الانتخابات الإسرائيليّة… نافذة لاتّفاق مع لبنان؟

ينشغل النقاش في لبنان منذ أسابيع بما ستفرزه الانتخابات الإسرائيليّة التي ستجري في 27 تشرين الأوّل المقبل، وكأنّ اسم رئيس الحكومة المقبل هو الذي سيرسم مستقبل الجبهة الجنوبيّة. إلّا أنّ القراءة الدبلوماسيّة التي تواكب الملفّ الإسرائيليّ تذهب في اتّجاه مختلف. فالمتغيّر الحقيقيّ لم يعد في الأشخاص، بل في طبيعة الهدف الإسرائيليّ نفسه. وما تبدّل بعد الحرب الأخيرة ليس الحكومة، بل السؤال الذي تطرحه إسرائيل على نفسها: كيف يُقفَل الملفّ اللبنانيّ نهائيّاً؟ الاختلاف بين بنيامين نتنياهو وخصومه، وبينهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، لا يدور، وفق القراءة الدبلوماسيّة، حول ضرورة إقفال الملفّ اللبنانيّ، بل حول من ينجح في تحقيق ذلك، وبأيّ وسيلة، وبأيّ كلفة.
انطلاقاً من هنا، تبدو الانتخابات الإسرائيليّة أشبه بمهلة زمنيّة منها بمحطّة تغيّر السياسات. فبنيامين نتنياهو يحتاج إلى إنجاز قبل السابع والعشرين من تشرين الأوّل، فيما سيجد أيّ رئيس حكومة يأتي بعده نفسه أمام الهدف نفسه، ولو اختلفت الوسائل.
لذلك لا تكتسب الأشهر المقبلة أهمّيّتها لأنّها تسبق الانتخابات فحسب، بل لأنّها قد تكون الفترة التي يتحدّد خلالها ما إذا كان هذا الهدف سيتحقّق عبر التفاوض أو عبر الحرب. ويفسّر هذا، إلى حدّ بعيد، ما كشفته صحيفة “هآرتس” عن بحث نتنياهو عن “إنجاز” إضافيّ قبل الانتخابات. ويبقى لبنان الساحة الأكثر قابليّة لإنتاج إنجاز سياسيّ، أو للتحوّل إلى ساحة مواجهة إذا سقطت كلّ محاولات التسوية.
لم يعُد “استاتيكو” الهدوء كافياً
لم تعد المعادلة التي حكمت لبنان بعد حرب تمّوز 2006 هي نفسها التي تحكم التفكير الإسرائيليّ اليوم. فعلى مدى نحو عقدين، قامت العلاقة بين إسرائيل و”الحزب” على ردعٍ متبادل، ورسائل بالنار عند الحاجة، مع حرص الطرفين على إبقاء المواجهة تحت سقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. لكنّ التطوّرات التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل قلبت هذه المقاربة رأساً على عقب. فالمؤسّسة الأمنيّة والسياسيّة في إسرائيل لم تعد تنطلق من سؤال: كيف يمكن منع الحرب المقبلة؟ بل من كيف يمكن إزالة الأسباب التي قد تُنتج حرباً جديدة مستقبلاً؟
وعليه، لم يعد يكفي، من وجهة النظر الإسرائيليّة، أن يمتنع “الحزب” عن فتح جبهة إسناد جديدة لإيران، أو أن تعود الحدود إلى “الستاتيكو” الذي عرفته في مراحل سابقة. فالحديث داخل إسرائيل بات يدور حول معالجة أصل المشكلة، أي ملفّ السلاح، باعتباره المدخل إلى أي ترتيبات أمنيّة دائمة.
وبالتالي، لا تبدّل الانتخابات هذا الهدف، بل تضغط لتسريع الوصول إليه لأنّ أيّ اتّفاق يتحقّق قبل موعد الاقتراع سيُقدَّم على أنّه الإنجاز الذي أنهى أكثر الملفّات استنزافاً لإسرائيل منذ سنوات.
الفرصة التي لا يراها أحد
بناء على كلّ ما سبق، تحمل المرحلة الحاليّة مفارقة لافتة. ترى الكواليس الدبلوماسيّة أنّ الإرادة الإسرائيليّة لإنهاء هذا الملفّ قد تشكّل، للمرّة الأولى منذ سنوات، فرصة للبنان أيضاً. فالانطباع السائد في الكواليس أنّ إسرائيل لا تدخل المفاوضات الحاليّة لأنّها تريد إدارة الأزمة، بل لأنّها تريد الوصول إلى النتيجة المرجوّة. وإذا ضمنت ما تعتبره متطلّبات أمنها، تبدو مستعدّة للذهاب إلى اتّفاق يشمل انسحاباً كاملاً من الأراضي اللبنانيّة التي لا تزال تحتلها، مقابل مسار واضح لمعالجة ملفّ السلاح ضمن إطار الدولة اللبنانيّة.
ينشغل النقاش في لبنان منذ أسابيع بما ستفرزه الانتخابات الإسرائيليّة التي ستجري في 27 تشرين الأوّل المقبل
هنا تحديداً تكمن النافذة اللبنانيّة، لأنّها ليست فرصة للدولة اللبنانيّة وحدها، بل لـ”الحزب” أيضاً. تعتبر الكواليس الدبلوماسيّة أنّ “الحزب” يقف أمام لحظة مختلفة عن كلّ ما سبقها. فإذا كان ربط الساحة اللبنانيّة بالمسار الإيرانيّ جزءاً من معادلات المرحلة الماضية، فإنّ إسرائيل لم تعد تنظر إلى هذا الترابط بوصفه معادلة ردع، بل سبب إضافيّ للمطالبة بحلّ نهائيّ.
وبالتالي، هل يختار “الحزب” أن يبقى جزءاً من مسار إقليميّ واحد مع إيران، أم يختار الانخراط في تسوية لبنانيّة يكون شريكاً فيها من داخل الدولة، لا كقوّة مستقلّة عنها؟
لا تطرح القراءة الدبلوماسيّة هذا الاحتمال بوصفه أمراً محسوماً، بل باعتباره نافذة سياسيّة قد تفتح باباً لتسوية تضمن انسحاباً إسرائيليّاً كاملاً، إذا توافرت الإرادة لدى مختلف الأطراف.
روما… ليست المسار الوحيد
في هذا الإطار، بقدر ما لا تبدو المصادر الدبلوماسيّة متأملة بانفصال “الحزب” عن إيران، لا تبدو أيضاً متفائلة كثيراً بإمكان أن تنجح مفاوضات روما، بصيغتها الحالية، في تحقيق ما تريده إسرائيل قبل الانتخابات. الانطباع الثابت أنّ وتيرة التفاوض لا تزال أبطأ من السقف الزمني الذي تفرضه الانتخابات، وأنّ الملفات المطروحة أعقد من أن تُحسم خلال أسابيع قليلة.
إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ مسار روما فقد أهمّيته. بل على العكس، ما تزال إسرائيل تتعامل معه باعتباره المسار المتاح في غياب أيّ بديل جاهز. ولكن بالتوازي، تتحدّث الكواليس عن اهتمام عبّرت عنه دول عربيّة وأوروبيّة بالدخول على خطّ الوساطة، سواء عبر الدولة اللبنانيّة أو عبر قنوات تواصل مع “الحزب”، انطلاقاً من اقتناع متزايد بأنّ أيّ تسوية لن يُكتب لها النجاح إذا بقي الطرفين المعنيّ الأساسيّ خارجها.
عليّ الطّاهر… العقدة التي تختصر كلّ شيء
إذا كانت العناوين الكبرى قابلة للنقاش، فإنّ العقدة الحقيقيّة بقيت في الميدان. فتلال عليّ الطاهر لم تعد موقعاً عسكريّاً وحسب، بل تحوّلت إلى عنوان سياسيّ للمفاوضات كلّها. بالنسبة إلى “الحزب”، لا يمكن التفريط بهذه المنطقة قبل انسحاب إسرائيليّ كامل من الأراضي اللبنانيّة، لأنّها تمثّل إحدى أهمّ أوراق التفاوض. أمّا إسرائيل فتتعامل معها من زاوية معاكسة تماماً، إذ تعتبر أنّ معالجة هذه المنطقة يجب أن تسبق أيّ انسحاب، لا أن تكون نتيجة له.
عند هذه النقطة تحدّثت مصادر مطّلعة على مواقف القوى المعنيّة عن توقّف المبادرات، وبدء الحسابات الميدانيّة باستعادة حضورها، بالتوازي مع استمرار الاتّصالات السياسيّة.
إنّ نافذة ما قبل الانتخابات الإسرائيليّة ضيّقة، لكنّها لا تزال مفتوحة. فإذا نجحت الأطراف في استثمارها، فقد يخرج لبنان بتسوية تمهّد لحلّ ينهي مرحلة امتدّت منذ عام 2006. أمّا إذا أُغلقت من دون اتّفاق، فإنّ المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة، تصبح فيها الخيارات العسكريّة أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى.
الانتخابات الإسرائيليّة… نافذة لاتّفاق مع لبنان؟

ينشغل النقاش في لبنان منذ أسابيع بما ستفرزه الانتخابات الإسرائيليّة التي ستجري في 27 تشرين الأوّل المقبل، وكأنّ اسم رئيس الحكومة المقبل هو الذي سيرسم مستقبل الجبهة الجنوبيّة. إلّا أنّ القراءة الدبلوماسيّة التي تواكب الملفّ الإسرائيليّ تذهب في اتّجاه مختلف. فالمتغيّر الحقيقيّ لم يعد في الأشخاص، بل في طبيعة الهدف الإسرائيليّ نفسه. وما تبدّل بعد الحرب الأخيرة ليس الحكومة، بل السؤال الذي تطرحه إسرائيل على نفسها: كيف يُقفَل الملفّ اللبنانيّ نهائيّاً؟ الاختلاف بين بنيامين نتنياهو وخصومه، وبينهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، لا يدور، وفق القراءة الدبلوماسيّة، حول ضرورة إقفال الملفّ اللبنانيّ، بل حول من ينجح في تحقيق ذلك، وبأيّ وسيلة، وبأيّ كلفة.
انطلاقاً من هنا، تبدو الانتخابات الإسرائيليّة أشبه بمهلة زمنيّة منها بمحطّة تغيّر السياسات. فبنيامين نتنياهو يحتاج إلى إنجاز قبل السابع والعشرين من تشرين الأوّل، فيما سيجد أيّ رئيس حكومة يأتي بعده نفسه أمام الهدف نفسه، ولو اختلفت الوسائل.
لذلك لا تكتسب الأشهر المقبلة أهمّيّتها لأنّها تسبق الانتخابات فحسب، بل لأنّها قد تكون الفترة التي يتحدّد خلالها ما إذا كان هذا الهدف سيتحقّق عبر التفاوض أو عبر الحرب. ويفسّر هذا، إلى حدّ بعيد، ما كشفته صحيفة “هآرتس” عن بحث نتنياهو عن “إنجاز” إضافيّ قبل الانتخابات. ويبقى لبنان الساحة الأكثر قابليّة لإنتاج إنجاز سياسيّ، أو للتحوّل إلى ساحة مواجهة إذا سقطت كلّ محاولات التسوية.
لم يعُد “استاتيكو” الهدوء كافياً
لم تعد المعادلة التي حكمت لبنان بعد حرب تمّوز 2006 هي نفسها التي تحكم التفكير الإسرائيليّ اليوم. فعلى مدى نحو عقدين، قامت العلاقة بين إسرائيل و”الحزب” على ردعٍ متبادل، ورسائل بالنار عند الحاجة، مع حرص الطرفين على إبقاء المواجهة تحت سقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. لكنّ التطوّرات التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل قلبت هذه المقاربة رأساً على عقب. فالمؤسّسة الأمنيّة والسياسيّة في إسرائيل لم تعد تنطلق من سؤال: كيف يمكن منع الحرب المقبلة؟ بل من كيف يمكن إزالة الأسباب التي قد تُنتج حرباً جديدة مستقبلاً؟
وعليه، لم يعد يكفي، من وجهة النظر الإسرائيليّة، أن يمتنع “الحزب” عن فتح جبهة إسناد جديدة لإيران، أو أن تعود الحدود إلى “الستاتيكو” الذي عرفته في مراحل سابقة. فالحديث داخل إسرائيل بات يدور حول معالجة أصل المشكلة، أي ملفّ السلاح، باعتباره المدخل إلى أي ترتيبات أمنيّة دائمة.
وبالتالي، لا تبدّل الانتخابات هذا الهدف، بل تضغط لتسريع الوصول إليه لأنّ أيّ اتّفاق يتحقّق قبل موعد الاقتراع سيُقدَّم على أنّه الإنجاز الذي أنهى أكثر الملفّات استنزافاً لإسرائيل منذ سنوات.
الفرصة التي لا يراها أحد
بناء على كلّ ما سبق، تحمل المرحلة الحاليّة مفارقة لافتة. ترى الكواليس الدبلوماسيّة أنّ الإرادة الإسرائيليّة لإنهاء هذا الملفّ قد تشكّل، للمرّة الأولى منذ سنوات، فرصة للبنان أيضاً. فالانطباع السائد في الكواليس أنّ إسرائيل لا تدخل المفاوضات الحاليّة لأنّها تريد إدارة الأزمة، بل لأنّها تريد الوصول إلى النتيجة المرجوّة. وإذا ضمنت ما تعتبره متطلّبات أمنها، تبدو مستعدّة للذهاب إلى اتّفاق يشمل انسحاباً كاملاً من الأراضي اللبنانيّة التي لا تزال تحتلها، مقابل مسار واضح لمعالجة ملفّ السلاح ضمن إطار الدولة اللبنانيّة.
ينشغل النقاش في لبنان منذ أسابيع بما ستفرزه الانتخابات الإسرائيليّة التي ستجري في 27 تشرين الأوّل المقبل
هنا تحديداً تكمن النافذة اللبنانيّة، لأنّها ليست فرصة للدولة اللبنانيّة وحدها، بل لـ”الحزب” أيضاً. تعتبر الكواليس الدبلوماسيّة أنّ “الحزب” يقف أمام لحظة مختلفة عن كلّ ما سبقها. فإذا كان ربط الساحة اللبنانيّة بالمسار الإيرانيّ جزءاً من معادلات المرحلة الماضية، فإنّ إسرائيل لم تعد تنظر إلى هذا الترابط بوصفه معادلة ردع، بل سبب إضافيّ للمطالبة بحلّ نهائيّ.
وبالتالي، هل يختار “الحزب” أن يبقى جزءاً من مسار إقليميّ واحد مع إيران، أم يختار الانخراط في تسوية لبنانيّة يكون شريكاً فيها من داخل الدولة، لا كقوّة مستقلّة عنها؟
لا تطرح القراءة الدبلوماسيّة هذا الاحتمال بوصفه أمراً محسوماً، بل باعتباره نافذة سياسيّة قد تفتح باباً لتسوية تضمن انسحاباً إسرائيليّاً كاملاً، إذا توافرت الإرادة لدى مختلف الأطراف.
روما… ليست المسار الوحيد
في هذا الإطار، بقدر ما لا تبدو المصادر الدبلوماسيّة متأملة بانفصال “الحزب” عن إيران، لا تبدو أيضاً متفائلة كثيراً بإمكان أن تنجح مفاوضات روما، بصيغتها الحالية، في تحقيق ما تريده إسرائيل قبل الانتخابات. الانطباع الثابت أنّ وتيرة التفاوض لا تزال أبطأ من السقف الزمني الذي تفرضه الانتخابات، وأنّ الملفات المطروحة أعقد من أن تُحسم خلال أسابيع قليلة.
إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ مسار روما فقد أهمّيته. بل على العكس، ما تزال إسرائيل تتعامل معه باعتباره المسار المتاح في غياب أيّ بديل جاهز. ولكن بالتوازي، تتحدّث الكواليس عن اهتمام عبّرت عنه دول عربيّة وأوروبيّة بالدخول على خطّ الوساطة، سواء عبر الدولة اللبنانيّة أو عبر قنوات تواصل مع “الحزب”، انطلاقاً من اقتناع متزايد بأنّ أيّ تسوية لن يُكتب لها النجاح إذا بقي الطرفين المعنيّ الأساسيّ خارجها.
عليّ الطّاهر… العقدة التي تختصر كلّ شيء
إذا كانت العناوين الكبرى قابلة للنقاش، فإنّ العقدة الحقيقيّة بقيت في الميدان. فتلال عليّ الطاهر لم تعد موقعاً عسكريّاً وحسب، بل تحوّلت إلى عنوان سياسيّ للمفاوضات كلّها. بالنسبة إلى “الحزب”، لا يمكن التفريط بهذه المنطقة قبل انسحاب إسرائيليّ كامل من الأراضي اللبنانيّة، لأنّها تمثّل إحدى أهمّ أوراق التفاوض. أمّا إسرائيل فتتعامل معها من زاوية معاكسة تماماً، إذ تعتبر أنّ معالجة هذه المنطقة يجب أن تسبق أيّ انسحاب، لا أن تكون نتيجة له.
عند هذه النقطة تحدّثت مصادر مطّلعة على مواقف القوى المعنيّة عن توقّف المبادرات، وبدء الحسابات الميدانيّة باستعادة حضورها، بالتوازي مع استمرار الاتّصالات السياسيّة.
إنّ نافذة ما قبل الانتخابات الإسرائيليّة ضيّقة، لكنّها لا تزال مفتوحة. فإذا نجحت الأطراف في استثمارها، فقد يخرج لبنان بتسوية تمهّد لحلّ ينهي مرحلة امتدّت منذ عام 2006. أمّا إذا أُغلقت من دون اتّفاق، فإنّ المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة، تصبح فيها الخيارات العسكريّة أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى.










