بين “تحسّن الـ90%” وواقع الهشاشة: ماذا تغيّر في لبنان خلال عام؟

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
7 أيار 2026

لم يكن توصيف رئيس الحكومة نواف سلام الوضع في لبنان بأنه “أفضل بنسبة 90 في المئة” تفصيلاً عابراً أو مجرد تفاؤل سياسي في لحظة إقليمية دقيقة. هو توصيف يحمل في طياته محاولة لقياس سنة كاملة من التحولات الأمنية والإدارية، في بلد يعيش على وقع حرب مفتوحة وارتداداتها الثقيلة. لكنه على جاذبيته، يطرح سؤالاً بديهياً: هل نحن فعلاً أمام تحوّل نوعي، أو أمام تحسين نسبي في عام واحد، يمكن خلاله رصد تبدلات ملموسة في الأداء الأمني، ولا سيما على مستوى ضبط المعابر إدارة أزمة مستمرة؟

تحسّن تقني… لا حسم بنيويّاً

الحدود مع سوريا، وقد شكّلت لسنوات طويلة الخاصرة الرخوة للدولة اللبنانية، شهدت تشديداً ملحوظاً، سواء عبر انتشار أوسع للقوى الأمنية أو عبر تنسيق أفضل بين الأجهزة. لا يعني ذلك أن التهريب قد انتهى، لكنه لم يعد بالوتيرة العلنية والفوضوية التي كان عليها سابقاً، بل بات أكثر تراجعاً أو تحوّلاً إلى مسارات أقل انكشافاً.

الأمر نفسه ينسحب على المعابر الشرعية، حيث سجّل كل من مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت تقدما في إجراءات التفتيش والرقابة. هذا التحسّن لا يرتبط فقط بالتقنيات، بل أيضاً بتشديد إداري وأمني  ورفع مستوى المحاسبة، وهو ما يفسّر حديث سلام عن نسبة مرتفعة من التحسن. إلا أن هذه النسبة، في جوهرها، تبقى تقديراً سياسياً أكثر منها مؤشراً علمياً قابلاً للقياس الدقيق.

 

استقرار تحت سقف السياسة

في موازاة ذلك، يبرز عنصر أساسي في تقييم الوضع: الاستقرار الأمني الداخلي. فعلى الرغم من الحرب الضروس في الجنوب، نجح الجيش اللبناني في منع انتقال التوترات إلى الداخل، وضبط الإيقاع الأمني في المدن، والحد من مظاهر السلاح المتفلت التي كانت تظهر عند كل استحقاق أو احتكاك سياسي. هذا التطور ليس تفصيلاً، بل يعكس تحسناً في القدرة على “إدارة الاستقرار” في بيئة شديدة التعقيد.
غير أن الاستقرار يبقى مضبوطاً أكثر منه مستقراً بالمعنى البنيوي. فالسلاح خارج إطار الدولة لا يزال قائماً، لكنّه اليوم محكوم بسقوف سياسية واضحة تحول دون انفجاره في الداخل. لذا يكتسب كلام سلام على عدم وضع الجيش في مواجهة أحد دلالته الفعلية: ليس المطلوب مواجهة مباشرة قد تفتح الباب على فوضى شاملة، بل إدارة دقيقة للتوازنات، ريثما تنضج ظروف مختلفة لمعالجة أصل المشكلة.

في هذا السياق، يمكن فهم الخطاب الرسمي الحالي على أنه جزء من محاولة تثبيت معادلة جديدة: دولة تستعيد تدريجاً دورها الرقابي، من دون صدام مع الوقائع القائمة. وهي معادلة تعكس إدراكاً عميقاً لحدود القدرة، بقدر ما تعكس رغبة في تحسين الأداء ضمن هذه الحدود.

وعليه، فإن ما تغيّر خلال عام لا يمكن اختزاله برقم، مهما بدا مرتفعاً. فلبنان لم ينتقل إلى مرحلة السيطرة الكاملة أو الاستقرار المستدام، بل خرج من حالة الانفلات الواسع إلى مستوى من الضبط النسبي. إنه تقدّم فعلي، لكنّه هشّ، وقابل للاهتزاز عند أول اختبار إقليمي كبير.

بين “تحسّن الـ90%” وواقع الهشاشة: ماذا تغيّر في لبنان خلال عام؟

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
7 أيار 2026

لم يكن توصيف رئيس الحكومة نواف سلام الوضع في لبنان بأنه “أفضل بنسبة 90 في المئة” تفصيلاً عابراً أو مجرد تفاؤل سياسي في لحظة إقليمية دقيقة. هو توصيف يحمل في طياته محاولة لقياس سنة كاملة من التحولات الأمنية والإدارية، في بلد يعيش على وقع حرب مفتوحة وارتداداتها الثقيلة. لكنه على جاذبيته، يطرح سؤالاً بديهياً: هل نحن فعلاً أمام تحوّل نوعي، أو أمام تحسين نسبي في عام واحد، يمكن خلاله رصد تبدلات ملموسة في الأداء الأمني، ولا سيما على مستوى ضبط المعابر إدارة أزمة مستمرة؟

تحسّن تقني… لا حسم بنيويّاً

الحدود مع سوريا، وقد شكّلت لسنوات طويلة الخاصرة الرخوة للدولة اللبنانية، شهدت تشديداً ملحوظاً، سواء عبر انتشار أوسع للقوى الأمنية أو عبر تنسيق أفضل بين الأجهزة. لا يعني ذلك أن التهريب قد انتهى، لكنه لم يعد بالوتيرة العلنية والفوضوية التي كان عليها سابقاً، بل بات أكثر تراجعاً أو تحوّلاً إلى مسارات أقل انكشافاً.

الأمر نفسه ينسحب على المعابر الشرعية، حيث سجّل كل من مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت تقدما في إجراءات التفتيش والرقابة. هذا التحسّن لا يرتبط فقط بالتقنيات، بل أيضاً بتشديد إداري وأمني  ورفع مستوى المحاسبة، وهو ما يفسّر حديث سلام عن نسبة مرتفعة من التحسن. إلا أن هذه النسبة، في جوهرها، تبقى تقديراً سياسياً أكثر منها مؤشراً علمياً قابلاً للقياس الدقيق.

 

استقرار تحت سقف السياسة

في موازاة ذلك، يبرز عنصر أساسي في تقييم الوضع: الاستقرار الأمني الداخلي. فعلى الرغم من الحرب الضروس في الجنوب، نجح الجيش اللبناني في منع انتقال التوترات إلى الداخل، وضبط الإيقاع الأمني في المدن، والحد من مظاهر السلاح المتفلت التي كانت تظهر عند كل استحقاق أو احتكاك سياسي. هذا التطور ليس تفصيلاً، بل يعكس تحسناً في القدرة على “إدارة الاستقرار” في بيئة شديدة التعقيد.
غير أن الاستقرار يبقى مضبوطاً أكثر منه مستقراً بالمعنى البنيوي. فالسلاح خارج إطار الدولة لا يزال قائماً، لكنّه اليوم محكوم بسقوف سياسية واضحة تحول دون انفجاره في الداخل. لذا يكتسب كلام سلام على عدم وضع الجيش في مواجهة أحد دلالته الفعلية: ليس المطلوب مواجهة مباشرة قد تفتح الباب على فوضى شاملة، بل إدارة دقيقة للتوازنات، ريثما تنضج ظروف مختلفة لمعالجة أصل المشكلة.

في هذا السياق، يمكن فهم الخطاب الرسمي الحالي على أنه جزء من محاولة تثبيت معادلة جديدة: دولة تستعيد تدريجاً دورها الرقابي، من دون صدام مع الوقائع القائمة. وهي معادلة تعكس إدراكاً عميقاً لحدود القدرة، بقدر ما تعكس رغبة في تحسين الأداء ضمن هذه الحدود.

وعليه، فإن ما تغيّر خلال عام لا يمكن اختزاله برقم، مهما بدا مرتفعاً. فلبنان لم ينتقل إلى مرحلة السيطرة الكاملة أو الاستقرار المستدام، بل خرج من حالة الانفلات الواسع إلى مستوى من الضبط النسبي. إنه تقدّم فعلي، لكنّه هشّ، وقابل للاهتزاز عند أول اختبار إقليمي كبير.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار