الخطأ الأكبر في حسابات رافضي الاتفاق

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
10 تموز 2026

حتى التنازلات تصبح مسوّغة أمام الاختلال المخيف في ميزان القوى الذي قدمته حروب الإسناد للبنان

باستثناء فئة شيعية شجاعة مستقلة ومناهضة للهيمنة والمصادرة المزمنة للثنائي الشيعي “أمل” و”الحزب”، تغرق بيئة الثنائي على نحو صادم في حسابات موغلة في الديماغوجية التي يراد لها أن تغطي هجمة الثنائي على السلطة وخيارها التفاوضي والاتفاق الأولي مع إسرائيل، تبريرا لتمرير مزيد من الخدمات الكارثية الوجودية للطائفة على مذبح أهداف إيران.

في المقابل، يلقى الخيار التفاوضي تغطية معظم الثقل السني ومراجعه السياسية والدينية وشخصياته الوازنة رغم بروز ملاحظات لا يمكن تجاهلها لدى بعضها على الاتفاق الأولي مع إسرائيل، كان لا بد من توقعها، ولو أنها لم تهز التغطية الكبيرة للخيار التفاوضي. على المستوى المسيحي، يجد الخيار التفاوضي للسلطة في المطلق الدعم الأقوى والأمتن إطلاقا لدى القوى والشخصيات السيادية المعروفة، ناهيك بالمرجعية الكبيرة التي تمثلها بكركي، والتي تكرر إبراز الأهمية الإستراتيجية لما كان عليه تحالف 14 آذار سابقا في إقامة أرضية شعبية عابرة للطوائف على قاعدة نصرة الدولة صاحبة القرار المستقل المالكة حصرا للسلاح ولقرار الحرب والسلم. كعادته، يغرّد التيار العوني خارج هذا الخط التاريخيّ ويقف الآن في “مزاد” نصف الموقف الرافض للاتفاق والمداهن لـ”الحزب”، ونصف الموقف الحائر الآخر المدين للحرب التي تسبب بها الحزب.

وصولا إلى الدروز، كانت الانطلاقة مختلفة عما تقلب عليه الموقف في أطره العامة. فقد ساند الحزب التقدمي الاشتراكي السلطة أصلا في الخيار التفاوضي وغطاه، لكن موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط اخترق هذه التغطية وأطاحها تقريبا من أساسها حين انبرى أخيرا إلى موقف متماهٍ مع الإدانة الأقصى للاتفاق الأولي مع إسرائيل، وعدّه أسوأ من اتفاق 17 أيار، وتعامل بسلبية مع الفريق المفاوض والرئاستين الأولى والثانية، متجاهلا تماما مسببات الخلل الجوهرية، وكأن لبنان لا يزال يمتلك ما ملكه في اتفاق الهدنة عام 1949.

مجمل هذه الصورة، بل هذا الرسم البياني العريض لمواقف الطوائف والقوى الأساسية في لبنان، يعكس وسط المعطيات الدراماتيكية والتداعيات والنتائج الكارثية للحرب على أرض جنوب لبنان تحديدا وعلى مستوى لبنان كله عموما، ميزان قوى يجنح بغالبيته لمصلحة المضي في الخيار التفاوضي مهما كلّف من تنازلات، فيما ينبغي التوقف بإمعان عند الموقف الجانح لرفض الاتفاق.

والواقع أن ثمة جانبا بارزا وأساسيا في هذا الشق من الحسابات، هو الظن الغارق في الخطأ والالتباس والإنكار لدى أصحاب المواقف الرافضة أو التخوينية للسلطة، بأن ما انطبق قبل أكثر من أربعة عقود لدى إسقاط اتفاق 17 أيار وما تلاه من تطورات مصيرية، لا يزال قابلا للتجربة والنجاح. هذه الحسابات ليست خاطئة بالمعنى المنطقي الذي يعكس جمود الزمن في إيديولوجيات وسياسات جامدة ومتكلسة فحسب، بل تناهض تماما كل الوقائع الانقلابية التاريخية التي يرتسم على قاعدتها الشرق الأوسط برمته منذ ذاك الطوفان الكارثي، بعد عملية “طوفان الأقصى” والحروب المتصلة به التي أشعلها في أرجاء الإقليم ومن بينها لبنان.

ثم، إن الانقلاب التاريخيّ الآخذ في جرف المنطقة، ليس وحده سبب جعل حسابات هؤلاء خارج الزمن والواقع، بل إن نتائج الكارثة التي استولدتها حروب الإسناد التي تطوع بها “الحزب” لغزة وإيران، وشكلت الخدمة التاريخية المتكررة لإسرائيل على الأرض اللبنانية، هي في ذاتها المسخّف الأول والأكبر لهجمة رافضي الاتفاق مع إسرائيل. فحتى التنازلات تصبح مسوّغة أمام الاختلال المخيف في ميزان القوى الذي قدمته حروب الإسناد للبنان، لأن الانطلاق من الصفر يبقى أفضل من العدم.

فما حصل من تجارب تفاوضية أو تفاهمات عبر حقَب الصراع بين لبنان وإسرائيل منذ الثمانينيات، ليس المقياس الكافي القاطع لتحديد مواقف تتماهى مع تلك التجارب التي كانت ظروفها الدولية والإقليمية مختلفة اختلافاً جذريا عن الحقبة الحالية، خصوصا أن لبنان دُفع قسرا إلى المفاوضات وسط ظروف كارثية، والمواقف الرافضة للاتفاق الأولي كانت لتُفهم على غير ما هي الآن لو لم يكن ثمة حربان على الأقل دفع “الحزب” بلبنان إليهما، ولم تكن المفاوضات إلا فعل إنقاذ استلحاقي فرض نفسه على السلطة. لذا ما كان يصح في تفهم الرفض سابقا سقط تماما في هذه التجربة.

الخطأ الأكبر في حسابات رافضي الاتفاق

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
10 تموز 2026

حتى التنازلات تصبح مسوّغة أمام الاختلال المخيف في ميزان القوى الذي قدمته حروب الإسناد للبنان

باستثناء فئة شيعية شجاعة مستقلة ومناهضة للهيمنة والمصادرة المزمنة للثنائي الشيعي “أمل” و”الحزب”، تغرق بيئة الثنائي على نحو صادم في حسابات موغلة في الديماغوجية التي يراد لها أن تغطي هجمة الثنائي على السلطة وخيارها التفاوضي والاتفاق الأولي مع إسرائيل، تبريرا لتمرير مزيد من الخدمات الكارثية الوجودية للطائفة على مذبح أهداف إيران.

في المقابل، يلقى الخيار التفاوضي تغطية معظم الثقل السني ومراجعه السياسية والدينية وشخصياته الوازنة رغم بروز ملاحظات لا يمكن تجاهلها لدى بعضها على الاتفاق الأولي مع إسرائيل، كان لا بد من توقعها، ولو أنها لم تهز التغطية الكبيرة للخيار التفاوضي. على المستوى المسيحي، يجد الخيار التفاوضي للسلطة في المطلق الدعم الأقوى والأمتن إطلاقا لدى القوى والشخصيات السيادية المعروفة، ناهيك بالمرجعية الكبيرة التي تمثلها بكركي، والتي تكرر إبراز الأهمية الإستراتيجية لما كان عليه تحالف 14 آذار سابقا في إقامة أرضية شعبية عابرة للطوائف على قاعدة نصرة الدولة صاحبة القرار المستقل المالكة حصرا للسلاح ولقرار الحرب والسلم. كعادته، يغرّد التيار العوني خارج هذا الخط التاريخيّ ويقف الآن في “مزاد” نصف الموقف الرافض للاتفاق والمداهن لـ”الحزب”، ونصف الموقف الحائر الآخر المدين للحرب التي تسبب بها الحزب.

