بيروت في زمن النيترات: عندما تُغتال الحبيبة ويبقى الأطفال بلا إجابات!

الكاتب: إلياس عيسى إلياس | المصدر: هنا لبنان
4 آب 2026

أكثر ما يؤرقني في هذا الليل الطويل عيون أطفالي.
يجلسون أمامي ويسألون ببراءة: “بابا، ليه انكسر بيتنا؟ مين عمل هيك ببيروت؟”.
في تلك اللحظة أدرك حدود مسؤوليتي.
أكتب كي لا يرث أطفالي وعيًا يعتاد الظلم، وكي لا يتعلموا التكيّف مع الإفلات من العقاب.

 

في تمام الساعة 6:08 من مساء الثلاثاء، 4 آب 2020، لم تسقط جدران بيوتنا فحسب؛ بل توقّفت الساعة في قلوبنا جميعًا.
اهتزّت الأرض، وانشقّت السماء عن غبار كثيف، ووجدنا أنفسنا نمرّ بأيدينا على أجسادنا لنتأكّد أنّنا ما زلنا على قيد الحياة.
لم يكن الانفجار الذي انطلق من المرفأ نحو أحياء العاصمة خطأً إداريًّا عابرًا، بل ثمرة سنوات من الاستهانة بأرواحنا، والنتيجة المتوقّعة لدولة اعتادت أن تعامل ناسها كمجرّد أرقام مؤجّلة في قائمة الضحايا.

نحو 220 إنسانًا رحلوا في رمشة عين، وسبعة آلاف جريح حملوا ندوبهم، وجيل كامل بات يستيقظ على فزع مع كل صوت باب يُغلق بقوة.
الكارثة لم تكن مجرّد مأساة عابرة، بل كانت اكتشافًا صادمًا لمدى العري الذي نعيشه.
كيف أمكن لأكثر من 2750 طنًا من نيترات الأمونيوم أن تنام لسنوات في العنبر رقم 12؟ كيف برّروا وجودها على بعد أمتار من مكاتبنا وأسرّة أطفالنا، وتحت عيون مسؤولين كان بعضهم يعلم بوجودها ومخاطرها؟

على الرغم من مرور ست سنوات على الفاجعة، لم يصدر القرار الاتهامي حتى اليوم.
صحيح أن التحقيق استُؤنف بعد توقّف دام عامين، لكنّ التعطيل استمر بفعل الحصانات وطلبات كفّ اليد، فيما بدا أنّ عامل الوقت تحوّل إلى أحد أدوات الإفلات من العقاب.
غير أن الحقيقة تبقى أولى ركائز أي قيامة ننتظرها.

وما يزيد الجرح اتساعًا، أنه بعد مرور كل هذه السنوات، وعلى مشارف الذكرى السادسة في آب 2026، يعود الشبح نفسه ليطاردنا.
أعلنت قوات “اليونيفيل” ضبط زهاء أربعة آلاف كيلوغرام من مادة نيترات الأمونيوم في بلدة حولا الحدودية؛ فعاد السؤال يُطارد الأرواح: كيف تستمرّ هذه المواد في الظهور وكأنّ البلاد لم تتعلّم شيئًا من كارثتها الكبرى؟

هنا يتجلّى إصرار أهالي الضحايا. يتحرّك الشاب وليام نون، شقيق الشهيد جو نون، برفقة المجموعة القانونية المواكبة للقضية وعوائل الشهداء، لطلب إجراء فحوصات مقارنة مخبرية، للتأكّد ما إذا كانت المواد المضبوطة تنتمي إلى المصدر نفسه أو إلى سلسلة الإمداد ذاتها التي دمّرت المرفأ.
يرفضون استباق النتائج، لكنّهم يصرّون على تتبّع الخيط أينما قاد.
السلوى الوحيدة للبقاء نجدها في وجوه هؤلاء الأسر.

حين تنظر إلى والدة الشهيد إلياس خوري، أو تتابع المحامية سيسيل روكز، شقيقة الشهيد جوزف روكز، وهي تُلاحق التفاصيل القضائية بعين لا تنام، تدرك أن الذاكرة سلاحنا الأخير.
تُعيدنا هذه الوقائع بالذّاكرة إلى الليلة الأولى للمأساة، حين أطفأت بيروت أضواءها ودخلت في العتمة الشاملة.
داخل مستشفى القديس جاورجيوس (الروم)، تحوّلت الممرّات إلى متاهات من الغبار، وعالج الأطباء الجرحى في ضوء الهواتف بين المصاعد المعطّلة؛ هناك حملت الممرضة باميلا زينون ثلاثة أطفال خدّج بين ذراعيها وشقت طريقها وسط الركام.

وفي الكرنتينا الحكومي، الحي الصبور، سقطت أسقف وحدة حديثي الولادة بالكامل، قبل أن يُجلى الأطفال في واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ تأثيرًا.
أمّا مستشفيا الجعيتاوي وراهبات الوردية، فشهدت مواقف سياراتهما أطباء وممرضات يداوون الجراح وهم يبكون.

في المقابل، لم يأتِ غوث السلطة، بل انبعث الأمل من الشارع.
نزل الشباب إلى الشوارع حفاة، يُمسكون المكانس والقفازات، يزيلون الزجاج المكسور عن بيوت غرباء، ويطرقون الأبواب ليطمئنوا على كبار السن.
تجلى وجه بيروت الحقيقي في ذلك التكافل الصافي القادم من الناس، والذي حمى العاصمة من الانهيار الكامل في لحظاتها الأشد ظلمة.

ومن قلب هذا الركام والحداد، وُلدت لاحقًا قصص تُحاكي قدرة الحياة على التسلّل من بين شقوق الفاجعة.
التقت دروب وليام نون بماريا فارس، شقيقة الشهيدة سحر فارس، المُسعفة الشابّة في فوج الإطفاء.
جمعتهما الدماء المسفوكة والحزن المشترك، ومن قلب المأساة نبت أمل نقي؛ وفي أيلول 2023 تُوِّجت قصتهما بالزواج.
لم يكن زواجهما مسحًا للدموع أو نسيانًا للراحلين، بل كان إصرارًا على انتزاع الحياة والحقيقة معًا.

ولم تقف آثار المأساة عند حدود الشوارع والمستشفيات، بل اقتحمت كل تفصيل في حياتنا اليومية ودساتير عملنا.
حين أذهب إلى البنك، لا يغيب عن بالي زميلاي نيكول الحلو وجاك برمكيان.
تكاد المخيلة ترى فنجان قهوة جفّ على مكتبيهما في ذلك اليوم المشؤوم، ودفترًا توقف زمنه عند السادسة وثماني دقائق.
لطالما تخيّلنا بيروت أنثى مفعمة بالحب والحياة.
الانفجار اغتال هذا الجمال، ليحوّل المدينة إلى قصيدة مكسورة الوزن.

كيف نكتب عن الحب في مدينة تخاف فيها من النافذة؟ لكن الاستمرار في الكتابة والمطالبة بالحقيقة هو محاولتنا الوحيدة لاستعادة نبض الكلمات.
أكثر ما يؤرقني في هذا الليل الطويل عيون أطفالي.
يجلسون أمامي ويسألون ببراءة: “بابا، ليه انكسر بيتنا؟ مين عمل هيك ببيروت؟”.
في تلك اللحظة أدرك حدود مسؤوليتي.

أكتب كي لا يرث أطفالي وعيًا يعتاد الظلم، وكي لا يتعلموا التكيّف مع الإفلات من العقاب.
الوصول إلى العدالة ليس ترفًا فكريًّا ولا تصفية حسابات سياسية؛ بل هو الشرط الوحيد كي نواصل التنفّس في هذه المدينة.
فالعدالة وحدها قادرة على إعادة الزمن إلى السير، بعدما توقف عند السادسة وثماني دقائق.

بيروت في زمن النيترات: عندما تُغتال الحبيبة ويبقى الأطفال بلا إجابات!

الكاتب: إلياس عيسى إلياس | المصدر: هنا لبنان
4 آب 2026

أكثر ما يؤرقني في هذا الليل الطويل عيون أطفالي.
يجلسون أمامي ويسألون ببراءة: “بابا، ليه انكسر بيتنا؟ مين عمل هيك ببيروت؟”.
في تلك اللحظة أدرك حدود مسؤوليتي.
أكتب كي لا يرث أطفالي وعيًا يعتاد الظلم، وكي لا يتعلموا التكيّف مع الإفلات من العقاب.

 

في تمام الساعة 6:08 من مساء الثلاثاء، 4 آب 2020، لم تسقط جدران بيوتنا فحسب؛ بل توقّفت الساعة في قلوبنا جميعًا.
اهتزّت الأرض، وانشقّت السماء عن غبار كثيف، ووجدنا أنفسنا نمرّ بأيدينا على أجسادنا لنتأكّد أنّنا ما زلنا على قيد الحياة.
لم يكن الانفجار الذي انطلق من المرفأ نحو أحياء العاصمة خطأً إداريًّا عابرًا، بل ثمرة سنوات من الاستهانة بأرواحنا، والنتيجة المتوقّعة لدولة اعتادت أن تعامل ناسها كمجرّد أرقام مؤجّلة في قائمة الضحايا.

نحو 220 إنسانًا رحلوا في رمشة عين، وسبعة آلاف جريح حملوا ندوبهم، وجيل كامل بات يستيقظ على فزع مع كل صوت باب يُغلق بقوة.
الكارثة لم تكن مجرّد مأساة عابرة، بل كانت اكتشافًا صادمًا لمدى العري الذي نعيشه.
كيف أمكن لأكثر من 2750 طنًا من نيترات الأمونيوم أن تنام لسنوات في العنبر رقم 12؟ كيف برّروا وجودها على بعد أمتار من مكاتبنا وأسرّة أطفالنا، وتحت عيون مسؤولين كان بعضهم يعلم بوجودها ومخاطرها؟

على الرغم من مرور ست سنوات على الفاجعة، لم يصدر القرار الاتهامي حتى اليوم.
صحيح أن التحقيق استُؤنف بعد توقّف دام عامين، لكنّ التعطيل استمر بفعل الحصانات وطلبات كفّ اليد، فيما بدا أنّ عامل الوقت تحوّل إلى أحد أدوات الإفلات من العقاب.
غير أن الحقيقة تبقى أولى ركائز أي قيامة ننتظرها.

وما يزيد الجرح اتساعًا، أنه بعد مرور كل هذه السنوات، وعلى مشارف الذكرى السادسة في آب 2026، يعود الشبح نفسه ليطاردنا.
أعلنت قوات “اليونيفيل” ضبط زهاء أربعة آلاف كيلوغرام من مادة نيترات الأمونيوم في بلدة حولا الحدودية؛ فعاد السؤال يُطارد الأرواح: كيف تستمرّ هذه المواد في الظهور وكأنّ البلاد لم تتعلّم شيئًا من كارثتها الكبرى؟

هنا يتجلّى إصرار أهالي الضحايا. يتحرّك الشاب وليام نون، شقيق الشهيد جو نون، برفقة المجموعة القانونية المواكبة للقضية وعوائل الشهداء، لطلب إجراء فحوصات مقارنة مخبرية، للتأكّد ما إذا كانت المواد المضبوطة تنتمي إلى المصدر نفسه أو إلى سلسلة الإمداد ذاتها التي دمّرت المرفأ.
يرفضون استباق النتائج، لكنّهم يصرّون على تتبّع الخيط أينما قاد.
السلوى الوحيدة للبقاء نجدها في وجوه هؤلاء الأسر.

حين تنظر إلى والدة الشهيد إلياس خوري، أو تتابع المحامية سيسيل روكز، شقيقة الشهيد جوزف روكز، وهي تُلاحق التفاصيل القضائية بعين لا تنام، تدرك أن الذاكرة سلاحنا الأخير.
تُعيدنا هذه الوقائع بالذّاكرة إلى الليلة الأولى للمأساة، حين أطفأت بيروت أضواءها ودخلت في العتمة الشاملة.
داخل مستشفى القديس جاورجيوس (الروم)، تحوّلت الممرّات إلى متاهات من الغبار، وعالج الأطباء الجرحى في ضوء الهواتف بين المصاعد المعطّلة؛ هناك حملت الممرضة باميلا زينون ثلاثة أطفال خدّج بين ذراعيها وشقت طريقها وسط الركام.

وفي الكرنتينا الحكومي، الحي الصبور، سقطت أسقف وحدة حديثي الولادة بالكامل، قبل أن يُجلى الأطفال في واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ تأثيرًا.
أمّا مستشفيا الجعيتاوي وراهبات الوردية، فشهدت مواقف سياراتهما أطباء وممرضات يداوون الجراح وهم يبكون.

في المقابل، لم يأتِ غوث السلطة، بل انبعث الأمل من الشارع.
نزل الشباب إلى الشوارع حفاة، يُمسكون المكانس والقفازات، يزيلون الزجاج المكسور عن بيوت غرباء، ويطرقون الأبواب ليطمئنوا على كبار السن.
تجلى وجه بيروت الحقيقي في ذلك التكافل الصافي القادم من الناس، والذي حمى العاصمة من الانهيار الكامل في لحظاتها الأشد ظلمة.

ومن قلب هذا الركام والحداد، وُلدت لاحقًا قصص تُحاكي قدرة الحياة على التسلّل من بين شقوق الفاجعة.
التقت دروب وليام نون بماريا فارس، شقيقة الشهيدة سحر فارس، المُسعفة الشابّة في فوج الإطفاء.
جمعتهما الدماء المسفوكة والحزن المشترك، ومن قلب المأساة نبت أمل نقي؛ وفي أيلول 2023 تُوِّجت قصتهما بالزواج.
لم يكن زواجهما مسحًا للدموع أو نسيانًا للراحلين، بل كان إصرارًا على انتزاع الحياة والحقيقة معًا.

ولم تقف آثار المأساة عند حدود الشوارع والمستشفيات، بل اقتحمت كل تفصيل في حياتنا اليومية ودساتير عملنا.
حين أذهب إلى البنك، لا يغيب عن بالي زميلاي نيكول الحلو وجاك برمكيان.
تكاد المخيلة ترى فنجان قهوة جفّ على مكتبيهما في ذلك اليوم المشؤوم، ودفترًا توقف زمنه عند السادسة وثماني دقائق.
لطالما تخيّلنا بيروت أنثى مفعمة بالحب والحياة.
الانفجار اغتال هذا الجمال، ليحوّل المدينة إلى قصيدة مكسورة الوزن.

كيف نكتب عن الحب في مدينة تخاف فيها من النافذة؟ لكن الاستمرار في الكتابة والمطالبة بالحقيقة هو محاولتنا الوحيدة لاستعادة نبض الكلمات.
أكثر ما يؤرقني في هذا الليل الطويل عيون أطفالي.
يجلسون أمامي ويسألون ببراءة: “بابا، ليه انكسر بيتنا؟ مين عمل هيك ببيروت؟”.
في تلك اللحظة أدرك حدود مسؤوليتي.

أكتب كي لا يرث أطفالي وعيًا يعتاد الظلم، وكي لا يتعلموا التكيّف مع الإفلات من العقاب.
الوصول إلى العدالة ليس ترفًا فكريًّا ولا تصفية حسابات سياسية؛ بل هو الشرط الوحيد كي نواصل التنفّس في هذه المدينة.
فالعدالة وحدها قادرة على إعادة الزمن إلى السير، بعدما توقف عند السادسة وثماني دقائق.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار