليباف بنائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس في إسلام آباد، وصافحه قبل أن تجفّ دماء الطالبات الإيرانيّات الـ 168 اللواتي قُتلن في القصف الأميركيّ على مدرستهنّ. مشكلة “الحزب” فقط أنّ الدولة اللبنانيّة هي الطرف المفاوض، وأنّها لا تفاوض باسمه، بل إنّه هو وسلاحه مادّة التفاوض.
ليست الصفقة مع الأميركيّين أبغض الحلال في المذهب السياسيّ الإيرانيّ، بل هي معيار النجاح الاستراتيجيّ، والتفاوض مع الأميركيّين ليس أقلّ من العمود الفقريّ للممارسة السياسيّة للنظام على مدى نصف قرن، بل هو الفنّ الذي يتباهى به الحكم، ويسرد من وحيه الأساطير حول طول أناة “حائك السجّاد”.
إيران: اقتسام النفوذ..
لا يمكن فهم عناوين العداء لأميركا، والهجوم على مصالحها، إلّا في إطار التفاوض الأكبر على اقتسام النفوذ في المنطقة. هذا ما يفسّر إقرار الإيرانيّين بأنّهم سهّلوا الاحتلال الأميركيّ لأفغانستان، وتعاونهم معه في العراق كلّما وجدوا مصلحة في ذلك. في التاريخ الأبعد، أطلّ حكم آيات الملالي على السياسة الدوليّة من خلال صفقة “إيران كونترا”، مع إدارة الرئيس رونالد ريغان وإسرائيل لشراء السلاح منهما تحت الطاولة، فيما كان أنصار النظام يخطفون الرهائن في السفارة الأميركيّة في طهران ويهتفون “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”! كانت تلك الصفقة فضيحة في أميركا وإسرائيل، لكنّها لم تكن كذلك في إيران. إنّها جزء من طبيعة النظام الذي يهاجم “الشيطانَين” فوق الطاولة ليفاوضهما ويعقد الصفقات من تحتها.
حكمت فكرة الصفقة الحركة السياسيّة في الداخل اللبنانيّ لعقدين من الزمان. أتت الصفقة بميشال عون من باريس ليذهب إلى “تفاهم مار مخايل” مع “الحزب”، ويقلب الطاولة على تحالف 14 آذار. لم يكن عون يخفي رهانه على الصفقة الكبرى المنتظرة بين أميركا وإيران على حساب العرب، وقد أظهرت وثائق ويكيليكس الكثير من جوانب ذلك التفكير.
يريد “الحزب” ضمّ الملفّ اللبنانيّ إلى طاولة إسلام آباد ليكون الجنوب وأهله وقراه نقطة من نقاط طهران الأربع عشرة، ولتظلّ صواريخ “الحزب” ومسيّراته وزهرة عمر شبابه أوراقاً بيد الحرس الثوريّ.
الإشكال الذي يطرحه “الحزب” على التفاوض عبر إعلامه ومؤثّريه أنّ الدولة تفاوض من دون أن تمتلك الأوراق، باعتبار أنّ “الحزب” هو من يملك الصواريخ والمسيّرات وقرار إطلاق النار أو وقفه، ولا تستطيع الدولة إلزامه بشيء. وهو إشكال في محلّه عمليّاً. لكنّ “الحزب” لا يخجل من القول إنّ إيران تستطيع أن تفاوض عنه وباسمه، وأن تلزمه بمخرجات مفاوضاتها مع الأميركيّين.
توفير الغطاء فقط
حقيقة الأمر أنّ “الحزب” يقدّم نفسه للّبنانيّين جزءاً لا يتجزّأ من إيران، حرباً وتفاوضاً وسلماً، فيما يرفض أن يضع نفسه تحت القرار السياسيّ للدولة، حتّى ولو ظلّ وحيداً في وجه غالبيّة مكوّنات الطيف السياسيّ والطائفيّ في البلاد.
يخوض “الحزب” حربه الأخيرة للتشبّث بأوراق التفاوض والامتياز الإيرانيّ الخالص لعقد الصفقة، ويخلي نفسه من مسؤوليّة التبعات الإنسانيّة والاقتصاديّة المترتّبة على قرارات الحرب والسلم التي يحتكرها لنفسه. يلحّ “الحزب” على فكرة أنّه هو من يمتلك “الأوراق”، ليقول تالياً إنّه هو من يحتكر حقّ استخدامها في التفاوض. لا يكتفي هذا الاحتكار بإقصاء الدولة، بل يعيد تعريفها. الدولة، وفق هذا المنطق، تفاوض حين يُطلب منها أن تفاوض، كما فاوضت في الحروب السابقة، ثمّ ينسب لها الإخفاق كلّه، من استشهاد أمال خليل إلى احتلال القرى، وينسب لنفسه النصر كاملاً غير منقوص، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً. بذلك لا يشكّل “الحزب” والدولة فريقاً واحداً يتوزّع الأدوار، ولا يشكّل “الشعب والجيش والمقاومة” ثلاثيّة ذهبيّة، بل إنّ هناك “مقاومةً” تشكّل جزءاً من أوراق التفاوض الإيرانيّ، فيما تنحصر وظيفة الدولة بتوفير غطاء رسميّ لها، وتتحمّل تكلفة النتائج من دون أن تملك حقّ صناعتها.
هكذا يُختزل الجنوب إلى ورقة، ويُختزل أهله إلى ثمن تفاوضيّ في المشروع الإيرانيّ الكبير. لم تعد القضيّة: كيف نحمي لبنان؟ بل: كم يساوي لبنان على طاولة إسلام آباد؟