وصولا إلى الدروز، كانت الانطلاقة مختلفة عما تقلب عليه الموقف في أطره العامة. فقد ساند الحزب التقدمي الاشتراكي السلطة أصلا في الخيار التفاوضي وغطاه، لكن موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط اخترق هذه التغطية وأطاحها تقريبا من أساسها حين انبرى أخيرا إلى موقف متماهٍ مع الإدانة الأقصى للاتفاق الأولي مع إسرائيل، وعدّه أسوأ من اتفاق 17 أيار، وتعامل بسلبية مع الفريق المفاوض والرئاستين الأولى والثانية، متجاهلا تماما مسببات الخلل الجوهرية، وكأن لبنان لا يزال يمتلك ما ملكه في اتفاق الهدنة عام 1949.

مجمل هذه الصورة، بل هذا الرسم البياني العريض لمواقف الطوائف والقوى الأساسية في لبنان، يعكس وسط المعطيات الدراماتيكية والتداعيات والنتائج الكارثية للحرب على أرض جنوب لبنان تحديدا وعلى مستوى لبنان كله عموما، ميزان قوى يجنح بغالبيته لمصلحة المضي في الخيار التفاوضي مهما كلّف من تنازلات، فيما ينبغي التوقف بإمعان عند الموقف الجانح لرفض الاتفاق.

والواقع أن ثمة جانبا بارزا وأساسيا في هذا الشق من الحسابات، هو الظن الغارق في الخطأ والالتباس والإنكار لدى أصحاب المواقف الرافضة أو التخوينية للسلطة، بأن ما انطبق قبل أكثر من أربعة عقود لدى إسقاط اتفاق 17 أيار وما تلاه من تطورات مصيرية، لا يزال قابلا للتجربة والنجاح. هذه الحسابات ليست خاطئة بالمعنى المنطقي الذي يعكس جمود الزمن في إيديولوجيات وسياسات جامدة ومتكلسة فحسب، بل تناهض تماما كل الوقائع الانقلابية التاريخية التي يرتسم على قاعدتها الشرق الأوسط برمته منذ ذاك الطوفان الكارثي، بعد عملية “طوفان الأقصى” والحروب المتصلة به التي أشعلها في أرجاء الإقليم ومن بينها لبنان.

ثم، إن الانقلاب التاريخيّ الآخذ في جرف المنطقة، ليس وحده سبب جعل حسابات هؤلاء خارج الزمن والواقع، بل إن نتائج الكارثة التي استولدتها حروب الإسناد التي تطوع بها “الحزب” لغزة وإيران، وشكلت الخدمة التاريخية المتكررة لإسرائيل على الأرض اللبنانية، هي في ذاتها المسخّف الأول والأكبر لهجمة رافضي الاتفاق مع إسرائيل. فحتى التنازلات تصبح مسوّغة أمام الاختلال المخيف في ميزان القوى الذي قدمته حروب الإسناد للبنان، لأن الانطلاق من الصفر يبقى أفضل من العدم.

فما حصل من تجارب تفاوضية أو تفاهمات عبر حقَب الصراع بين لبنان وإسرائيل منذ الثمانينيات، ليس المقياس الكافي القاطع لتحديد مواقف تتماهى مع تلك التجارب التي كانت ظروفها الدولية والإقليمية مختلفة اختلافاً جذريا عن الحقبة الحالية، خصوصا أن لبنان دُفع قسرا إلى المفاوضات وسط ظروف كارثية، والمواقف الرافضة للاتفاق الأولي كانت لتُفهم على غير ما هي الآن لو لم يكن ثمة حربان على الأقل دفع “الحزب” بلبنان إليهما، ولم تكن المفاوضات إلا فعل إنقاذ استلحاقي فرض نفسه على السلطة. لذا ما كان يصح في تفهم الرفض سابقا سقط تماما في هذه التجربة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار