قانون العفو في محرقة البازار الطّائفيّ!

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
17 أيار 2026

أقحِم قانون العفو العامّ في بازار طائفيّ مقيت جعل منه “سلّة سوداء” قادرة على تبييض سجون لبنان، يُجمع فيها محكومون وموقوفون من كلّ حدب وصوب، على الرغم من لائحة الاستثناءات التي تضمّنها. أصبح الاقتراح أشبه بتبادل مطالب بين الطوائف يسعى فيه كلّ فريق إلى تحصيل “حصّته” من العفو. زنّرت هذه المقاربة تحديداً الاقتراح بحزام ناسف، يُخشى أن ينفجر بأيّ لحظة… والصاعق بيد اجتماع الغد التشاوريّ.

بين من يقدّمه كـ”تسوية إنسانيّة” ومن يراه انفجاراً مؤجّلاً، تحوّل قانون العفو العامّ إلى ملفّ مثير للقلق نظراً لحجم التداعيات التي قد يتركها إذا جرى تمريره بصيغة واسعة تسمح بإخراج أكثر من أربعة آلاف سجين دفعة واحدة، تحت عنوان معالجة ملفّ الموقوفين الإسلاميّين، وبعدما تحوّل أداة تسوية سياسيّة بدل أن يكون إجراءً قضائيّاً دقيقاً ومحدوداً، مكرّساً قاعدة خطِرة: الضغط السياسيّ والطائفيّ قادر على إسقاط المحاسبة.

هكذا، ومن أجل إخراج 146 من الإسلاميّين (لبنانيّين وغير لبنانيّين)، بينهم 13 حكماً بالإعدام وحوالي 40 حكماً بالمؤبّد، قد تُفتح أبواب السجون أمام تجّار مخدّرات (بفعل العفو عمّن هو محكوم بملاحقة قضائيّة واحدة وفقاً للاستثناءات التي نصّ عليها الاقتراح وإلّا تشمله التخفيضات)، والكثير من المحكومين بقضايا خطِرة.

كان يفترض بهذا المعنى أن يتركّز النقاش على إصلاح قضائيّ شامل أو تسريع المحاكمات أو حتّى إعادتها، لا على مقايضة سياسيّة واضحة. تحاول القوى الدافعة نحو العفو تسويق الملفّ باعتباره قضيّة “مظلوميّة” تخصّ الموقوفين الإسلاميّين، فيما الواقع أنّ القانون إذا توسّع فسيفتح الباب أمام آلاف الملفّات الأخرى، وهو ما يعني عمليّاً إطلاق موجة إفراج جماعيّة قد تربك الأجهزة الأمنيّة والقضاء والمجتمع معاً.

أعطونا لنعطيكم

في الواقع، أُقحم الاقتراح في زواريب طائفيّة هجينة: أعطونا لنعطيكم. كانت المبادرة من جانب النوّاب السنّة الذين طالبوا بإعادة إحياء قانون العفو بعد إطلاق الدفعة الأولى من الموقوفين السوريّين في السجون اللبنانيّة في قضايا أُبقي فيها على اللبنانيين، الأمر الذي دفعهم إلى إحياء الاقتراح القديم الذي أُشبع نقاشات وخلافات على مرّ السنوات في اللجان النيابيّة، وتحديثه لتتبنّاه مجموعة من النوّاب السنّة وتعرضه على بقيّة الكتل النيابيّة، قبل بدء مناقشته في اللجان المشتركة. ويقوم الاقتراح على قاعدتين: منح العفو العامّ وتخفيض مدّة بعض العقوبات بشكل استثنائيّ.

عندئذٍ فُتح البازار: كلّ جهة تحاول إدخال ملفّاتها الخاصّة تحت سقف “التسوية الشاملة”. يدفع النوّاب الشيعة باتّجاه شمول مطلوبين وموقوفين مرتبطين بملفّات تجارة المخدّرات وزراعة الممنوعات، تحت عنوان معالجة “الواقع الاجتماعيّ” في بعض المناطق. في المقابل، يركّز عدد من النوّاب السنّة على أولويّة الإفراج عن الموقوفين الإسلاميّين، معتبرين أنّ جزءاً كبيراً منهم تعرّض لظروف استثنائيّة أو لمحاكمات غير عادلة أو لا يزالون من دون محاكمات. أمّا القوى المسيحيّة فقد قرّرت إدخال ملفّ اللبنانيّين المبعدين إلى إسرائيل والعمل على إعادتهم ضمن سلّة العفو نفسها، باعتباره قضيّة إنسانيّة وسياسيّة قديمة.

اعتراض الجيش

تجلّى الإشكال المُرحّل منذ سنوات، مع اعتراض المؤسّسة العسكريّة على تخفيف الأحكام بحقّ المتورّطين في مقتل ضبّاط وعسكريّين، على اعتبار أنّ هؤلاء مستثنون من العفو، لكنّهم مشمولون بالتخفيضات المطروحة في الاقتراح، حيث أبدى وزير الدفاع ميشال منسّى، ممثّلاً الجيش، تمسّكاً بأن لا يتجاوز مبدأ تخفيض الإعدام 30 سنة فعليّة والمؤبّد 20 سنة سجنيّة.

دفع هذا الأمر بعض النوّاب إلى طلب موعد من رئاسة الجمهوريّة للقاء الرئيس جوزف عون لمناشدته المساعدة على تليين موقف المؤسّسة العسكريّة. هنا يقول أحد النوّاب الذين شاركوا في الاجتماع إنّ رئيس الجمهوريّة، انطلاقاً من كونه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، أبدى تجاوباً وتعاوناً لإقرار القانون بشكل دفعه إلى التصدّي لوزير الدفاع، وقال الرئيس عون أمام النوّاب إنّه يؤيّد الحلّ الوسطيّ الذي يقوم على تخفيض الإعدام إلى 20 سنة فعليّة، وتخفيض المؤبّد إلى 20 سنة سجنيّة، فيما كان الاقتراح يقضي بتخفيض الإعدام إلى 30 سنة سجنيّة قبل أن يطلب مقدّموه تخفيضها أكثر، وتحديداً إلى 25 سنة سجنيّة.

لكنّ عين التينة لم تهضم الانخراط الرئاسيّ في الملفّ، ورأت فيه التفافاً على صلاحيّات مجلس النوّاب. هذا مع العلم أنّ أحد النوّاب المتابعين قلّل من استياء رئيس المجلس نبيه برّي، ملمّحاً إلى دور سلبيّ قاده نائبه الياس بو صعب اعتراضاً على مسعى الرئاسة الأولى إلى نزع الألغام من أمام القانون، بدليل أنّ برّي حين التقى “تكتّل الاعتدال” لم يتحدّث أمامهم عن استيائه أو انزعاجه من تصرّف رئيس الجمهوريّة.

اجتماع تشاوريّ ثمّ لجان مشتركة

مع ذلك، لم تثمر الحركة المكّوكيّة التي قادها “تكتّل الاعتدال” بين بعبدا وعين التينة والسراي الحكوميّ عن تفاهم نهائيّ. لا تزال الألغام حاضرة. لكنّ برّي جزم أمام النوّاب أنّه سيعطي فرصة أخيرة للنوّاب في اجتماع تشاوريّ سيُعقد اليوم الإثنين، على أن تلتئم اللجان المشتركة يوم الثلاثاء لإقرار الصيغة القانونيّة للاقتراح قبل أن يحدّد موعداً للهيئة العامّة.

بهذا المعنى، صارت كلمة السرّ في الاجتماع التشاوريّ، الذي بدا وكأنّه مرشّح للانفراط بسبب إصرار بو صعب على دعوة المؤسّسة العسكريّة إلى المشاركة فيه، بشكل بدا وكأنّ نائب رئيس مجلس النوّاب يضع العصيّ في دواليب اتّفاق بعبدا على صيغة الـ20/20. لكنّ من يعرفون بو صعب يجزمون أنّ الرجل غير مقتنع بهذا التخفيض ويعتبره مسيئاً بحقّ المؤسّسة العسكريّة، ولهذا يمارس ضغطاً لرفع سقف التخفيضات.

ثبّتت العودة عن دعوة الجيش إلى المشاركة في الاجتماع موعد اللقاء التشاوريّ في موعده المقرّر اليوم الإثنين في غياب تكتلات نيابية رئيسية قبل القوات اللبنانية ومستقلّين. لكنّ أسباب نسف الاقتراح لا تزال قائمة، وسط شعور عدد من النوّاب بأنّ قانون العفو العامّ دخل محرقة البازار السياسيّ، وصار لا بدّ من التفكير بمخارج قانونيّة أخرى لإطلاق سراح الإسلاميّين، ومنها العفو الخاصّ وتسريع المحاكمات أو إعادتها.

قانون العفو في محرقة البازار الطّائفيّ!

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
17 أيار 2026

أقحِم قانون العفو العامّ في بازار طائفيّ مقيت جعل منه “سلّة سوداء” قادرة على تبييض سجون لبنان، يُجمع فيها محكومون وموقوفون من كلّ حدب وصوب، على الرغم من لائحة الاستثناءات التي تضمّنها. أصبح الاقتراح أشبه بتبادل مطالب بين الطوائف يسعى فيه كلّ فريق إلى تحصيل “حصّته” من العفو. زنّرت هذه المقاربة تحديداً الاقتراح بحزام ناسف، يُخشى أن ينفجر بأيّ لحظة… والصاعق بيد اجتماع الغد التشاوريّ.

بين من يقدّمه كـ”تسوية إنسانيّة” ومن يراه انفجاراً مؤجّلاً، تحوّل قانون العفو العامّ إلى ملفّ مثير للقلق نظراً لحجم التداعيات التي قد يتركها إذا جرى تمريره بصيغة واسعة تسمح بإخراج أكثر من أربعة آلاف سجين دفعة واحدة، تحت عنوان معالجة ملفّ الموقوفين الإسلاميّين، وبعدما تحوّل أداة تسوية سياسيّة بدل أن يكون إجراءً قضائيّاً دقيقاً ومحدوداً، مكرّساً قاعدة خطِرة: الضغط السياسيّ والطائفيّ قادر على إسقاط المحاسبة.

هكذا، ومن أجل إخراج 146 من الإسلاميّين (لبنانيّين وغير لبنانيّين)، بينهم 13 حكماً بالإعدام وحوالي 40 حكماً بالمؤبّد، قد تُفتح أبواب السجون أمام تجّار مخدّرات (بفعل العفو عمّن هو محكوم بملاحقة قضائيّة واحدة وفقاً للاستثناءات التي نصّ عليها الاقتراح وإلّا تشمله التخفيضات)، والكثير من المحكومين بقضايا خطِرة.

كان يفترض بهذا المعنى أن يتركّز النقاش على إصلاح قضائيّ شامل أو تسريع المحاكمات أو حتّى إعادتها، لا على مقايضة سياسيّة واضحة. تحاول القوى الدافعة نحو العفو تسويق الملفّ باعتباره قضيّة “مظلوميّة” تخصّ الموقوفين الإسلاميّين، فيما الواقع أنّ القانون إذا توسّع فسيفتح الباب أمام آلاف الملفّات الأخرى، وهو ما يعني عمليّاً إطلاق موجة إفراج جماعيّة قد تربك الأجهزة الأمنيّة والقضاء والمجتمع معاً.

أعطونا لنعطيكم

في الواقع، أُقحم الاقتراح في زواريب طائفيّة هجينة: أعطونا لنعطيكم. كانت المبادرة من جانب النوّاب السنّة الذين طالبوا بإعادة إحياء قانون العفو بعد إطلاق الدفعة الأولى من الموقوفين السوريّين في السجون اللبنانيّة في قضايا أُبقي فيها على اللبنانيين، الأمر الذي دفعهم إلى إحياء الاقتراح القديم الذي أُشبع نقاشات وخلافات على مرّ السنوات في اللجان النيابيّة، وتحديثه لتتبنّاه مجموعة من النوّاب السنّة وتعرضه على بقيّة الكتل النيابيّة، قبل بدء مناقشته في اللجان المشتركة. ويقوم الاقتراح على قاعدتين: منح العفو العامّ وتخفيض مدّة بعض العقوبات بشكل استثنائيّ.

عندئذٍ فُتح البازار: كلّ جهة تحاول إدخال ملفّاتها الخاصّة تحت سقف “التسوية الشاملة”. يدفع النوّاب الشيعة باتّجاه شمول مطلوبين وموقوفين مرتبطين بملفّات تجارة المخدّرات وزراعة الممنوعات، تحت عنوان معالجة “الواقع الاجتماعيّ” في بعض المناطق. في المقابل، يركّز عدد من النوّاب السنّة على أولويّة الإفراج عن الموقوفين الإسلاميّين، معتبرين أنّ جزءاً كبيراً منهم تعرّض لظروف استثنائيّة أو لمحاكمات غير عادلة أو لا يزالون من دون محاكمات. أمّا القوى المسيحيّة فقد قرّرت إدخال ملفّ اللبنانيّين المبعدين إلى إسرائيل والعمل على إعادتهم ضمن سلّة العفو نفسها، باعتباره قضيّة إنسانيّة وسياسيّة قديمة.

اعتراض الجيش

تجلّى الإشكال المُرحّل منذ سنوات، مع اعتراض المؤسّسة العسكريّة على تخفيف الأحكام بحقّ المتورّطين في مقتل ضبّاط وعسكريّين، على اعتبار أنّ هؤلاء مستثنون من العفو، لكنّهم مشمولون بالتخفيضات المطروحة في الاقتراح، حيث أبدى وزير الدفاع ميشال منسّى، ممثّلاً الجيش، تمسّكاً بأن لا يتجاوز مبدأ تخفيض الإعدام 30 سنة فعليّة والمؤبّد 20 سنة سجنيّة.

دفع هذا الأمر بعض النوّاب إلى طلب موعد من رئاسة الجمهوريّة للقاء الرئيس جوزف عون لمناشدته المساعدة على تليين موقف المؤسّسة العسكريّة. هنا يقول أحد النوّاب الذين شاركوا في الاجتماع إنّ رئيس الجمهوريّة، انطلاقاً من كونه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، أبدى تجاوباً وتعاوناً لإقرار القانون بشكل دفعه إلى التصدّي لوزير الدفاع، وقال الرئيس عون أمام النوّاب إنّه يؤيّد الحلّ الوسطيّ الذي يقوم على تخفيض الإعدام إلى 20 سنة فعليّة، وتخفيض المؤبّد إلى 20 سنة سجنيّة، فيما كان الاقتراح يقضي بتخفيض الإعدام إلى 30 سنة سجنيّة قبل أن يطلب مقدّموه تخفيضها أكثر، وتحديداً إلى 25 سنة سجنيّة.

لكنّ عين التينة لم تهضم الانخراط الرئاسيّ في الملفّ، ورأت فيه التفافاً على صلاحيّات مجلس النوّاب. هذا مع العلم أنّ أحد النوّاب المتابعين قلّل من استياء رئيس المجلس نبيه برّي، ملمّحاً إلى دور سلبيّ قاده نائبه الياس بو صعب اعتراضاً على مسعى الرئاسة الأولى إلى نزع الألغام من أمام القانون، بدليل أنّ برّي حين التقى “تكتّل الاعتدال” لم يتحدّث أمامهم عن استيائه أو انزعاجه من تصرّف رئيس الجمهوريّة.

اجتماع تشاوريّ ثمّ لجان مشتركة

مع ذلك، لم تثمر الحركة المكّوكيّة التي قادها “تكتّل الاعتدال” بين بعبدا وعين التينة والسراي الحكوميّ عن تفاهم نهائيّ. لا تزال الألغام حاضرة. لكنّ برّي جزم أمام النوّاب أنّه سيعطي فرصة أخيرة للنوّاب في اجتماع تشاوريّ سيُعقد اليوم الإثنين، على أن تلتئم اللجان المشتركة يوم الثلاثاء لإقرار الصيغة القانونيّة للاقتراح قبل أن يحدّد موعداً للهيئة العامّة.

بهذا المعنى، صارت كلمة السرّ في الاجتماع التشاوريّ، الذي بدا وكأنّه مرشّح للانفراط بسبب إصرار بو صعب على دعوة المؤسّسة العسكريّة إلى المشاركة فيه، بشكل بدا وكأنّ نائب رئيس مجلس النوّاب يضع العصيّ في دواليب اتّفاق بعبدا على صيغة الـ20/20. لكنّ من يعرفون بو صعب يجزمون أنّ الرجل غير مقتنع بهذا التخفيض ويعتبره مسيئاً بحقّ المؤسّسة العسكريّة، ولهذا يمارس ضغطاً لرفع سقف التخفيضات.

ثبّتت العودة عن دعوة الجيش إلى المشاركة في الاجتماع موعد اللقاء التشاوريّ في موعده المقرّر اليوم الإثنين في غياب تكتلات نيابية رئيسية قبل القوات اللبنانية ومستقلّين. لكنّ أسباب نسف الاقتراح لا تزال قائمة، وسط شعور عدد من النوّاب بأنّ قانون العفو العامّ دخل محرقة البازار السياسيّ، وصار لا بدّ من التفكير بمخارج قانونيّة أخرى لإطلاق سراح الإسلاميّين، ومنها العفو الخاصّ وتسريع المحاكمات أو إعادتها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار