الجنوب يشتعل… ومفاوضات واشنطن تتأرجح بين الضغط والتسوية

إن تجربة لبنان مع وقفات إطلاق النار لا تشجع شيء تتطابق كثيرًا مع القول المأثور للرئيس نبيه بري بأنه “لا تقول فول حتى يصير بالمكيول”. فهل يكون “ثالث الهدنات ثابتًا”، خصوصًا أن الأجواء التي سبقت بيان الوفد اللبناني إلى مفاوضات واشنطن توحي بشيء من التفاؤل الحذر إذا صدقت المعلومات، التي تحدّثت عن تعهد لرئيس مجلس النواب بموافقة “حزب الله” على وقف لإطلاق النار إذا التزمت اسرائيل من جهتها بهذا الموقف.
وفي اعتقاد بعض الأوساط الديبلوماسية غير البعيدة عن الأجواء، التي سبقت صدور البيان اللبناني وما رافقها من اتصالات بين دوائر “بعبدا” و”عين التينة”، أنه لو لم يلمس مفاوضو واشنطن شيئًا من الايجابية في هذه الاتصالات لما كان صدر هذا البيان، وما فيه من مؤشرات تفاؤلية بالنسبة إلى وقف النار في صورة إيجابية تمهيدا لخطوات سياسية وديبلوماسية متقدمة بالنسبة إلى الوضع الجنوبي الذي لا يزال متأزمًا، على رغم ما لمسه الوفد اللبناني من الوفد الاسرائيلي من تجاوب مع المسعى اللبناني، خصوصا لجهة تسهيل عمل المؤسسات الأمنية في لبنان وتفعيل القرارات الحكومية الخاصة بحصر السلاح بيد القوى العسكرية اللبنانية الشرعية.
من بين الوقائع المتسارعة التي يعيشها لبنان، ومعه جميع اللبنانيين، وبالأخص البيئة الحاضنة لـ “الثنائي الشيعي” أنه لم يعد ممكناً الفصل بين التصعيد الميداني في الجنوب وبين المفاوضات الجارية في واشنطن، لأن كلاً منهما بات يستخدم الآخر كورقة ضغط وتحسين شروط. فالميدان اليوم لا يتحرك بعيداً من السياسة، كما أنّ التفاوض لم يعد منفصلاً عن حسابات النار والرسائل العسكرية المتبادلة.
في الواقع، يبدو الجنوب وكأنه دخل من جديد مرحلة “الضغط بالنار”، حيث تحاول إسرائيل عبر تكثيف غاراتها وعملياتها العسكرية فرض وقائع أمنية جديدة على الأرض، قبل الوصول إلى أي اتفاق سياسي أو أمني نهائي قبل أو بعد 29 الشهر الجاري. وهي تسعى، من خلال هذا التصعيد، إلى القول للراعي الأميركي وللوسطاء الدوليين إنّ العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة، وإنّ أي تسوية مقبلة يجب أن تتضمن ضمانات أمنية صارمة، تبدأ بإبعاد خطر “حزب الله” عن الحدود الشمالية لإسرائيل.
في المقابل، يتعامل “حزب الله” مع الميدان باعتباره أيضاً ورقة تفاوض غير مباشرة. ف”الحزب” يدرك أنّ استمرار الضغط العسكري يمنع إسرائيل من فرض شروطها كاملة، ويؤكد أنّ أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تُفرض بالقوة أو بالإملاءات السياسية. لذلك، تبدو الجبهة الجنوبية وكأنها تتحول تدريجياً إلى مساحة “عضّ أصابع” إقليمية مفتوحة، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي بالنار، من دون الانزلاق الكامل، حتى الآن، إلى حرب شاملة.
أما واشنطن، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة للغاية. فهي من جهة تريد حماية إسرائيل ومنع تدهور الوضع الأمني على حدودها الشمالية، لكنها من جهة أخرى لا تبدو راغبة بحرب واسعة في لبنان قد تؤدي إلى انفجار إقليمي شامل، خصوصاً في ظل التعقيدات القائمة في غزة والبحر الأحمر والعراق وسوريا.
من هنا يمكن فهم ردود الفعل على ما توصّلت إليه مفاوضات واشنطن. فالمشكلة بالنسبة إلى البعض لم تعد تقنية أو مرتبطة فقط بآليات تنفيذ القرار 1701، بل أصبحت مرتبطة بجوهر الصراع نفسه. فهل المطلوب مجرد تهدئة حدودية، أم إعادة رسم قواعد الاشتباك بالكامل، أم فرض توازن جديد في الجنوب بالقوة السياسية والعسكرية معاً؟وتشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ واشنطن تحاول الدفع نحو صيغة تقوم على تعزيز انتشار الجيش جنوباً، واستبدال “اليونيفيل” بقوات دولية ذات صلاحيات واسعة، وتقليص المظاهر العسكرية لـ “حزب الله” قرب الحدود، مقابل وقف الغارات الإسرائيلية والانتقال إلى تفاهمات أمنية طويلة الأمد.
لكن العقبة الأساسية، وفق بعض الأوساط الديبلوماسية، تكمن في انعدام الثقة بين الأطراف. فإسرائيل تريد ضمانات ملموسة وسريعة، فيما يعتبر “حزب الله” أنّ أي انسحاب أو تراجع تحت الضغط العسكري سيُقرأ كتحول استراتيجي في ميزان الردع.
وفي هذا السياق، يُخشى أن يتحول التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض بحد ذاته. فكل غارة، وكل عملية، وكل تهديد، يحمل رسالة سياسية موازية للطاولة الديبلوماسية في واشنطن. لذلك، فإن استمرار الاشتباك لا يعني بالضرورة فشل المفاوضات، بل قد يكون جزءاً من عملية الضغط المتبادل للوصول إلى تسوية بشروط أفضل.
الجنوب يشتعل… ومفاوضات واشنطن تتأرجح بين الضغط والتسوية

إن تجربة لبنان مع وقفات إطلاق النار لا تشجع شيء تتطابق كثيرًا مع القول المأثور للرئيس نبيه بري بأنه “لا تقول فول حتى يصير بالمكيول”. فهل يكون “ثالث الهدنات ثابتًا”، خصوصًا أن الأجواء التي سبقت بيان الوفد اللبناني إلى مفاوضات واشنطن توحي بشيء من التفاؤل الحذر إذا صدقت المعلومات، التي تحدّثت عن تعهد لرئيس مجلس النواب بموافقة “حزب الله” على وقف لإطلاق النار إذا التزمت اسرائيل من جهتها بهذا الموقف.
وفي اعتقاد بعض الأوساط الديبلوماسية غير البعيدة عن الأجواء، التي سبقت صدور البيان اللبناني وما رافقها من اتصالات بين دوائر “بعبدا” و”عين التينة”، أنه لو لم يلمس مفاوضو واشنطن شيئًا من الايجابية في هذه الاتصالات لما كان صدر هذا البيان، وما فيه من مؤشرات تفاؤلية بالنسبة إلى وقف النار في صورة إيجابية تمهيدا لخطوات سياسية وديبلوماسية متقدمة بالنسبة إلى الوضع الجنوبي الذي لا يزال متأزمًا، على رغم ما لمسه الوفد اللبناني من الوفد الاسرائيلي من تجاوب مع المسعى اللبناني، خصوصا لجهة تسهيل عمل المؤسسات الأمنية في لبنان وتفعيل القرارات الحكومية الخاصة بحصر السلاح بيد القوى العسكرية اللبنانية الشرعية.
من بين الوقائع المتسارعة التي يعيشها لبنان، ومعه جميع اللبنانيين، وبالأخص البيئة الحاضنة لـ “الثنائي الشيعي” أنه لم يعد ممكناً الفصل بين التصعيد الميداني في الجنوب وبين المفاوضات الجارية في واشنطن، لأن كلاً منهما بات يستخدم الآخر كورقة ضغط وتحسين شروط. فالميدان اليوم لا يتحرك بعيداً من السياسة، كما أنّ التفاوض لم يعد منفصلاً عن حسابات النار والرسائل العسكرية المتبادلة.
في الواقع، يبدو الجنوب وكأنه دخل من جديد مرحلة “الضغط بالنار”، حيث تحاول إسرائيل عبر تكثيف غاراتها وعملياتها العسكرية فرض وقائع أمنية جديدة على الأرض، قبل الوصول إلى أي اتفاق سياسي أو أمني نهائي قبل أو بعد 29 الشهر الجاري. وهي تسعى، من خلال هذا التصعيد، إلى القول للراعي الأميركي وللوسطاء الدوليين إنّ العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة، وإنّ أي تسوية مقبلة يجب أن تتضمن ضمانات أمنية صارمة، تبدأ بإبعاد خطر “حزب الله” عن الحدود الشمالية لإسرائيل.
في المقابل، يتعامل “حزب الله” مع الميدان باعتباره أيضاً ورقة تفاوض غير مباشرة. ف”الحزب” يدرك أنّ استمرار الضغط العسكري يمنع إسرائيل من فرض شروطها كاملة، ويؤكد أنّ أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تُفرض بالقوة أو بالإملاءات السياسية. لذلك، تبدو الجبهة الجنوبية وكأنها تتحول تدريجياً إلى مساحة “عضّ أصابع” إقليمية مفتوحة، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي بالنار، من دون الانزلاق الكامل، حتى الآن، إلى حرب شاملة.
أما واشنطن، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة للغاية. فهي من جهة تريد حماية إسرائيل ومنع تدهور الوضع الأمني على حدودها الشمالية، لكنها من جهة أخرى لا تبدو راغبة بحرب واسعة في لبنان قد تؤدي إلى انفجار إقليمي شامل، خصوصاً في ظل التعقيدات القائمة في غزة والبحر الأحمر والعراق وسوريا.
من هنا يمكن فهم ردود الفعل على ما توصّلت إليه مفاوضات واشنطن. فالمشكلة بالنسبة إلى البعض لم تعد تقنية أو مرتبطة فقط بآليات تنفيذ القرار 1701، بل أصبحت مرتبطة بجوهر الصراع نفسه. فهل المطلوب مجرد تهدئة حدودية، أم إعادة رسم قواعد الاشتباك بالكامل، أم فرض توازن جديد في الجنوب بالقوة السياسية والعسكرية معاً؟وتشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ واشنطن تحاول الدفع نحو صيغة تقوم على تعزيز انتشار الجيش جنوباً، واستبدال “اليونيفيل” بقوات دولية ذات صلاحيات واسعة، وتقليص المظاهر العسكرية لـ “حزب الله” قرب الحدود، مقابل وقف الغارات الإسرائيلية والانتقال إلى تفاهمات أمنية طويلة الأمد.
لكن العقبة الأساسية، وفق بعض الأوساط الديبلوماسية، تكمن في انعدام الثقة بين الأطراف. فإسرائيل تريد ضمانات ملموسة وسريعة، فيما يعتبر “حزب الله” أنّ أي انسحاب أو تراجع تحت الضغط العسكري سيُقرأ كتحول استراتيجي في ميزان الردع.
وفي هذا السياق، يُخشى أن يتحول التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض بحد ذاته. فكل غارة، وكل عملية، وكل تهديد، يحمل رسالة سياسية موازية للطاولة الديبلوماسية في واشنطن. لذلك، فإن استمرار الاشتباك لا يعني بالضرورة فشل المفاوضات، بل قد يكون جزءاً من عملية الضغط المتبادل للوصول إلى تسوية بشروط أفضل.









